عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

نجلاء عبد الجواد

الفوضى المُدارة الاستراتيجية الأمريكية غير المُعلنة في الشرق الأوسط

2026.05.30

الفوضى المُدارة

 الاستراتيجية الأمريكية غير المُعلنة في الشرق الأوسط

 

في عام 1979، حين كان الجنرالات السوفييت يضعون خططهم لاجتياح أفغانستان، كان مستشار الأمن القومي الأمريكي، زبيغنيو بريجينسكي، يكتب مذكرةً سريةً إلى الرئيس جيمي كارتر يقول فيها بوضوح لافت إنَّ هذه الحرب ستمنَح الولايات المتحدة فرصةً لإيقاع السوفييت في مستنقعهم الخاص.

لم يكن بريجينسكي يتحدَّث عن الدفاع عن الحرية أو نصرة المظلومين، بل كان يتحدَّث بلغة الجيوسياسة الباردة التي لا تعبأ بالبشر بقدر ما تعبأ بموازين القوى.

أفغانستان في عينَي الرجل لم تكن بلدًا، بل ورقة في لعبة كبرى، والأفغان لم يكونوا شعبًا بل وقودًا لحرب بالوكالة، وقد نجح المخطط بالفعل، وانهار الاتحاد السوفييتي، غير أنَّ ما لم يقله بريجينسكي في تلك المذكرة، وربما لم يُدركه كاملًا آنذاك، هو أنَّ الوقود حين يشتعل لا يسأل عن يد مَن أشعلته.

هذه اللحظة تُلخص بإتقان شديد فلسفة ظلَّت تُحرِّك السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط عبر عقود متعاقبة، دون أنْ تُكتب في وثيقة رسمية أو تُعلن في خطاب رئاسي، فلسفة مفادها أنَّ الاستقرار الحقيقي في المنطقة ليس دائمًا مصلحةً أمريكيةً، وأنَّ قدرًا مُدروسًا من الفوضى محسوبة التوقيت ومضبوطة السقف، قد يُبقي دول المنطقة رهينةً للمظلة الأمنية الأمريكية أكثر مما تفعله الاتفاقات والتحالفات في زمن السلم.

لا يعني هذا أنَّ واشنطن تجلس خلف طاولة تُحرِّك كل تفصيلة بدقة، فالأمر أكثر تعقيدًا وأعمق من مجرد تآمر. إنَّه ثقافة مؤسسية تَشكَّلت عبر الزمن، ومصالح اقتصادية راسخة، وأجهزة استخباراتية تعلمت أنَّ الاستقرار المستقل قد يكون أخطر عليها من الاضطراب المُدار.

لفهم جذور هذه المعادلة، لا بد من العودة إلى الخمسينات حين كانت واشنطن تواجه مشهدًا مزعجًا، وهو موجة عاتية من القومية العربية صعدت تحمل مشاريع التأميم وخطاب الاستقلال، وعلى رأسها الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي اجترأ على تأميم قناة السويس وخاطب العالم الثالث بلغة مَن كوَّنوا الشعوب الفقيرة وجعلوها رهينة الدول الغنية.

كان ناصر ومَن اتبع أفكاره من زعماء أفريقيا في المنظور الأمريكي أخطر من الإسلاميين، لأنَّهم يُقدِّمون نموذجًا يُغذِّي الشعوب بالاستقلالية على حساب منظومة الهيمنة الغربية، وهنا جاء الرهان الاستراتيجي الكبير: إذا كانت القومية العربية العلمانية هي الخطر، فلتكن الحركات الإسلامية هي الترياق، الإخوان المسلمون في مصر بكل ما يحملون من رؤية دينية للدولة والمجتمع، كانوا في حسابات المخططين الأمريكيين خصمًا طبيعيًّا لناصر أكثر نفعًا من أي معارضة علمانية يمكن أنْ تنزلق نحو اليسار.

كانت تلك بداية زواج المصلحة الذي لم يُعلن عن عقده أبدًا، زواج بين أمريكا الرأسمالية الليبرالية وحركات ترفض في عمقها الأيديولوجي كل قيم الغرب الثقافية، لكنها تتقاطع معه في شيء واحد جوهري ألا وهو العداء لأي مشروع قومي يميل نحو الاشتراكية أو يجاهر بمعاداة النفوذ الأجنبي، وقد امتد هذا الخيط ليصل إلى أفغانستان التي غدت المختبر الأكبر في التاريخ لتحويل الجهاد الديني إلى أداة في الصراع الجيوسياسي.

ضخت واشنطن مليارات الدولارات عبر الاستخبارات الباكستانية، ووجَّهت بالتنسيق مع الرياض موجات من المقاتلين من شتى أنحاء العالم الإسلامي، ولم تكتفِ بالمعتدلين بل تساهلت مع دعم الأكثر تشددًا، لأنَّ المُتشدِّد أشد بأسًا في الحرب، وهذا ما كان يعنيه المُخطِّطون الأمريكيون جيدًا.

وحين انسحب السوفييت عام 1989من أفغانستان، أدار الأمريكيون ظهورهم لها بسرعة أثارت دهشة حلفائهم أنفسهم، وتركوا خلفهم بنيةً تحتيةً متكاملةً للتَّطرُّف المسلح: معسكرات تدريب، وشبكات تمويل، وأيديولوجيا رسَّختها سنوات من الحرب المدعومة أمريكيًّا، وأجيال من الرجال الذين لا يعرفون سوى القتال وسيبحثون بعد ذلك عن عدو جديد.

من رحم تلك البنية وُلدت «القاعدة»، ثم امتد نسبها إلى تنظيمات لا تحصى، وحين ضربت تلك التنظيمات برج التجارة العالمي بعد اثني عشر عامًا من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وجدت واشنطن نفسها في مفارقة لا تحتملها، عليها أنْ تعلن حربًا على وحش يحمل في سلسلة نسبه الجيني بصمات من صناعتها هي.

لكن هذه الحرب التي أُعلنت انتقامًا وعدلًا كانت في الوقت ذاته هبة جيوسياسية بالغة القيمة، أسست لانتشار عسكري أمريكي لم يكن له مثيل منذ الحرب الباردة، وأعادت رسم خريطة النفوذ في العراق وأفغانستان وشبه الجزيرة، وضخت في شرايين المجمع الصناعي العسكري الأمريكي تريليونات الدولارات من العقود والصفقات. وبين هذا وذاك، أنتجت حروب العقد الأول من الألفية الثالثة فوضى أعمق، وتفتيتًا أوسع، وشعوبًا أكثر احتياجًا للأمن مما كانت عليه قبل أنْ تنطلق تلك الحروب.

مصر تحتل في هذه الصورة موقعًا مركزيًّا يستحق التأمل الطويل، فمنذ معاهدة كامب ديفيد لم تعد مصر تُدار من القاهرة بالمعنى الكامل، حيث المساعدات العسكرية الأمريكية التي تتجاوز المليار ونصف المليار دولار سنويًّا ليست هبة سخية بلا حسابات، بل هي رسوخ مؤسسي لعلاقة تبعية ذكية، الجيش المصري يُدرَّب ويُسلَّح بمنظومات ومعايير أمريكية، ويُلحَق ضباطه بأكاديميات أمريكية لسنوات، مما يجعل التفاهم الثقافي والعملياتي مع الشريك الأمريكي جزءًا لا تقطعه الخلافات السياسية العارضة.

وفي المقابل تبقى مصر ملتزمةً بالخطوط الحمراء الاستراتيجية الثلاثة، التي تتمثل في أمن إسرائيل الذي لا يُمَس، وقناة السويس تظل مفتوحةً، والمساحة للمناورة خارج المنظومة الغربية محدودة.

الأكثر إثارة للتأمل هو نمط التعامل الأمريكي مع التحوُّلات المصرية في السنوات الأخيرة، وقت اشتعلت مصر في ثورة يناير 2011، تردَّدت واشنطن طويلًا قبل أنْ تتخلى عن مبارك، وكأنَّها كانت تُعيد حساباتها مرة بعد مرة في ظلِّ عدم يقين حقيقي حول البديل، وحين وصل الإخوان إلى الحكم تعاملت معهم بانتهازية صريحة، فكانت اللقاءات والمفاوضات، وقراءة هادئة لحجم جماعة الإخوان الاستراتيجي، وهل يمكن أنْ يكونوا شركاء يُدارون؟ وحين أُطيح بهم، مرَّت واشنطن بأسابيع من العتب الدبلوماسي الرسمي، ثم عادت إلى مسار العلاقة الطبيعية.

إنَّ المشترك في كل هذه المراحل هو أنَّ واشنطن لم تبكِ على أيٍّ من الأطراف بكاء أيديولوجي حقيقي، بل أعادت في كل محطة رسم موقفها وفق سؤال واحد هو: مَن يضمن لها الخطوط الحمراء الثلاثة، وفي القلب منها أمن إسرائيل؟

أما بالنظر إلى ليبيا، فإنَّها كانت أكثر وضوحًا وأقل مواربةً، حيث قرَّرت واشنطن إسقاط القذافي، ثم أسدلت الستار على مشهدها وأعلنت انتهاء دورها.

إنَّ ما تركته خلفها لم يكن دولةً جديدةً بل كان فراغًا هائلًا ملأته عشرات الميليشيات، وتجار السلاح، ومنظمات باتت تتمدَّد في ساحل بلا حكومة.

إنَّ الفوضى الليبية صارت بمرور السنوات سوقًا لتهريب السلاح نحو الساحل الأفريقي وشبه الجزيرة العربية، وممرًا للهجرة غير النظامية التي تُقلق أوروبا أكثر مما تُقلق واشنطن، لكن واشنطن لم تكن بعيدةً عن المشهد كليًّا، فالبصمة الاستخباراتية ظلَّت، والفصائل المرتبطة بها ظلت، غير أنَّ المسؤولية عن الفوضى التي نجمت جرى تمريرها إلى الليبيين أنفسهم وإلى تعقيدات تاريخهم القبلي.

وفي سوريا، بلغت المعادلة أقصى درجات تعقيدها، فقد دعمت واشنطن فصائل مسلحة في مواجهة الأسد، وفي الوقت ذاته أبقت حذرها من إسقاطه بشكل كامل، لأنَّ الأسد يُبقي إيران منشغلةً في مستنقعها السوري، ولأنَّ بقاء الحرب يُنهك «حزب الله»، ولأنَّ الفوضى السورية المُدارة أقل كلفة من فوضى ما بعد الأسد مجهولة المعالم، وحين برز تنظيم «داعش» وبلغ ذروته الإعلامية المدوية في 2014، وجدت واشنطن في ذلك مسوغًا لإعادة الانتشار العسكري في المنطقة بعد انسحابها المُكلف من العراق، وهكذا استطاع الوحش أعادة إنتاج المُبرِّر القديم.

لا يعني هذا كله أنَّ كل ما جرى كان مُدبَّرًا بدقة مختبرية، فقد كان بعض ما حدث فعل أخطاء تحليلية كبرى، وبعضه كان ردود أفعال آنية على أحداث تجاوزت القدرة على السيطرة، لكن الخيط الذي يربط هذه القصص بعضها ببعض ليس مجرد الصدفة، إنَّه بنية مصالح راسخة تجعل الاستقرار الحقيقي في الشرق الأوسط، الاستقرار الذي تملك فيه دوله قراراتها الاستراتيجية باستقلالية حقيقية، سيناريو يفتقر إلى مَن يُحفِّز على إنتاجه.

إنَّ المنطقة التي تحلُّ مشكلاتها بنفسها لا تحتاج إلى راعٍ، والمنطقة التي تتسلَّح من مصدر واحد لا تملك أوراقًا للمساومة، والمنطقة التي تعيش على وقع تهديد وجودي مزمن لا تملك ترف الاستقلالية السياسية.

وثمة ما لا يُقال في الخطاب الرسمي مثل صفقات السلاح الأمريكية مع دول الخليج التي تُعدُّ بعشرات المليارات دولار سنويًّا، وهذه الأرقام تعني وظائف في ولايات أمريكية محددة، وشركات لديها مكاتب ضغط في واشنطن، وسياسيين يدينون بدورات انتخابية لتلك الشركات، كما أنَّ الرهان الاستراتيجي والمصلحة الاقتصادية يسيران هنا بخطوات متوازية، فارتفاع مستوى التهديد الإقليمي لا يُترجَم إلى قلق أمريكي فحسب، بل يُترجَم أيضًا إلى طلبات شراء متصاعدة ومزيد من العقود التي ترسي على أصحاب الضغط الأعلى في الدهاليز الواشنطنية.

الأمر لا يقتصر على السلاح، توجد البنية الأمنية الأمريكية في المنطقة، بقواعدها العسكرية في قطر والبحرين والكويت وخارجها، التي تستلزم لإضفاء الشرعية عليها في الرأي العام الأمريكي قبل المحلي، مستوى من التهديد يُبقي هذا الوجود مُبرَّرًا، وحين تخفت التهديدات تظهر تهديدات جديدة بمعدل يثير التساؤل لدى المراقبين، وهذا لا يعني أنَّ التهديدات مُفبركة كلها، كثير منها حقيقي ومُحدق، لكنه يعني أنَّ البيئة التي تُنتجها ليست بريئة كل البراءة من اليد التي تستفيد منها.

ولعل خير ما ذكر في هذه السياسة الأمريكية ما كتبه الصحفي الأمريكي، روبرت دريفوس، في كتابه «لعبة الشيطان» الذي رصد فيه ستة عقود من التحالفات الأمريكية مع الإسلام السياسي، خلص فيها إلى أنَّ ما جرى لم يكن جنونًا بل كان رهانًا عقلانيًّا بمعايير الجيوسياسة قصيرة النظر، جنون الرهان الذي لم يكن له تاريخ انتهاء صلاحية، حيث بُنيت التحالفات دون أنْ تُبنى معها آليات الخروج، ودُعمت الحركات دون أنْ تُرسم معها خطوط الحدود، وجرى التلاعب بالديناميكيات الدينية والعشائرية في مجتمعات هشة دون أنْ يُؤخذ في الحسبان أنَّ لهذه المجتمعات منطقها الداخلي الذي لا يمكن التحكم فيه إلى ما لا نهاية.

وهكذا نرى النتيجة أمامنا اليوم في مشهد شرق أوسط أكثر تفتيتًا مما كان عليه قبل أربعة عقود، دول تبحث عن سيادة تآكلت، وشعوب تدفع فواتير حروب لم تُشعلها، وأجيال وُلدت في ظلِّ أزمات يُعدُّ فيها الاستقرار ترفًا والحياة الطبيعية حنينًا.

وعلى الجانب الآخر من «الأطلسي»، تستمر الصفقات، وتتجدَّد العقود، وتدور عجلة ما تُسمى «الصناعة الدفاعية» بلا توقف، لذا تبقى الفوضى تُدار ولا تُطفأ، وهذا تحديدًا ما يجعلها مستدامة.