عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف إمام

الاستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط: مقاربة في مصادر القوة

2026.04.04

الاستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط: مقاربة في مصادر القوة

 

في الشرق الأوسط، لا تندر الثروة ولا تضيق الجغرافيا، لكن الذي يندر حقًا هو الخيال الاستراتيجي. فكثير من دول المنطقة قبلت، طوعًا أو اضطرارًا، أنْ تُدار داخل خرائط غيرها: أمنها موصول بالمظلة الأمريكية، واقتصادها معلق بأسواق الخارج، وخياراتها الكبرى لا تُصاغ كاملًا في عواصمها. وفي المقابل، بقيت إيران حالة مغايرة؛ إذ لم تترك تعريف أمنها لغيرها، بل أصرَّت على أنْ تكون لاعبًا يشارك في صياغة الخطة، لا مجرد خانة في خطط الآخرين. من هنا يصح النظر إلى إيران، منذ عام 1979، بوصفها دولة امتلكت استراتيجية واضحة في محيط يفتقر، في كثير من جوانبه، إلى مثل هذا الوعي الاستراتيجي؛ وهو ما يفسر، إلى حد بعيد، قدرتها على الصمود والردع حتى الآن. فصعودها لم يكن نتاج بطولة أسطورية، ولا مجرد ثمرة فراغ خلّفه تراجع النظام العربي، بقدر ما كان حصيلة استراتيجية متماسكة قامت على أربعة رهانات كبرى: رهان على الذات حين أُغلقت الأبواب، ورهان على الوكلاء حين غدت الكلفة المباشرة باهظة، ورهان على هندسة علاقات دولية نوعية في ظلِّ نظام دولي انحدر إلى وحل طغيان القطب الأوحد، ورهان على الجغرافيا حين سعت طهران إلى تحويل موقعها من معطى ثابت إلى عنصر فاعل في بناء القوة. فالحقيقة أنَّ إيران صعدت وصمدت لأنَّها فكَّرت بعقل دولةٍ صاحبةِ مشروع، تستند إلى استراتيجية مرنة ومتماسكة، بينما رضي آخرون، طوعًا أو كرهًا، أنْ ينسحبوا من مجال التأثير، وأن يسلّموا مصائرهم، لا إلى غيرهم فحسب، بل إلى أعدائهم.

 

أولًا: الرهان على الذات.. من الحصار إلى إنتاج القوة

أدركت إيران مبكرًا أنَّ البيئة الدولية ، لا سيما بعد الثورة، لن تتيح لها الحصول على مقومات القوة التقليدية عبر القنوات المعتادة. فالعقوبات، والقطيعة السياسية مع الغرب، والحظر المفروض على التسليح والتكنولوجيا، دفعتها إلى خيار لم يكن ترفًا، بل ضرورة وجودية: بناء القدرة الذاتية. ومن هنا، لم يكن تطوير الصناعات العسكرية الإيرانية مجرد مشروع تقني، بل كان تعبيرًا عن فلسفة سياسية متكاملة قوامها الاستقلال الاستراتيجي. وقد تجسَّد هذا التوجه بوضوح في برنامج الصواريخ الباليستية، الذي تحوَّل إلى أحد أعمدة الردع الإيرانية، سواء عبر تنويع المديات، أو تحسين دقة الإصابة، أو توظيف هذه الترسانة بوصفها رسالةً سياسيةً بقدر ما هي أداة عسكرية. فلدى إيران، وفقًا لتقديرات القيادة المركزية الأمريكية، أكثر من ثلاثة آلاف صاروخ باليستي، بما يجعل ترسانتها الأكبر والأكثر تنوعًا في الشرق الأوسط.

وينسحب الأمر نفسه على ملف الطائرات المسيَّرة، الذي كشف عن قدرة إيران على إنتاج أدوات حربية منخفضة الكلفة وعالية الجدوى في آنٍ واحد، وهو ما بدا جليًّا في اعتماد روسيا، بثقلها العسكري المعروف، على طائرات «شاهد» الإيرانية في الحرب الأوكرانية. غير أنَّ الأهم من ذلك كله أنَّ طهران فهمت، في وقت مبكر، أنَّ العقوبات لا تُواجَه بالشكوى، بل بإعادة بناء بنية القوة نفسها. لذلك لم تكتفِ بتكديس السلاح، بل استثمرت في العقول العسكرية، ومراكز البحث، والقدرة على التعويض التكنولوجي. وفي هذا السياق يكتسب الملف النووي معناه الأعمق. فإيران، وإن لم تحصل على «قنبلة»، راكمت قدرةً علميةً وصناعيةً جعلتها تقف على عتبة تقنية شديدة الحساسية. وتشير تقارير ضبط التسلح إلى أنها ركَّبت آلاف أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وأبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2024 بعزمها على تركيب 18  سلسلة إضافية من أجهزة «IR-2» في نطنز، و8 سلاسل من أجهزة «IR-6» في فوردو، وهي أجهزة تفوق الجيل الأول كفاءةً وقدرة. والمعنى هنا لا يقتصر على البعد النووي، بل يتجاوزه إلى دلالة استراتيجية أعمق: فالمعرفة التي تراكمها الدولة لا تُنتزع منها بالعقوبات.

هكذا استطاعت إيران أنْ تنتج جزءًا معتبرًا من أدوات قوتها بنفسها، بينما استسهل آخرون شراء السلاح الجاهز، وقصّروا في بناء العقل المنتج له. وهنا تبدو المفارقة جارحة: طهران راهنت على المختبر والمهندس، بينما راهن غيرها على الفاتورة والسوق.

 

ثانيًا: الوكلاء كأدوات للنفوذ الإقليمي

إذا كان الرهان على الذات قد منح إيران قدرةً على تحصين الداخل وصيانة قرارها الاستراتيجي، فإنَّ الرهان على الوكلاء منحها قدرةً أخرى لا تقل شأنًا: أن تتمدد خارج حدودها من غير أنْ تؤدي الكلفة الكاملة للحضور المباشر. وهنا تتجلَّى واحدة من أمضى أدوات الاستراتيجية الإيرانية: نسج شبكات عقائدية وعسكرية تدور في فلكها بدرجات متفاوتة من الولاء والتنسيق والاعتماد. فـ«حزب الله»، والحوثيون، والفصائل العراقية، والمجموعات المرتبطة بها في سوريا، ليست في الحساب الإيراني مجرد حلفاء عابرين، بل امتدادات وظيفية لمركز القرار، تتيح لطهران أنْ تحضر في أكثر من ساحة، وأنْ تفاوض من مواقع متعددة، وأنْ توزِّع الرد على نحو يجعل استهدافها أكثر تعقيدًا وكلفة.

غير أنَّ براعة إيران لا تظهر في إنشاء هؤلاء الوكلاء وتشغيلهم فحسب، بل في إحكام المسافة بينها وبينهم ساعة الخطر. ففي البحر الأحمر، حرصت على أنْ يظهر الحوثيون فاعلًا مستقلًا، وفي الحالة اللبنانية سعت إلى ألا يجرها «حزب الله» إلى مواجهة شاملة لا تريدها. والمعنى السياسي هنا جلي: الوكيل، في العقل الإيراني، يُستثَمر إلى أقصى حدٍّ، لكن لا يُسمَح له بأنْ يفرض على المركز ما لا يريده. لذلك لم تصنع طهران من هؤلاء شركاء متكافئين بقدر ما صاغت منهم تابعين وظيفيِّين، يتحرَّكون داخل مشروعها الأوسع، وينظرون إلى مصالحها بوصفها مرجعًا أعلى.

وعلى هذا النحو، جنت إيران من وكلائها أضعاف ما أنفقت عليهم: نفوذًا واسعًا، وأوراق ضغط، وحضورًا ممتدًا في الساحات العربية، من دون أنْ تتحمَّل دائمًا كلفة حمايتهم كاملة حين تشتد عليهم نيران إسرائيل أو الولايات المتحدة. وهنا تكمن دلالة هذا الرهان ومكره معًا: لقد أحسنت طهران صناعة الوكيل بوصفه أداةً للنفوذ والضغط، لا شريكًا متساويًّا في الغنم والغرم.

 

ثالثًا: هندسة علاقات دولية أكثر مرونة وبراغماتية

لم تُدر إيران علاقاتها الدولية بعقلية الارتماء الكامل في أحضان قوة كبرى، ولا بعقلية المقامرة بإلقاء أوراقها كلها في يد طرف دولي لا يرى في الإقليم إلا مصلحته الخاصة. لقد فاوضت، وناورت، وفتحت قنواتها المتعددة، لكنها حرصت، في الجملة، على ألا تتحوَّل إلى تابع سياسي كامل لأي مركز دولي. ومن هنا اكتسب سلوكها الخارجي قدرًا لافتًا من البراغماتية؛ فهي لم تنظر إلى العلاقات الدولية بوصفها ميدانًا للولاء، بل بوصفها ساحةً لإدارة التناقضات وتوظيفها. وتتجلَّى براعة طهران في إدارة علاقاتها الدولية، على نحو أوضح، في إدارتها لعلاقتها بالولايات المتحدة نفسها. فبينما ظلَّ الخطاب الرسمي مشدودًا إلى العداء، لم تتردد إيران، عند الضرورة، في فتح قنوات خلفية، أو في استثمار الحركة الأمريكية في الإقليم بما يخدم مصالحها الأبعد. وهكذا بدت أفغانستان والعراق مثالَين ساطعَين على هذه البراغماتية الباردة؛ فـ«طالبان»، في نسختها الأولى، كانت خصمًا عقائديًّا وأمنيًّا لإيران، كما كان نظام صدام حسين يمثل آخر ما تبقَّى من تهديد استراتيجي ذي صبغة قومية عربية على حدودها الغربية. وحين اندفعت الولايات المتحدة إلى إسقاط كابول ثم بغداد، لم تجد إيران نفسها في موقع المتفرج، بل في موقع المستفيد، لذا تعاونت بشكل كبير مع «الشيطان الاكبر» لإزاحة اثنين من ألد خصومه الإقليميِّين. وما إنَّ انكسر خطر الأصولية السُّنِّية المعادية، وتهاوى ما تبقَّى من تهديد قومي عربي مسلح، حتى فتحت الفوضى اللاحقة أمام طهران أبواب التغلغل في بغداد وكابول. هنا تتجلَّى واحدة من مفارقات الشرق الأوسط الحديثة: أمريكا دفعت الكلفة العسكرية والسياسية، وإيران قبضت جانبًا معتبرًا من العائد الجيوسياسي.

ثم مضت إيران إلى بناء شراكات نوعية مع الصين وروسيا، لا من باب التبعية، بل من باب الحاجة المتبادلة وتبادل المنافع. وفي سياق التصعيد الراهن، تبدو قيمة هذه الشراكات بوضوح؛ إذ يوفر لها الروس إسنادًا سياسيًّا واستخباراتيًّا غير مباشر، فيما تمنحها الصين متنفسًا اقتصاديًّا ثابتًا عبر استمرار شراء النفط وتفعيل أطر التعاون الطويلة الأمد. وهكذا لا تجد طهران نفسها وحيدة تمامًا في لحظة الاشتباك، بل مسنودة بعمق دولي يخفِّف وطأة الضغوط، ويمنحها قدرةً أكبر على الصمود والمناورة من دون أنْ يجرَّ موسكو أو بكين إلى انخراط عسكري مباشر.

 

رابعًا: الجغرافيا حين تتحول من قدر إلى سلاح

يبقى الرهان الرابع هو الجغرافيا؛ فإيران لا تشغل موقعًا على الخريطة فحسب، بل تُحسن توظيف هذا الموقع في بناء القوة. فهي تشرف على مضيق هرمز، الذي يمرُّ عبره، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، فضلًا عن نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. ومن ثم فإنَّ «هرمز» ليس بالنسبة إليها مجرد ممر مائي، بل ورقة ضغط استراتيجية، وأداة خنق محتملة للأسواق العالمية عند اشتداد الصراع. لذلك لم يكن التلويح الإيراني المتكرر بالمضيق مجرد خطاب دعائي، بل هو تعبير صريح عن إدراك عميق لوزن الجغرافيا في معادلات السياسة والردع. وفوق ذلك، تمنحها حدودها الممتدة والمتعددة، إلى جانب عمقها البري والجبلي، ميزةً واضحةً على جيران أصغر مساحة وأكثر ارتهانًا للحماية الخارجية. وهذا العمق الجيوسياسي لا يوفِّر لها فقط قدرةً على الاحتمال، بل يمنحها كذلك مساحةً أوسع للمناورة، وامتصاص الضربات، وتوزيع المخاطر على أكثر من مستوى وجبهة.

 

خاتمة

ليست المسألة، إذن، أنَّ إيران أقوى من غيرها على إطلاقه، بقدر ما هي أشد وعيًا من كثير من جيرانها بمعنى الدولة الاستراتيجية: الدولة التي لا تكتفي بردّ الفعل، بل تُعِدّ له قبل وقوعه، ولا تنتظر الخطر حتى تفكر في أدوات النجاة منه. لذلك راهنت على الذات، فبنت تحت الحصار معرفةً عسكريةً وصناعيةً لم تستطع العقوبات أنْ تنتزعها منها. وراهنت على الوكلاء، فجنت من ورائهم أضعاف ما أنفقت عليهم، وأحسنت أن تُبقي بينها وبينهم، عند اللزوم، مسافة الإنكار وفسحة المناورة. وراهنت على علاقات دولية نوعية، فلم تُلقِ بأوراقها كلها في يد أحد، بل أفادت من تناقضات واشنطن، وبنت مع الصين وروسيا تفاهمات تَنفَع في أزمنة الرخاء وتُستدعى في ساعات الشدة. ثم راهنت على الجغرافيا، فحوّلت المضائق والحدود وامتدادات الإقليم إلى أوراق ضغط وردع، لا إلى خطوط صامتة على الخرائط.

وليس استعراض مكامن القوة في الاستراتيجية الإيرانية، بكل ما تنطوي عليه من خطر على عالمنا العربي، مديحًا لإيران بقدر ما هو مرثيةٌ مبطنة لحالٍ عربي اختار، في كثير من وجوهه، أنْ يستبدل بفكرة «الدولة» وهم «الاحتماء»، وبمنطق الاستقلال إغراء الارتهان، حتى خُيّل إليه أنَّ لا ملجأ من أمريكا إلا إليها، وأنَّ الجغرافيا تُترك كما هي، وأنَّ المواثيق تكفي وحدها لردّ الأعداء، وأنَّ الحدود تحمي مَن لا يملك إرادة الحماية.

وهنا يتجلَّى الدرس العربي الأكثر مرارة في هذه القصة كلها: إنَّ الأزمة ليست دائمًا في قلة الموارد، ولا في ضيق الفرص، بل في غياب الإرادة التي تُحسن ترتيب الإمكانات داخل استراتيجية. لقد ربحت إيران كثيرًا، لا لأنَّها كانت أغنى من غيرها، ولا لأنَّها في مأمن من الأخطار، بل لأنَّها قررَّت أنْ تكون صاحبة مشروع، فيما رضي غيرها أنْ يكون مادةً في مشاريع الآخرين، وورقةً على موائد التفاهمات الدولية، وليس طرفًا قادرًا على صوغها أو التأثير فيها.

ومن ثمَّ فإنَّ السؤال الذي ينبغي أنْ يُطرَح عربيًّا ليس: كيف نلعن الصعود والصمود الإيراني فحسب؟ بل: لماذا عجزت دول عربية كثيرة عن إنتاج صعودها هي، مع أنَّ المال أوفر، والفرص أوسع، والتهديدات أوضح؟ ففي الشرق الأوسط لا يكفي أنْ تملك الثروة، ولا أنْ تحتلَّ موقعًا معتبرًا على الخريطة؛ الأهم من ذلك كله أنْ تملك عقل القوة، وصبرها، وخيالها الاستراتيجي الطويل.