هوامش
نجلاء عبد الجوادقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين تشريع يُقنن الموت
2026.04.04
قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين
تشريع يُقنن الموت
في الحادي والثلاثين من مارس 2026، وقف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير داخل قاعة الكنيست ليُوزِّع المشروبات الكحولية احتفالًا بلحظة وصفها بـ«التاريخية»: إقرار قانون يُجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48، وبمشارَكة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شخصيًّا في التصويت، صار هذا القانون جزءًا رسميًّا من المنظومة التشريعية الإسرائيلية، مُفجِّرًا موجة غضب دولية وقلقًا حقوقيًّا غير مسبوق.
ليس هذا القانون وليد اللحظة؛ فجذوره تمتد إلى سنوات من المحاولات المتكررة التي أُسقطت محاولة تلو الأخرى، حتى جاء السياق السياسي الراهن ليُفرزه تشريعًا نافذًا.
يقضي قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بفرض عقوبة الإعدام على كل مَن «يتسبب عمدًا في وفاة شخص بهدف الإضرار بمواطن أو مقيم في إسرائيل، وبنية رفض وجود دولة إسرائيل». ويتضمَّن القانون في صيغته النهائية جملة من البنود التفصيلية التي تستحق التوقف عندها:
آلية التنفيذ: ينصُّ القانون على تنفيذ حكم الإعدام شنقًا عبر مصلحة السجون الإسرائيلية، بعد أنْ استُبعدت خيارات أخرى كالحقنة السامة. ويتولى التنفيذ ضابط سجون يعيِّنه مفوض مصلحة السجون.
سرعة التنفيذ: يُحدد القانون مهلة لا تتجاوز 90 يومًا من صدور الحكم القضائي النهائي لتنفيذ الإعدام، مع إمكانية تمديد محدودة عند الضرورة. وهذه المهلة القياسية تُقلص زمن الاستئناف والمراجعة القانونية إلى حدوده الدنيا.
· منع العفو: يحرم القانون صراحة المحكوم عليه من الحق في طلب العفو، وهو ما يعني تجميد الحكم ومنع أي مرونة في تطبيقه عبر القرارات السياسية أو الإنسانية. فضلًا عن ذلك، يمنع القانون الحكومة من إطلاق سراح المحكوم عليهم بالإعدام في أي صفقة تبادل أسرى مستقبلية، وهو بند يُعيد رسم معادلة التفاوض الفلسطيني - الإسرائيلي بشكل جذري
· إجراءات الإصدار: لا يشترط القانون إجماع القضاة لإصدار حكم الإعدام، بل يكتفي بأغلبية بسيطة، وهو استثناء خطير يُخفِّض النصاب القانوني بصورة لافتة. كما لا يشترط النصُّ القانونيُّ طلبًا من النيابة لفرض العقوبة.
· الطابع التمييزي: يُطبق القانون حصريًّا على الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين، ولا ينصُّ في أيٍّ من بنوده على عقوبة مماثلة لإسرائيلي يرتكب جريمة قتل بحق فلسطيني. هذا التمييز الصريح يجعل القانون في جوهره تشريعًا على أساس الهوية القومية والعرقية.
· مسارا التطبيق: يُميز القانون بين مسارين، الأول يخصُّ المحاكم الجنائية المدنية داخل إسرائيل، والثاني يخصُّ المحاكم العسكرية في الضفة الغربية المحتلة. في المسار الثاني، تكون عقوبة الإعدام هي القاعدة الأساسية، ويتمتع وزير الأمن بصلاحية تحديد مكان المحاكمة عسكرية أم مدنية - وفق تقديره الشخصي.
وفق إحصاءات «نادي الأسير الفلسطيني»، يقبع في السجون الإسرائيلية أكثر من 9300 فلسطيني، من بينهم 350 طفلًا و66 امرأة. ومنذ أكتوبر 2023، توفي قرابة 100 أسير نتيجة التعذيب والإهمال الطبي.
بدأت مسيرة هذا القانون الشائكة في يونيو 2015، حين قدم أفيغدور ليبرمان مؤسِّس حزب «إسرائيل بيتنا» مشروعه للمرة الأولى أمام الكنيست، غير أنَّ الكنيست أسقطه. وما إن حلَّ أكتوبر من العام ذاته حتى أُعيد طرح المشروع من جديد، لكن تم إيقافه مع استقالة ليبرمان. وفي يونيو 2016، عاد الملف إلى الواجهة حين اشترط حزب «إسرائيل بيتنا» تبني مشروع القانون شرطًا لانضمامه إلى حكومة نتنياهو الرابعة، وبالفعل انضم الحزب وتولى ليبرمان على أثر ذلك منصب وزير الدفاع، لكن مشروع القانون جُمِّد ولم يُكتب له التقدُّم. وبعد نحو عامين، في يناير 2018، نالت القراءة التمهيدية للمشروع موافقةً مبدئيةً، لكن اعتراضًا واسعًا أوقفها مجددًا قبل أنْ تكتمل مسيرتها التشريعية. وفي أبريل 2020، جاءت محاولة جديدة حين أعاد النائب ميكي زوهر من حزب «الليكود» طرح المشروع، وانتهت هي الأخرى إلى التوقف.
ثم جاء مارس 2023 ليمثل منعطفًا فارقًا، إذ تبنى إيتمار بن غفير المشروع ونجح في تمريره بالقراءة التمهيدية لأول مرة بشكل فعلي. ومن ذلك الحين، بدأ القانون يشقُّ طريقه بخطى أكثر ثباتًا، حتى صادقت عليه اللجنة الوزارية في السادس والعشرين من فبراير 2026. وبعدها بأسابيع قليلة، في الرابع والعشرين من مارس 2026، أقرَّته لجنة الأمن القومي، متجاوزةً أكثر من ألفَي تحفظ قانوني وأمني تقدَّمت بها جهات مختلفة. وفي الحادي والثلاثين من مارس 2026، وضع الكنيست الإسرائيلي بتصويت 62 صوتًا مقابل 48 نقطة النهاية على مسيرة امتدت أكثر من عقد، فصار القانون نافذًا رسميًّا.
يقف وراء هذا القانون وجه بات مألوفًا في المشهد السياسي الإسرائيلي المتطرف: إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي وزعيم حزب «القوة اليهودية»، الرجل الذي لا يُخفي مرجعياته الأيديولوجية ولا يعتذر عنها. فهذا الوزير الذي صدر بحقه في الماضي حكم قضائي بتهمة التحريض على العنصرية ودعم منظمة «كهانا» الإرهابية المحظورة حتى في إسرائيل ذاتها، ظلَّ لسنوات يرفع في منزله صورة باروخ غولدشتاين، مرتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994. سياق كهذا لا يمكن فصله عن قراءة الدوافع الحقيقية التي تقف خلف هذا التشريع. وحين أُقر القانون، لم يتردد بن غفير في توزيع المشروبات احتفالًا داخل الكنيست، قائلًا: «هذا حدث تاريخي. لقد أرسلنا رسالةً واضحةً لكل مَن يُفكر في ارتكاب أعمال عنف ضد الإسرائيليين»، وهو مشهد رأى فيه المنتقدون دليلًا دامغًا على أنَّ النزعة الانتقامية هي ما يحرِّك هذا التشريع، لا أي منطق قانوني أو اعتبار أمني.
في المقابل، بدا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في البداية أكثر تحفظًا، إذ طالب بـ«تليين» صياغة القانون خشية من التداعيات الدولية، حريصًا على إبقاء هامش من السلطة التقديرية للقضاء وإمكانية الاستئناف. غير أنَّ هذا التحفظ لم يصمد طويلًا أمام الضغط الائتلافي؛ فحين هدَّد بن غفير بتفكيك الحكومة إنْ لم يُمرَّر القانون، أسقط نتنياهو تحفظاته وصوَّت لصالحه.
ولم يقتصر التأييد على الائتلاف الحاكم وحده، إذ انضمت إليه أصوات من المعارضة ذاتها. فقد دعموا القانون، مانحين إياه أصواتًا إضافية عزَّزت أغلبيته. وهو ما يكشف أنَّ هذا التشريع ليس مجرد أجندة حكومية ضيقة، بل يعكس توافقًا يمينيًّا أوسع يتجاوز حدود الائتلاف ويمتد عميقًا في خريطة السياسة الإسرائيلية.
لذا يتضح أنَّ قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ما هو الا وسيلة تخدم في المقام الأول دوافع انتخابية داخلية، إذ يُقدِّم بن غفير نفسه بوصفه «الصوت الأقوى» في مواجهة الفلسطينيين للقاعدة الانتخابية اليمينية المتطرفة. وقد وصف النائب جلعاد كاريف - من المعارضة - ما جرى بأنه «خضوع الحكومة لحملة انتخابية منحطة وغير أخلاقية». كما رأى ناشطون أنَّ توقيت التمرير تزامن مع انشغال الرأي العام العالمي بالصراع الإيراني - الإسرائيلي، مما أتاح تمريره بأقل قدر ممكن من التدقيق الدولي.
ليس هذا القانون بلا سوابق في التاريخ البشري، فالتشريعات التمييزية التي تُعامل المحتجزين والسكان الخاضعين للاحتلال بمعايير مزدوجة ظاهرة متكررة عرفتها حضارات وأنظمة عديدة، وإن انتهى معظمها إلى الإدانة الدولية والمحاسبة التاريخية.
ولعل أشد المفارقات إيلامًا أنَّ عقوبة الإعدام ذاتها لم تأتِ من فراغ، بل تعود جذورها إلى نظام الطوارئ البريطاني الذي فرضه الانتداب على فلسطين عام 1945، وورثته إسرائيل لحظة إعلان قيامها عام 1948 دون أنْ تُلغيه حتى اليوم. فالاستعمار البريطاني ترك وراءه تركةً قانونيةً طال أمدها أكثر مما أراد أصحابها أنفسهم.
وفي جنوب أفريقيا، بنى نظام الأبارتهايد بين عامَي 1948 و1994 منظومةً تشريعيةً كاملةً تُعاقب المواطنين السود بأحكام أشد قسوة وأسرع تنفيذًا مما تُعاقب به البيض على الجرائم ذاتها، مستعينًا بمحاكم عسكرية وخاصة تفتقر إلى أدنى ضمانات العدالة. وقد انتهى ذلك النظام بالإدانة الدولية الكاملة والسقوط المدوي أمام حركة مناهضة الفصل العنصري.
وقبل ذلك بسنوات، أسست ألمانيا النازية بين عامَي 1933 و1945 محاكم خاصة طبقت قوانين تمييزية صريحة على اليهود والغجر والمعارضين، جعلت عقوبة الإعدام سيفًا مسلطًا على كل مَن لا ينتمي إلى العرق الآري. وحين انتهت الحرب، لم تكتفِ محاكم نورنبرغ بإدانة المجرمين، بل رسَّخت للبشرية مبدأ راسخًا: إنَّ المسؤولية الجنائية الفردية لا تسقط عمَّن يُصدر قوانين الإبادة ويُطبقها.
وفي سياق الحروب الاستعمارية، لجأت كل من فرنسا في الجزائر، والولايات المتحدة في فيتنام، إلى إجراءات استثنائية بحق الأسرى تتعارض مع مبادئ اتفاقيات جنيف، دفعت ثمنها لاحقًا أمام منابر النقد الدولي والمساءلة الأخلاقية. وعلى النهج ذاته، وظَّف نظام صدام حسين في العراق محاكمه العسكرية والثورية أداةً لملاحقة المعارضين والأكراد والشيعة بإجراءات مُسرعة، عارية من أي ضمانة قانونية، فكان مصيرها التصنيف الأممي بوصفها «انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان».
غير أنَّ ما يجعل القانون الإسرائيلي يستوقف المراقبين بصورة خاصة، هو أنه لا يصدر عن نظام ديكتاتوري يرفض الرقابة الدولية ويعمل في الظلام، بل عن برلمان منتَخب يدعي الانتماء إلى نادي الديمقراطيات الليبرالية، ويطالب باعتراف المجتمع الدولي بشرعيته. قانون مُعلن بأسماء أصحابه، يُميِّز صراحةً وعلنًا بين جنسيتين تعيشان على رقعة جغرافية واحدة، ويستهدف أفرادًا محتجزين خلف القضبان، لا يملكون حريةً ولا قدرةً على الدفاع عن أنفسهم. وهذا بالضبط ما يجعل التوصيف القانوني الدولي له بالغ الخطورة وعسير التبرير.
ويلجأ المدافعون عن القانون إلى حجة مألوفة وهي أن «فرض عقوبة الإعدام حق سيادي تمارسه دول كبرى في العالم، من الولايات المتحدة إلى الصين إلى السعودية وإيران ومصر». وهذا القول صحيح من حيث المبدأ العام، غير أنَّه يتجاهل عمدًا ما يجعل هذا القانون تحديداً مختلفًا، فهو لا يُطبَّق في فراغ قانوني، بل في سياق احتلال عسكري تحكمه منظومة من الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي وضعتها الإنسانية تحديدًا لتقييد سلطة المحتل على المحتجزين.
تبدأ الإشكاليات القانونية بالمادة 68 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، المعنية بحماية المدنيين في مناطق الاحتلال، والتي تضع قيودًا صارمة على تطبيق عقوبة الإعدام في هذه المناطق. فهي تشترط توافر ضمانات قضائية تامة، وتحظر تطبيق الإعدام إذا كانت الجريمة لا تستوجبه بموجب القانون المحلي السابق للاحتلال، وتُلزم دولة الاحتلال بضمان محاكمة عادلة أمام محكمة نظامية مستقلة.
وتُضاف إلى ذلك اتفاقية جنيف الثالثة المتعلقة بأسرى الحرب، التي تُلزم بمعاملتهم معاملةً إنسانيةً، وتحظر صراحة الانتقام منهم أو إخضاعهم لإجراءات عقابية جماعية، وهو ما يرى خبراء قانونيون دوليون أنَّ القانون الإسرائيلي يتعارض معه تعارضًا مباشرًا. فهذا التشريع ليس مجرد قانون عقوبات، بل هو تشريع يُضفي شرعية على القتل المنظم ويُكرِّس الإفلات من العقاب. إنه يحوِّل إسرائيل رسميًّا إلى كيان يمارس القتل المقنن، كما يُصطدَم القانون بالمادة 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تُكرِّس مبدأ المساواة أمام القانون، وتحظر التمييز على أساس العرق أو الأصل القومي. وإذ يُطبق القانون عقوبة الإعدام على الفلسطينيين دون أنْ ينصَّ على عقوبة مماثلة لإسرائيلي يقتل فلسطينيًّا، فإنَّه يُشكِّل انتهاكًا صريحًا لهذا المبدأ.
ولا يتوقف الأمر عند الاتفاقيات الدولية، إذ تُرسي مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بعقوبة الإعدام معايير صارمة تشترط تناسب العقوبة مع الجريمة وخلوها من الطابع الانتقامي. وفي هذا السياق، لم يتردَّد المركز الحقوقي الإسرائيلي (عدالة) - وهو مؤسسة إسرائيلية وليست فلسطينية - في وصف القانون بأنَّه «يُضفي الشرعية على القتل المتعمد بدم بارد في حالات لا يُشكِّل فيها المحكوم عليه أي خطر فعلي».
ويزيد من ثقل هذه الإشكاليات القانونية أنَّ القانون لا يقع في فراغ، بل في سياق حددت ملامحه محكمة العدل الدولية بوضوح حين أصدرت في يوليو 2024 رأيًّا استشاريًّا خلصت فيه إلى أنَّ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني ويجب إنهاؤه فورًا. وهو رأي يجعل أي تشريع يصدر في ظلِّ هذا الاحتلال عُرضةً للطعن من منطلق عدم مشروعية الإطار الذي يعمل فيه. فضلًا عن ذلك، فإنَّ انضمام فلسطين إلى «نظام روما الأساسي»، المُنشئ للمحكمة الجنائية الدولية يفتح بابًا للمساءلة الجنائية الدولية، إذ يحذر خبراء قانونيون من أنَّ تنفيذ أحكام الإعدام استنادًا إلى هذا القانون قد يُعرِّض المسؤولين الإسرائيليين لملاحقات جنائية بتهم جرائم الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية.
إنَّ هذا القانون جعل كثيرين يطرحون سؤال: هل يُعدُّ هذا القانون جريمةً يعاقب عليها القانون الدولي؟
والإجابة الدقيقة أكثر تعقيدًا مما توحي به صياغة السؤال. فالقانون بوصفه تشريعًا، لا يُشكِّل في حدِّ ذاته جريمة حرب بالمعنى الفني للمصطلح، إذ إنَّ اعتماد عقوبة الإعدام ليس محظورًا بموجب القانون الدولي بحدِّ ذاته. غير أنَّ تطبيقه على أرض الواقع هو ما يفتح أبوابًا قانونية دولية خطيرة يصعب إغلاقها.
تبدأ هذه الأبواب بالمادة الثامنة من «نظام روما الأساسي» التي تُعرِّف جرائم الحرب تعريفًا يشمل صراحة إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها دون محاكمة أمام محكمة مُشكَّلة تشكيلًا قانونيًّا توفر الضمانات القضائية المعترف بها دوليًّا. وهنا تكمن الإشكالية الجوهرية، فالمحاكم العسكرية الإسرائيلية التي ستتولى تطبيق هذا القانون تُسجِّل معدل إدانة يتجاوز 99% في القضايا المرفوعة ضد الفلسطينيين وفق الإحصاءات المتاحة، وهو رقم يرى كثير من خبراء القانون الدولي أنَّه يُسقط عنها وصف المحكمة المستقلة والنزيهة المنصوص عليه في نظام روما.
ولا تقف الإشكاليات عند حدِّ «جرائم الحرب»، بل تمتد إلى ما هو أوسع. فنظام روما الأساسي يُعرِّف أيضًا جريمة الاضطهاد ضمن الجرائم ضد الإنسانية، بوصفها حرمانًا متعمدًا وخطيرًا من الحقوق الأساسية على أساس الانتماء القومي أو العرقي أو الديني. وحين يُعاقب قانون على الجريمة ذاتها بعقوبات مختلفة تبعًا لهوية مرتكبها القومية، فإنَّه يستوفي في تقدير عدد من المحللين القانونيين مكونات هذا التعريف بصورة لافتة.
أما آليات المساءلة المتاحة نظريًّا فهي ثلاث: الأولى هي المحكمة الجنائية الدولية، التي سبق لمدعيها العام أنْ أصدر أوامر اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين، ويمكنه توسيع نطاق تحقيقاته لتشمل تداعيات هذا القانون. والثانية هي محكمة العدل الدولية، التي يمكن أمامها رفع دعاوى استنادًا إلى اتفاقيات جنيف التي تُعدُّ إسرائيل طرفًا موقِّعًا عليها. أما الثالثة فهي العقوبات الدولية، إذ يدرس الاتحاد الأوروبي حزمة عقوبات قد تتبعه فيها دول أخرى في حال المضي في تنفيذ أحكام الإعدام.
من هذا يتضح أنَّ الفجوة بين الإطار القانوني النظري والتطبيق الفعلي تظل واسعة. فالمساءلة الدولية في نهاية المطاف رهينة إرادة سياسية تتسم تاريخيًّا بازدواجية المعايير حين يتعلق الأمر بإسرائيل. والولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي الأبرز لها، لم تُصدر حتى اللحظة أي موقف إداني صريح. وهذا الغياب المحسوب وحده كفيل بأنْ يُضعف فاعلية كل آليات الضغط الدولي، ويُبقي باب الإفلات من العقاب مفتوحًا على مصراعيه.
ومن الملاحظ أنَّ إقرار القانون لم يمر في صمت، بل استقبله العالم بموجةٍ واسعةٍ من الإدانات والتحفظات امتدت من العواصم الأوروبية، إلى رام الله، إلى داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ذاتها.
فقبيل التصويت، أصدرت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا بيانًا مشتركًا نادرًا أعربت فيه عن قلق بالغ، مُحذِّرةً من أنَّ تبني هذا المشروع يهدِّد التزامات إسرائيل بالمبادئ الديمقراطية، وداعية إلى التراجع عنه. ولم تكتفِ الدول الأربع بالتحذير، بل وصفت عقوبة الإعدام صراحةَ بأنَّها شكل لا إنساني ومهين من أشكال العقاب لا يُحقِّق أي أثر رادع حقيقي.
وعلى الصعيد القانوني الداخلي، لم يصمت مركز «عدالة» الحقوقي الإسرائيلي، إذ دعا فور إقرار القانون إلى تقديم التماس أمام المحكمة العليا لإبطاله بحجة عدم دستوريته. وهو يعتبر أول التماس يُقدَّم للمحكمة ضد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، مما أدى إلى تطور قضائي مهم، حيث قرَّرت المحكمة العليا الإسرائيلية إلزام الدولة بتقديم ردها على الالتماس المُقدَّم ضد القانون حتى 24 مايو 2026.
وهذا يعني أنَّ القانون نافذ رسميًّا لكنه مطعون فيه أمام المحكمة العليا، وهو ما قد يُفضي إلى تجميد تطبيقه مؤقتًا ريثما تبت المحكمة في الالتماس.
أما على الصعيد الفلسطيني، فقد وصف رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، ما جرى بأنَّه انحدار خطير في بنية منظومة قانونية عنصرية، معتبرًا إياه تحولًا رسميًّا نحو تشريع القتل على أساس الهوية الوطنية في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني. وفي قاعة الكنيست ذاتها، لم تُخفِ النائبة العربية عايدة توما سليمان غضبها، واصفة القانون بأنَّه وصمة عار أخلاقية وقانونية لا يمكن شرعنتها تحت أي ظرف ما دام يُوظَّف أداةً انتقاميةً وعنصريةً تُطبَّق بصورة انتقائية ضد الفلسطينيين دون سواهم.
وقد طالبت الخارجية الفلسطينية بسحب عضوية الكنيست الإسرائيلي من الاتحاد البرلماني الدولي، في حين انضمت مصر ودول عربية وإسلامية عدة إلى كتلة الإدانة الدولية المتصاعدة.
وعلى الجانب الآخر، أعلن الاتحاد الأوروبي أنَّه يدرس فرض عقوبات على إسرائيل ضغطًا لوقف تنفيذ القانون. بيد أنَّ اللافت حقًّا لم يكن فقط الصوت الخارجي الرافض، بل الأصوات الناقدة التي ارتفعت من داخل المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية نفسها، إذ أبدى مسؤولون أمنيون وعسكريون تحفظات جدية على القانون من زاوية الحسابات الاستراتيجية البحتة، خشية من أنْ يُغلق الباب أمام أي صفقة مستقبلية لاسترداد أسرى إسرائيليين محتملين، ومن أنْ يُقوِّض مسارات التفاوض في لحظة بالغة الحساسية.
إنَّ هذا القانون يفتح فصلًا جديدًا في تاريخ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، حيث تعدُّ موافقة الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 31 مارس 2026 على هذا القانون تقنيناً للتمييز العنصري بلغة قانونية، وهو ما يُسرع الموت ويمنع العفو ويُغلق باب التفاوض، ويستهدف بامتياز مَن لا يملكون حريةً أو قدرةً على الدفاع عن أنفسهم.
يقول التاريخ إنَّ قوانين الاستثناء التي تُعامل فئات بشرية بمعايير مزدوجة على أساس الهوية العرقية أو القومية، لم تُكتب في نهاية المطاف إلا بحبر الإدانة وليس بحبر الشرعية. فقوانين نورنبرغ العنصرية، وقوانين الأبارتهايد الجنوب أفريقي، وقوانين الاستثناء الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، كلها بدأت بذرائع الأمن و الحفاظ على النظام، وانتهت جميعها إلى دائرة الإدانة التاريخية والقانونية.
إنَّ الكيان الصهيوني بهذا التشريع غير القانوني يثبت للعالم وللتاريخ أنَّه كيان عنصري مغتصب، يُعرِّف نفسه كذبًا بوصفه ديمقراطيًّا، ليبراليًّا، بينما يُشرع القتل على أساس الهوية القومية.