هوامش
شريف إمامكتاب على طاولة نتنياهو قبل الحرب: ماذا أخبر باري شتراوس صانع القرار الإسرائيلي؟ " الجزء الثاني"
2026.03.21
كتاب على طاولة نتنياهو قبل الحرب: ماذا أخبر باري شتراوس صانع القرار الإسرائيلي؟
" الجزء الثاني"
تنبع اليهودية الصهيونية، في جوهرها، من معطيات التاريخ، أو بمعنى أدق من الذاكرة؛ أى تلك المنطقة المراوغة التي تتأرجح بين وقائع التاريخ وجاذبية الأسطورة. لذا يعتبر المؤرخ الإسرائيلي يوسف حاييم يروشالمي أن العناية بالذاكرة التاريخية، هو من أخصّ خصائص التجربة اليهودية، إذ يؤكد أن استحضار الماضي لا يُعد ترفًا معرفيًا، بل فريضة جمعية ملزمة، تُمارَس بوصفها جزءًا من البنية الروحية للأمة. ومن ثمّ، لا تبدو الذاكرة عنصرًا من عناصر الهوية فحسب، بل تغدو جوهرها العميق ومصدر تماسكها الأقصى[1].
بل إن أحد المعايير الجوهرية في التمييز بين المتدينين والعلمانيين لا يقوم على الممارسة الدينية وحدها، وإنما على مدى عمق الحسّ التاريخي واتساع مداه. فاليهود ذوو الانتماء السطحي—ممن لا تتخذ يهوديتهم موقعًا مركزيًا في تعريف الذات—غالبًا ما يجدون في الهولوكوست نقطة الارتكاز الأساسية لوعيهم، والمرتكز الأبرز لهويتهم. أما المتدينون، فإنهم ذوو حس تاريخي عميق، تمتد جذور ذاكرتهم إلى أكثر من ثلاثة آلف عام، هؤلاء يستشعرون صدمة عام 70 للميلاد—سقوط القدس وتدمير الهيكل—كما لو أنها حدثٌ راهن، فتغدو الذاكرة لديهم قوة نابضة تُشكّل الوعي وتوجّه الفعل. وهم، في الغالب، النواة الصلبة التي تمسك بخيوط الجماعة اليهودية، لا بسلطة السياسة وحدها، بل بسلطة المعنى المتراكم عبر الزمن.
وفي هذا السياق، يتضاءل الفارق الظاهري بين العلماني والمتدين؛ فقد يختلفان في الطقوس واللغة، لكنهما يلتقيان في الارتكاز إلى ذاكرة تاريخية مشتركة. ولعل هذا ما يفسر كيف يمكن لشخصية تُعرّف نفسها بوصفها علمانية—مثل بنيامين نتنياهو—أن تتحرك ضمن أفق لا يبتعد، في جوهره، عن أفق شخصيات أكثر تدينًا مثل إيتمار بن غفير؛ إذ يظل الفارق بينهما فرق درجة لا فرق نوع. وهكذا، يغدو الحسّ التاريخي العميق—بامتداده وكثافته—هو المحدد الأصدق لرسوخ الهوية؛ فكلما اتسع أفق الذاكرة عبر القرون، ازدادت الهوية تماسكًا، وتعاظم حضورها في تشكيل الحاضر واستشراف المستقبل.[2]
وهكذا يمكن القول إن جميع الشعوب تتكئ، بدرجات متفاوتة، على ذاكرتها الجمعية بوصفها مستودع الهوية ومصدر استمراريتها. غير أن الحالة اليهودية تبدو مختلفة في مقياسها الزمني وأفقها التاريخي؛ إذ تعرّف نفسها ضمن رؤية بانورامية تمتد لآلاف السنين إلى الماضي، وتستحضر بداياتها قبل نحو ثلاثة آلاف عام بوصفها حضورًا حيًا، بينما تُبقي أعينها مشدودة إلى أفقٍ مستقبلي مشحون بدلالات نبوية.في هذا الإطار، تغدو الذاكرة اليهودية ظاهرة فريدة من حيث كثافتها وتركيزها، بحيث يصعب مقارنتها بغيرها من الذواكر الوطنية. وربما لا يقترب منها—من حيث العمق الزمني—سوى النموذج الصيني، غير أن الفارق الجوهري يظل قائمًا؛ فبينما يبقى التاريخ الصيني، في معظمه، شأنًا داخليًا يخص أبناءه، استطاع اليهود أن يمنحوا تاريخهم—بما يحمله من طابع استثنائي—حضورًا عالميًا واسعًا، حتى غدا سردهم التاريخي أحد أكثر السرديات انتشارًا وتأثيرًا في الوعي الإنساني.
في هذا السياق، يمكن فهم دوافع استدعاء بنيامين نتنياهو لثورات اليهود ضد روما؛ إذ لا يُستحضر الماضي هنا بوصفه حدثًا منقضيًا، بل باعتباره مخزونًا حيًا من المعاني والدلالات، يُعاد توظيفه للإجابة عن أسئلة الحاضر. وضمن هذا الأفق، تبدو سردية باري شتراوس محاولة لقراءة التاريخ القديم لا كوقائع معزولة، بل كمرآة تعكس إشكاليات معاصرة، حيث يتداخل الحسّ التاريخي العميق مع الرؤية السياسية، ليمنح الماضي قدرة مستمرة على تفسير الحاضر وتوجيهه.
الانقسام الداخلي: آفة اليهود الكبرى
يرى باري شتراوس أن أخطر ما أصاب الثورات اليهودية ضد روما لم يكن ضعف القوة العسكرية بقدر ما كان الانقسام الداخلي الذي مزّق صفوفها من الداخل. ففي موجاتها الثلاث، عانت هذه الثورات من صراعات فصائلية دامية واقتتال داخلي شرس، عُرف في التراث اليهودي باسم "الكراهية بلا سبب" (سينات هينام –) sinat hinam وخلال الثورة الكبرى، انشغل المتشددون والسيكاريون (رجال الخناجر) بصراعاتهم مع بعضهم البعض، حتى طغى العنف الداخلي على المواجهة مع العدو الروماني[3].
ويوثّق مؤلف كتاب روما واليهود شهادات المؤرخ فلافيوس يوسيفوس، إذ يورد روايته عن سقوط القدس…، إذ يؤكد أن ما أنهك المدينة لم يكن الحصار الروماني وحده، بل الحرب التي اشتعلت داخل أسوارها، حتى قال عبارته الشهيرة: “الحرب الأهلية هي التي أسقطت المدينة، لا الرومان”. هذه الجملة، بما تحمله من قوة ومرارة، تحولت في القراءة السياسية الحديثة إلى فكرة مركزية مفادها أن الخطر الأكبر يكمن في الداخل قبل الخارج. ولم يكن القائد الروماني تيطس غافلًا عن هذا الواقع، فقد وصلته تقارير جواسيسه التي كشفت له حجم التفكك والانهيار داخل المدينة المحاصرة.
وفي السياق نفسه، برزت شخصيات يهودية اختارت الوقوف إلى جانب الرومان ضد أبناء جلدتها، مثل أغريباس الثاني الذي قدّم دعمه ومشورته في مراحل متعددة من الحصار. وكذلك تيبيريوس يوليوس ألكسندر، الحاكم اليهودي لمصر، الذي استخدم قواته ضد يهود الإسكندرية، ثم لعب دورًا مهمًا في حصار القدس بصفته الرجل الثاني في قيادة تيطس. ويرى شتراوس أن هذا النمط من التعاون مع العدو الخارجي ضد الانقسام الداخلي ليس حادثة معزولة، بل تكرارٌ تاريخي يكشف عن عمق الشرخ داخل البنية السياسية اليهودية. وقبل حصار القدس بأكثر من قرن، شهدت المدينة نفسها واقعة مشابهة عام 37 قبل الميلاد، حين تحالف القائد الروماني سوسيوس مع هيرودس الكبير في حصارها، في مشهد يعيد إنتاج الفكرة ذاتها: الداخل المنقسم يفتح الطريق أمام الخارج[4].
ويمضي شتراوس في تتبع هذا الخيط التاريخي عبر العصور، من الثورات اليهودية المتعاقبة حتى ثورة باركوخبا، ليخلص إلى أن التشرذم الداخلي ظل عاملًا ثابتًا في إضعاف القدرة على الصمود وتحديد المصير السياسي. ومن هنا ينتقل إلى الحاضر، ليجعل من هذا التاريخ الطويل إطارًا تفسيريًا لإسرائيل المعاصرة، محذرًا من أن غياب التماسك الداخلي قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية تمسّ قدرة الدولة على الردع والبقاء.
ويستشهد في هذا السياق بأحداث السابع من أكتوبر 2023، معتبرًا أنها جاءت في ظل انقسام داخلي حاد داخل المجتمع الإسرائيلي، تفاقم بعد الأزمة السياسية المرتبطة بإصلاح النظام القضائي، وما تبعها من احتجاجات واسعة استمرت نحو تسعةٍ وعشرين أسبوعًا[5]. وقد امتد هذا الانقسام من الشارع إلى داخل المؤسسة العسكرية، مع تصاعد احتجاجات جنود الاحتياط وتهديد بعضهم بوقف الخدمة التطوعية، في مشهد عكس انتقال الأزمة إلى بنية الدولة نفسها، بالتوازي مع اضطرابات اقتصادية زادت من حدة التوتر.
في ضوء ذلك، تبدو أطروحة شتراوس أقرب إلى قراءة تفسيرية للحاضر بقدر ما هي استدعاء للتاريخ؛ إذ يُعاد تقديم الانقسام الداخلي لا بوصفه ظاهرة سياسية عابرة، بل كعامل استراتيجي يمسّ قدرة الدولة على الردع والصمود. وهكذا، يعيد الواقع الإسرائيلي المعاصر إنتاج الدرس التاريخي ذاته: حين يتصدع الداخل، تتسع هوامش الفعل أمام الخارج.
الحرب لتفادي الانقسام الداخلي
لا يبدو الدرس الذي يقدّمه شتراوس بعيدًا عن وعي نتنياهو، إذ إنه ربط في كتابه مكان تحت الشمس بين البقاء السياسي والقدرة على الدفاع الذاتي، مؤكدًا أن ضعف الدولة لا ينشأ فقط من التفوق العسكري للخصم، بل من هشاشة الداخل ذاته [6]. بل يتخذ مفهوم الانقسام الداخلي في الفكر السياسي عند نتنياهو طابعًا وجوديًا؛ ففي سيرته الذاتية يصرّح بأن "الأمة المنقسمة هي أمة ضعيفة" [7]، وهي عبارة تتجاوز البعد الوصفي لتتحول إلى قاعدة سياسية–استراتيجية. فالوحدة هنا ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل شرطٌ لبقاء الدولة في بيئة يعتبرها معادية بطبيعتها.
لكنني أعتقد أن العلاقة التي افترضها شتراوس بين الأزمة الداخلية في إسرائيل وأحداث السابع من أكتوبر معكوسة؛ إذ إن الحرب هي التي وفّرت مخرجًا من الانقسام، وليس الانقسام هو الذي أدى إلى الثغرة الأمنية التي سمحت لحماس بالقيام بعمليتها. فقد صاغ نتنياهو سياسة تقوم على وضع حماس في الزاوية عبر سدّ كل المنافذ أمامها، بما يدفعها إلى الإقدام على عمل يمكن توظيفه سياسيا . ففي زيارته للجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2023، عرض خريطته الجديدة التي لا مكان فيها لدولة فلسطينية على أي حدود، وهو ما يتسق مع المبادئ التوجيهية لسياسة حكومته التي شكّلها في نهاية عام 2022، والتي عُدّت الأكثر تطرفًا ويمينيةً وكراهيةً للأجانب وعنصريةً، إذ أكدت أن "الشعب اليهودي يتمتع بحق حصري وغير قابل للتصرف في جميع أجزاء أرض إسرائيل". وبعبارة أخرى، فإن اليهود وحدهم هم أصحاب الحق في كامل أرض إسرائيل، بما يشمل الضفة الغربية وقطاع غزة.
ومن ثم، يمكن قراءة ما حدث في السابع من أكتوبر على أن نتنياهو سعى إلى توظيفه وتحويله من عملية محدودة - أرد بها حماس أسر عدد من الجنود لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين ودفع إسرائيل إلى مناقشة جادة لمستقبل القضية الفلسطينية – إلى حرب شاملة، صفرية النتائج. ولعل ما نشرته صحيفة هآرتس في نوفمبر 2023 من مقتطفات من تحقيقات أولية لشرطة الاحتلال، والتي كشفت أن مروحية عسكرية إسرائيلية هى من أطلقت النار على مشاركين في الحفل الذي أُقيم قرب كيبوتس "رعيم" في السابع من أكتوبر، ما أدى إلى مقتل عدد كبير منهم، يضيف بُعدًا آخر لهذه القراءة. كما أشارت التحقيقات إلى أن مقاتلي "حماس" لم يكونوا على علم مسبق بمهرجان "نوفا" الذي سقط فيه العدد الأكبر من القتلى والأسرى الإسرائيليين، وأنهم اكتشفوا وجوده ميدانيًا، عبر طائرات مسيّرة أو مظلات، وتم توجيههم إليه عبر نظام الاتصالات الخاص بهم، في حين تم تمديد المهرجان ليوم السبت بموافقة الجيش الإسرائيلي بناءً على طلب المنظمين[8].
وهكذا، خلق نتنياهو وضعًا مكّنه من التوجّه إلى شعبه معلنًا أن الإسرائيليين يخوضون "حربهم الثانية من أجل الاستقلال"[9]. وبهذا المعنى، وجد أن الخروج من الانقسام الداخلي، الذي قد يؤدي إلى تآكل المجتمع الإسرائيلي، يمر عبر بوابة الحرب. ولما كانت حروب إسرائيل كثيرًا ما تستند إلى تبريرات توراتية تُضفي عليها طابعًا شبه مقدّس، فإن هذا المسار يكتسب بُعدًا أيديولوجيًا يتجاوز السياسة المباشرة.
ومن هنا يمكن فهم اندفاعه السريع نحو توسيع نطاق الصراع، بما في ذلك الانتقال إلى مواجهة مع إيران بعد حرب غزة، كما يمكن توقّع أن عجلة الحرب التي أدارها لن تتوقف عند هذا الحد، في ظل اعتقاده بأن المناخ الدولي لم يكن أكثر ملاءمةً مما هو عليه لتحقيق ما يُنظر إليه بوصفه "وعدًا إلهيًا" بأرض إسرائيل الكبرى. فالرجل يرى أن شعبيته داخل إسرائيل تتعاظم مع استمرار الحروب، ويعدّها وسيلةً لمنع العودة إلى الانقسام الداخلي والجدل السياسي الذي قد يهدد الدولة بأسرها، لا حكومته فحسب، مستندًا في ذلك إلى دعم واسع من تيارات المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة. وفي المقابل، تبدو القوى الإقليمية المحيطة وكأنها تُساق إلى مصيرها القاتم، واقفةً في موضع المتفرّج العاجز..
[1] Yerushalmi, Yosef Hayim, Zakhor: Jewish History and Jewish Memory. Seattle: University of Washington Press, 1982 ,pp. 2-5.
[2] Guyénot ,Laurent “Jews against Rome, Forever: Bibi: ‘We Lost That One, We Have to Win the Next One.’” The Unz Review. November 24, 2025.
[3] Strauss,Barry , Jews vs. Rome: Two Centuries of Rebellion against the World’s Mightiest Empire (New York: Simon & Schuster, 2025), pp. 105-108.
[4] Strauss, Jews vs. Rome, p. 109.
[5] جعفر، هشام، لماذا يقرأ نتنياهو كتاب “اليهود ضد روما”؟، المركز الفلسطيني للإعلام ، 17 نوفمبر 2025
[6] Netanyahu, Benjamin. A Place Among the Nations: Israel and the World. New York: Bantam Books, 1993, p. 45.
[7] Netanyahu, Benjamin. Bibi: My Story. New York: Simon & Schuster, 2022, 112.
[8] يورونيوز، صحيفة هآرتس تفجر مفاجأة: مروحية عسكرية أصابت بالخطأ عددًا من المحتفلين الإسرائيليين في 7 أكتوبر، 19 نوفمبر 2023.
[9] Avi Shlaim, Israel’s War on Gaza , search in " Deluge: Gaza and Israel from Crisis to Cataclysm" book edited by Jamie Stern-Weiner, New York, 2024, pp.13, 37.