عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

أشرف إبراهيم

خريف الإمبراطورية يوميات الصمود فوق الهضبة الإيرانية وشلل النظام العالمي في شهر الحرب الأول

2026.03.28

خريف الإمبراطورية

 يوميات الصمود فوق الهضبة الإيرانية وشلل النظام العالمي في شهر الحرب الأول

 

دخلت البشرية مع بزوغ فجر هذا اليوم مرحلة هي الأكثر خطورة وتعقيداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث لم تعد الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد "جولة قتال" إقليمية محدودة الأهداف، بل تحولت إلى صراع وجودي يضرب مفاصل الاستقرار العالمي في مقتل، ويضع منظومة "ما بعد الحرب الباردة" أمام اختبارها النهائي. فبينما كانت شعوب الأرض تأمل في لجم آلة الحرب عبر القنوات الدبلوماسية، شهد اليوم الثامن والعشرون من العدوان تصعيداً دراماتيكياً استهدف تفكيك الدولة الإيرانية من الداخل عبر تدمير بنيتها التحتية الحيوية وشل قدراتها الإنتاجية والتقنية. إن هذا الهجوم المنسق الذي نتابعه اليوم، والذي طال منشآت نووية وصناعية استراتيجية في طهران وأصفهان ويزد، يمثل المحاولة الأخيرة من قبل المركزية الإمبريالية لترميم صورتها المهتزة، وفرض إرادتها بالقوة المسلحة على شعوب قررت سلك طريق السيادة بعيداً عن الوصاية الدولارية وإملاءات المؤسسات المالية الدولية.

 

الميدان المشتعل واستراتيجية "القطع الجراحي" في مواجهة "وحدة الساحات"

على الصعيد العسكري المباشر، تؤكد التقارير الميدانية الرصينة الصادرة عن معهد دراسة الحرب (ISW) ووكالة أسوشيتدبرس (AP)  أن القوات الأمريكية والإسرائيلية المشتركة نفذت فجر اليوم موجات قصف هي الأعنف منذ انطلاق العمليات تحت مسمى عملية "الأسد الهصور". لم يقتصر القصف على المواقع العسكرية التقليدية أو منصات الصواريخ، بل امتد ليشمل منشآت تخصيب اليورانيوم في "نطنز" ومجمعات الأبحاث العلمية في "فوردو"، في محاولة واضحة لإعادة القدرات التكنولوجية الإيرانية عقوداً إلى الوراء وحرمان المنطقة من أي ميزة تقنية مستقلة. ومع ذلك، فإن ما توثقه تقارير وكالة الأنباء الإيرانية (إيرنا) ووكالة رويترز يكشف عن صمود استراتيجي غير متوقع؛ حيث تمكنت منظومات الدفاع الجوي الإيرانية المحدثة من إسقاط العشرات من المسيرات الانتحارية المتقدمة والصواريخ الجوالة قبل وصولها لأهدافها، مما يثبت أن "الهضبة الإيرانية" تحولت إلى قلعة حصينة تصعب اختراقها دون كلفة بشرية ومادية باهظة للتحالف المعتدي، وهو ما بدأ يثير قلقاً عميقاً في دوائر صنع القرار داخل البنتاغون حول جدوى الاستمرار في حرب جوية لا تحقق نتائج حاسمة على الأرض.

وفي تمدد دراماتيكي لساحة الصراع، انتقلت نيران الحرب لتطال "حزام المقاومة" بأكمله في مشهد يهدف إلى عزل إيران عن عمقها الاستراتيجي. فقد رصدت وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) سلسلة غارات إسرائيلية مدمرة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت ومنطقة البقاع وجنوبي لبنان، في محاولة يائسة لشل قدرات حزب الله اللبناني ومنعه من توجيه ضربات انتقامية واسعة. وحسب بيانات مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها (ACLED)، فقد سجل حزب الله في الساعات الأربع والعشرين الماضية رقماً قياسياً في عدد الرشقات الصاروخية التي استهدفت العمق الإسرائيلي والمراكز الصناعية في حيفا وتل أبيب، مؤكداً مبدأ "وحدة الساحات" الذي يربط مصير بيروت بمصير طهران بشكل عضوي لا يقبل التجزئة. وفي العراق، لم يكن المشهد أقل اشتعالاً؛ حيث تعرضت مقار الحشد الشعبي في مناطق القائم وجرف الصخر لضربات أمريكية مكثفة تحت ذريعة "منع التهديدات الوشيكة"، إلا أن الرد جاء سريعاً عبر استهداف مباشر لقاعدتي "عين الأسد" و"حرير" بصواريخ باليستية قصيرة المدى، مما يؤكد أن محاولات واشنطن لعزل إيران عن حلفائها قد تحطمت أمام واقع جغرافي وسياسي متشابك يرى في هذا العدوان تهديداً لوجود المنطقة وهويتها بأسرها.

 

اليمن وباب المندب: السهم الذي أصاب قلب التجارة العالمية في مقتل

التطور الاستراتيجي الأكثر رعباً للقوى الإمبريالية وحلفائها هو ما أكدته وكالة أسوشيتد برس (AP) صبيحة هذا اليوم، حول اعتراض أول صاروخ باليستي بعيد المدى أطلق من اليمن باتجاه إسرائيل منذ بدء هذه الحرب، وهو ما يمثل نقلة نوعية في قدرات الردع لدى محور المقاومة. إن دخول جماعة الحوثي (أنصار الله) في الصدام المباشر لم يعد مجرد تهديد لفظي، بل أصبح حقيقة ميدانية وضعت البحر الأحمر وباب المندب تحت رحمة الصواريخ والمسيرات اليمنية التي أثبتت كفاءة عالية في اختراق منظومات الحماية البحرية الغربية. هذا التحول يعني أن شريان الحياة الذي يغذي الأسواق الأوروبية والغربية بات مهدداً بالإغلاق الكامل، وهو ما يفسر حالة الذعر التي أصاب شركات الشحن الكبرى والمؤسسات التأمينية التي بدأت بالفعل في تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، مما ضاعف كلفة الشحن وأدى لقفزة جنونية في أسعار السلع الأساسية. إن اليمن اليوم يثبت أنه "الخاصرة الرخوة" التي يمكن من خلالها توجيه ضربة قاصمة للاقتصاد الرأسمالي العالمي الذي يقتات على حرية الملاحة المؤمنة بالقوة العسكرية الأمريكية، محولاً مضيق باب المندب إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية عالمية لا يمكن تجاوزها في أي مفاوضات قادمة.

 

دبلوماسية الطريق المسدود: صراع الأقطاب في ردهات الأمم المتحدة المظلمة

على الصعيد السياسي والدبلوماسي، تبدو التحركات الدولية وكأنها تدور في حلقة مفرغة من العجز المتعمد والانقسام الحاد الذي يعكس تآكل شرعية المؤسسات الدولية. فقد كشفت تقارير صحيفة فايننشال تايمز (FT) ونيويورك تايمز عن فشل مفاوضات الغرف المغلقة التي تقودها واشنطن لفرض ما يسمى بـ "خطة الـ 15 نقطة" للتهدئة، وهي الخطة التي تطلب من إيران تجريد نفسها من سلاحها الصاروخي وبرنامجها النووي السلمي مقابل وقف مؤقت للغارات الجوية، وهو ما رفضته طهران جملة وتفصيلاً، معتبرة إياه "صك استسلام" مهين لن يتم التوقيع عليه مهما بلغت شدة النار. وفي أروقة مجلس الأمن، تستمر روسيا والصين في استخدام ثقلهما الدبلوماسي لمنع شرعنة العدوان، مع تقارير مؤكدة عن وصول شحنات دعم لوجستي وتقني وفضائي من موسكو وبكين إلى طهران لتعزيز صمودها في وجه التفوق الجوي والسيبراني الغربي. هذا الاصطفاف الدولي يعزز من فرضية أننا أمام حرب عالمية مصغرة تهدف لإعادة رسم حدود النفوذ وتحدي الهيمنة الأحادية، حيث يرى الشرق في الصمود الإيراني خط الدفاع الأول عن عالم متعدد الأقطاب يسوده القانون الدولي لا قانون الغاب الإمبريالي.

علاوة على ذلك، برزت خلافات داخلية مكتومة بين إدارة الرئيس دونالد ترامب والقيادة الإسرائيلية، حيث تشير تسريبات هيئة البث الإسرائيلية إلى تباين في وجهات النظر حول "أهداف المرحلة القادمة"؛ فبينما تريد تل أبيب توسيع الحرب لتشمل تدمير الدولة الإيرانية بالكامل، تخشى واشنطن من تورط بري طويل الأمد قد يؤدي لتعثر الاقتصاد الأمريكي قبل انتخابات مفصلية. هذا التخبط في المعسكر المعتدي يمنح طهران وحلفاءها مساحة أكبر للمناورة والاستنزاف، معتمدين على عامل الوقت الذي بدأ يعمل لصالح القوى المدافعة عن أرضها وسيادتها.

 

الخسائر التقنية والانهيارات السيبرانية: الحرب فوق السحاب الرقمي وتهديد المنظومة المالية

لم تتوقف الحرب عند حدود الصواريخ المادية والبارود، بل انتقلت لتضرب "النخاع الشوكي" للنظام المالي العالمي في الفضاء الرقمي بشكل غير مسبوق في تاريخ النزاعات. فقد رصدت تقارير من صندوق النقد الدولي (IMF) ومنظمة نت بلوكس (NetBlocks) والمنتدى الاقتصادي العالمي هجمات سيبرانية معقدة ومنسقة استهدفت البنى التحتية للمصارف الدولية الكبرى في نيويورك ولندن وتل أبيب. هذه الهجمات، التي نفذتها مجموعات هجومية متطورة تطلق على نفسها "جيوش الظل"، نجحت في تعطيل أنظمة التحقق والدفع اللحظي واختراق واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، مما أدى لتجميد حسابات ملايين المودعين وخسارة بيانات مالية حساسة ومحو سجلات ديون بمليارات الدولارات. إن هذه "الخسائر التقنية" تمثل الرد الأكثر ذكاءً وفتكاً على العقوبات الاقتصادية الغربية؛ فبينما حاول الغرب خنق إيران مالياً وحرمانها من نظام "سويفت"، وجد نفسه اليوم يواجه شللاً في مصارفه الكبرى وتهديداً وجودياً لثقة الجمهور في العملات الرقمية والائتمان، مما كشف عن هشاشة "السيادة الرقمية" للرأسمالية أمام حرب العصابات الإلكترونية التي لا تعترف بالحدود الجغرافية أو الحواجز الأمنية التقليدية.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الهجمات السيبرانية لم تقتصر على المصارف، بل امتدت لتطال شبكات التحكم في الطاقة والمواصلات داخل الدول المعتدية، مما خلق حالة من الفوضى الإدارية واللوجستية التي تسببت في خسائر اقتصادية غير مباشرة تقدر بالتريليونات. هذا التحول النوعي في طبيعة الصراع يثبت أن القوة لم تعد تقاس فقط بالترسانة النووية، بل بالقدرة على اختراق شيفرات الخصم وتعطيل حياته اليومية بضغطة زر واحدة، وهو ما جعل القادة العسكريين في الغرب يعيدون النظر في استراتيجياتهم الدفاعية التي بدت عاجزة أمام طوفان البيانات المسمومة والهجمات المنطقية التدميرية.

 

خارطة التحالفات الشعبية: الشارع العالمي في "انتفاضة كبرى" ضد تجار الحروب

على الجانب الآخر من المشهد الرسمي الملطخ بالدماء، ولدت من رحم هذه الحرب "خارطة تحالفات شعبية" عابرة للقارات واللغات والأديان، في مشهد يذكرنا بالاحتجاجات الكبرى ضد حرب فيتنام وحرب العراق. فقد رصدت وكالة الأناضول وتقارير حقوقية دولية احتجاجات مليونية خرجت في عواصم كبرى مثل جاكرتا، لندن، برلين، ومدريد، رفعت شعارات تندد بـ "تجار الحروب" وتعلن تضامنها المطلق مع الشعب الإيراني المعتدى عليه وسيادة شعوب المنطقة. المثير للاهتمام بشكل خاص هو تنامي هذه الحركات داخل المجتمعات الغربية نفسها؛ حيث تشهد الجامعات الأمريكية والبريطانية اعتصامات طلابية مفتوحة تقودها أجيال شابة ترفض أن تُنفق أموال ضرائبها ومستقبلها التعليمي على قصف أطفال ونساء إيران ولبنان، معتبرين أن هذه الحرب هي سرقة لمستقبلهم وكرامتهم الإنسانية لصالح أرباح شركات السلاح والنفط.

هذا "التحالف الشعبي" العالمي بدأ يتحول إلى قوة ضغط سياسي حقيقية، حيث أجبر بعض الحكومات الأوروبية على النأي بنفسها تدريجياً عن الدعم المطلق لواشنطن، خوفاً من انفجار اجتماعي داخلي قد يطيح بالعروش السياسية. إن الوعي الشعبي العالمي اليوم يربط بوضوح بين الحروب الإمبريالية في الخارج وبين سياسات التقشف والفقر في الداخل، مما خلق حالة من التضامن الطبقي والإنساني العابر للحدود، يرى في الصمود الإيراني رمزاً للمقاومة ضد نظام عالمي غير عادل يقتات على دماء الفقراء وموارد الشعوب النامية. إن خروج الملايين في صنعاء وبغداد وتزامنها مع تظاهرات نيويورك ولندن يرسل رسالة واضحة: إن الشعوب قد سئمت من الحروب المصطنعة، وهي مستعدة للدفاع عن حقها في السلام والكرامة بكل الوسائل المتاحة.

 

مضيق هرمز والرهان على الجوع العالمي: الدول النامية في مهب الإعصار الاقتصادي

اقتصادياً، تحول مضيق هرمز من مجرد ممر ملاحي حيوي إلى "مشنقة" اقتصادية تلتف حول عنق الاقتصاد العالمي المريض أصلاً. إن إعلان طهران عن ممارسة "السيطرة الذكية" على المضيق وتوقف تدفق النفط والغاز بشكل شبه كامل أدى لقفزة تاريخية في أسعار الخام والوقود، مما أطلق شرارة تضخم عالمية لم تشهدها البشرية منذ عقود، حيث تضاعفت أسعار السلع الغذائية والخدمات الأساسية في غضون أيام. لكن الضحية الحقيقية والمباشرة لهذه المقامرة الإمبريالية ليست الدول الغنية التي تمتلك فوائض مالية واحتياطيات استراتيجية، بل هي الدول النامية في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا التي تجد نفسها اليوم في مهب الريح.

إن توقف سلاسل توريد الأسمدة والمدخلات الزراعية، التي تعد منطقة الخليج وإيران مصدراً رئيسياً لها، يهدد بـ "مجاعة كيميائية" ستطال إنتاجية الحقول ورغيف الخبز في أفقر مناطق العالم، من القاهرة إلى نيروبي وصولاً إلى دلهي. إن الرأسمالية العالمية، في سعيها المحموم لتحطيم إيران وإخضاعها، تضحي حرفياً بحياة المليارات من البشر في الجنوب العالمي، مما يثبت بالدليل القاطع أن هذه الحرب هي حرب "طبقية وعنصرية" بامتياز، تهدف لحماية امتيازات القلة الحاكمة في الشمال على حساب جوع وفناء الشعوب النامية في الجنوب. إن ربط مصير الغذاء العالمي بمصير الصراع العسكري هو جريمة ضد الإنسانية ترتكب تحت غطاء "الأمن القومي"، وهو ما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لكسر هذا الحصار الاقتصادي والغذائي الذي تفرضه سياسات "تجار الحروب".

 

نحو فجر السيادة أو الانهيار الكبير للنظام القديم

ختاماً، إن قراءة المشهد العالمي في يومه الثامن والعشرين من العدوان تؤكد أننا لسنا أمام مجرد نزاع عسكري عابر، بل نحن في قلب "المخاض العنيف" والدموي لولادة نظام عالمي جديد يرفض التبعية والأحادية. الصمود الإيراني الأسطوري فوق الهضبة، مدعوماً بوحدة الساحات المقاومة وتحركات الشارع العالمي الهادرة، يثبت أن زمن الهيمنة الأحادية والغطرسة القطبية قد ولى إلى غير رجعة، وأن القوة العارية لم تعد كافية لإخضاع الشعوب التي قررت امتلاك ناصية مصيرها. إن موازين القوى في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بعدد الرؤوس النووية أو ضخامة ميزانيات الدفاع، بل بالقدرة على التحمل الاستراتيجي، والسيادة الغذائية، والبراعة التقنية في فضاء السايبر، وتماسك الجبهة الداخلية الشعبية.

إن الوقوف في صف إيران اليوم، والاعتراف بحقها في الدفاع عن أرضها وسيادتها، ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو انحياز كامل للحق الإنساني في الوجود والكرامة ضد تغول إمبريالي متوحش يريد تحويل العالم إلى "إقطاعية" تابعة لمصالحه الضيقة وأرباح شركاته الكبرى. ستستمر هذه المواجهة التاريخية، وسنظل نرصد حركة الصاروخ في الميدان وحركة "الأكواد" في المصارف ونبض الشعوب في الشوارع المشتعلة، لتبقى الحقيقة ساطعة كشمس النهار: إن الشعوب التي ترفض الانكسار هي وحدها التي تملك حق كتابة التاريخ، وإن فجر السيادة والعدالة لابد أن يبزغ من بين ركام الحروب المصطنعة ورماد الأنظمة المتهاوية.