هوامش
مدثر محمدالحرب الأمريكية - الإيرانية.. كيف أعادت المواجهة المباشرة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط؟
2026.07.11
الحرب الأمريكية - الإيرانية
كيف أعادت المواجهة المباشرة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط؟
لم تكن الحرب الأمريكية - الإيرانية، التي اندلعت في أواخر شهر فبراير، حدثًا مفاجئًا، بل جاءت تتويجًا لتراكمات سياسية وعسكرية امتدت لسنوات. بدأت هذه التراكمات بتصاعد التوتر حول البرنامج النووي الإيراني، وتنامي حدة المواجهة غير المباشرة بين الطرفين عبر ساحات إقليمية متعددة، قبل أنْ تبلغ ذروتها مع الهجمات الأمريكية - الإسرائيلية التي استهدفت العمق الإيراني، لتتحوَّل الأزمة بذلك إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
تُمثِّل إيران في الوقت الراهن، من وجهة نظر العديد من المراقبين، شكلًا من أشكال المقاومة المسلحة؛ ليس فقط في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل، بل أيضًا في مواجهة هيمنة النظام العالمي التي استمرَّت لعقود طويلة. وحتى وإنْ كانت هذه المقاومة تنطلق من منظور آيديولوجي يتعارض مع الفكر التَّقدُّمي، لا سيما في ظلِّ الخلفية الثيوقراطية لنظام «آية الله»، فإنَّها تُمثِّل في نظر مؤيديها نموذجًا لدولة تسعى إلى المواجهة، وترفض الرضوخ لما تعتبره مشاريع الهيمنة الإمبريالية.
توقيت التصعيد: الرهان على ضعف الحلفاء
منذ بداية الحرب، برزت مؤشرات قوية على أنَّ الاستراتيجية الأمريكية كانت تستهدف إضعاف - أو القضاء على - شبكة الحلفاء والقوى المسلحة المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط. ويمكن القول إنَّ توقيت التصعيد لم يكن عشوائيًّا، بل جاء في لحظة رأت فيها الإدارة الأمريكية أنَّ البيئة الإقليمية أصبحت أكثر ملاءمة لتحقيق أهدافها.
فمنذ عام 2011، ومع اندلاع ثورات الربيع العربي، شهدت السياسة الخارجية الأمريكية تحولًا نحو انخراط عسكري وأمني أكثر كثافة في منطقة الشرق الأوسط، سواء عبر التدخل المباشر في بعض الساحات أو من خلال دعم حلفاء وقوى محلية تخدم المصالح الأمريكية.
وفي هذا السياق، تعرَّضت القوى الإقليمية الحليفة لإيران خلال السنوات الأخيرة لسلسلة من الضربات التي أضعفت قدرتها على التأثير. فقد أدى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا إلى خسارة طهران أحد أهم حلفائها الإقليميِّين. في الوقت ذاته، تعرَّض «حزب الله» في لبنان لاستنزاف عسكري كبير منذ اندلاع حرب غزة، وذلك من خلال عمليات عسكرية إسرائيلية متواصلة استهدفت بنيته العسكرية وعددًا من قياداته. كما استمرَّت العمليات العسكرية ضد جماعة الحوثيين في اليمن، في محاولة حثيثة للحدِّ من قدراتهم وتقليص نفوذهم الإقليمي.
وبذلك، جاءت المواجهة المباشرة مع إيران في وقت كانت فيه العديد من أدوات نفوذها الإقليمي قد تعرَّضت للإضعاف أو الاستنزاف، وهو ما يوحي بأنَّ اختيار توقيت الحرب استند إلى تقديرات استراتيجية تفيد بأنَّ طهران تمرُّ بحالة من التراجع النسبي في نفوذها الجيوسياسي داخل الشرق الأوسط.
مضيق «هرمز».. ورقة الضغط الاستراتيجية
غير أنَّ ما يبدو أنَّ الإدارة الأمريكية لم تُقدِّره بصورة كاملة، هو امتلاك إيران لأوراق ضغط استراتيجية يمكن أنْ ترفع كلفة أي مواجهة مباشرة. من بين هذه الأوراق: التهديد باستهداف منشآت إسرائيلية حساسة كمفاعل «ديمونة» النووي، وتوسيع نطاق الهجمات على القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الخليج، إضافة إلى استخدام مضيق «هرمز» كورقة ضغط قصوى عبر التهديد بإعاقة حركة الملاحة الدولية.
ولا تقتصر أهمية مضيق «هرمز» على الولايات المتحدة وحدها، بل يُعدُّ أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة عالميًّا، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز. ولذلك، فإنَّ أي تعطيل للملاحة فيه لا ينعكس على واشنطن فحسب، بل يمتد تأثيره ليضرب الاقتصاد العالمي بأسره عبر ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد. ومن هذا المنطلق، شكَّل التهديد بإغلاق المضيق عنصرًا ضاغطًا على مختلف القوى الدولية، ودفع واشنطن إلى التعامل بحذر مع احتمالات التصعيد، إدراكًا منها أنَّ اتساع رقعة الصراع قد يفرض أثمانًا اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود مسرح المواجهة العسكرية المباشرة.
نقطة التحول: اغتيال خامنئي.. والمواجهة المفتوحة
في الثامن والعشرين من فبراير، ومع اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي خلال الهجمات الأمريكية - الإسرائيلية التي استهدفت مواقع عسكرية وحكومية داخل إيران، دخلت المواجهة مرحلة الحرب المباشرة. مثّل ذلك نقطة تحوُّل استراتيجية في الصراع؛ إذ انتقل من سياسة الضغوط والردع المتبادل إلى مواجهة عسكرية مفتوحة اتسمت بتبادل الضربات واتساع نطاق العمليات في المنطقة.
بدأت التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق «هرمز»، حيث أعلنت طهران أنَّها لن تسمح بمرور السفن المرتبطة بالدول المشارِكة في الحرب، مُلوِّحة بإغلاق المضيق كليًّا. وعقب تلك التهديدات، شنَّت إيران هجمات عسكرية متوسلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة؛ مما أدى إلى انخفاض حركة الملاحة الدولية بصورة كبيرة، وارتفاع تكاليف التأمين البحري على السفن، وهو ما انعكس سلبًا على نظام الملاحة العالمي.
دفع هذا التصعيد نحو انتشار عسكري أمريكي ودولي مكثف؛ إذ أرسلت دول عدة، لا سيما دول حلف «الناتو»، سفنًا حربية لمرافقة السفن التجارية وحماية الملاحة. وفي حين أعلنت إيران تنفيذ عمليات ضد سفن تابعة للدول المشارِكة في الحرب، نفت الإدارة الأمريكية صحة تلك التصريحات.
مسار الهدنة.. والاشتباكات المباشرة
في السابع من أبريل، أُعلنت هدنة بوساطة باكستانية، إلا أنَّها لم تصمد طويلًا؛ إذ استؤنفت الحرب واستمرت القيود المفروضة على حركة الملاحة، رغم انخفاض وتيرة الهجمات والضربات المتبادلة. وأشارت العديد من التقارير إلى وجود سفن عالقة وبحَّارة غير قادرين على عبور المضيق، الأمر الذي أدى إلى اضطرابات ملحوظة في سلاسل الإمداد العالمية.
لاحقًا، وقعت اشتباكات مباشرة بين القوات الأمريكية والإيرانية داخل مضيق «هرمز»، حيث أعلنت إيران تدمير عدد من السفن الأمريكية، بينما تعرَّضت سفن ومنشآت نفطية للقصف خلال المواجهات. وفي الثامن عشر من يونيو، تمَّ التوصُّل إلى اتفاق مؤقت يقضي بإعادة فتح مضيق «هرمز» لمدة ثلاثين يومًا لضمان مرور السفن. ثم جرى توقيع مذكرة تفاهم بين إيران والإدارة الأمريكية لمدة ستين يومًا، تقضي بتمديد وقف إطلاق النار وإتاحة الفرصة أمام المفاوضات للتوصُّل إلى اتفاق نهائي بشأن الملفات العالقة، وفي مقدمتها الملف النووي.
المكاسب التفاوضية.. والرهانات الخاطئة
في التاسع عشر من يونيو، حقَّقت إيران، وفق هذا التصور، مكسبًا تفاوضيًّا بإدراج ملف «حزب الله» ضمن بنود الهدنة. ورغم أنَّ هذا المكسب لم يُعلن من منظور إيراني رسمي، فإنَّ التهدئة على الجبهة اللبنانية أصبحت جزءًا أساسيًّا من المفاوضات الإيرانية، حيث جرى التَّوصُّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وجنوب لبنان، رغم وقوع بعض الخروقات الإسرائيلية. ويرى مؤيدو هذا الطرح أنَّ قبول إسرائيل بالهدنة يعكس نجاحًا تفاوضيًّا لإيران، في ظلِّ قبول الإدارة الأمريكية بإدراج الملف اللبناني ضمن مسار المفاوضات.
دفع ارتكاب جيش الاحتلال الإسرائيلي لعدة خروقات في لبنان الرئيسَ الأمريكي دونالد ترامب إلى توجيه انتقادات علنية، والدعوة إلى الالتزام ببنود الهدنة، مبديًا قلقه من اتساع نطاق المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله».
ما يراه كثيرون اليوم هو أنَّ إيران خرجت من هذه الحرب في موقع أفضل مما توقَّعته الولايات المتحدة؛ إذ خالفت نتائج المواجهة معظم التقديرات الأمريكية رغم التُّفوُّق العسكري والتكنولوجي لواشنطن. ورغم أنَّ تصريحات ترامب أثارت جدلًا واسعًا بإعلانه تحقيق أهداف عسكرية كبرى، فإنَّ القيادة الإيرانية استمرَّت في إدارة المواجهة والدخول إلى طاولة المفاوضات من مواقع تبدو للعامة وكأنَّها المنتصرة.
لقد تجسَّدت أخطاء الإدارة الأمريكية في رهانها على اندلاع اضطرابات داخلية تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني عبر دعم بعض قوى المعارضة. غير أنَّ ما حدث على أرض الواقع كان حالة من الاصطفاف الشعبي حول القيادة السياسية، مما أجهض الرهان الأمريكي على انهيار الجبهة الداخلية.
شروط التسوية.. ومستقبل التوازنات
تتضمَّن المفاوضات الجارية بشأن الهدنة النهائية بنودًا تُمثِّل مكسبًا سياسيًّا مهمًّا لإيران، في مقابل تراجع أمريكي واضح. وتشمل البنود المطروحة:
- وقف إطلاق النار لمدة ستين يومًا تمهيدًا للتَّوصُّل إلى اتفاق دائم.
- إعادة فتح مضيق «هرمز» أمام الملاحة الدولية بصورة آمنة.
- بحث تخفيف العقوبات والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المُجمَّدة مقابل التزام طهران ببنود الاتفاق.
- استئناف المفاوضات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني.
كما تشير التقارير إلى مساعي إيران لإدراج ملفات إقليمية ضمن إطار الهدنة، من بينها الوضع في جنوب لبنان - بما يشمل دور «حزب الله»، والانسحاب الإسرائيلي من بعض المناطق الحدودية - وهو ما يعكس اتساع نطاق المفاوضات وتشابك ملفاتها المعقدة.
أما موقف الرئيس الأمريكي ترامب، فقد بدا مختلفًا عن مواقف الإدارات السابقة، خاصة مع دعوته إلى دعم الهدنة والتحذير من أي خطوات قد تُشعل الحرب مجددًا.
وأثارت تصريحاته بشأن طبيعة العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية نقاشًا واسعًا حين صرَّح قائلًا: «لولا الولايات المتحدة لما كانت هناك إسرائيل، ولولاي لما كانت هناك إسرائيل، لأنَّه لم يكن هناك أي رئيس آخر مستعد لفعل ما فعلته».
في المقابل، رأى عدد من المراقبين أنَّ انتقاد ترامب لبعض العمليات العسكرية الإسرائيلية يعكس اختلافًا تكتيكيًّا في إدارة الأزمة، دون أنْ يعني ذلك بالضرورة حدوث تحوُّل جذري في طبيعة التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب.
في ضوء كل ما سبق، يتضح أنَّ هذه الحرب قد فتحت الباب واسعًا أمام مراجعات سياسية واستراتيجية عميقة، سواء داخل أروقة القرار في الولايات المتحدة أو على مستوى المنطقة ككل. وهي مراجعات أثارت تساؤلات جدية حول النتائج الحقيقية للصراع، ومدى نجاح الأطراف في تحقيق أهدافها المعلنة، فضلًا عن تأثيرات ذلك كله على مستقبل توازنات القوى الإقليمية والدولية.
المصادر
https://www.axios.com/2026/06/19/israel-hezbollah-ceasefire-iran-talks?utm_source=chatgpt.com
https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=39932&os=frefapp&utm_source=chatgp
t.com
https://www.pbs.org/newshour/world/read-trumps-full-statement-on-iran-attack?utm_source=chatgpt.com
https://www.pbs.org/newshour/world/read-trumps-full-statement-on-iran-attack?utm_source=chatgpt.com