هوامش
محمد عبد الكريمفي هوامش التحديث الأفريقي: حنا بك صليب.. وإنشاء مدرسة منليك الثاني في أديس أبابا (1907-1908)
2026.03.28
في هوامش التحديث الأفريقي:
حنا بك صليب.. وإنشاء مدرسة منليك الثاني في أديس أبابا
(1907-1908)
تُمثِّل صلةُ الكنيسة المصرية بمشروع النهضة الإثيوبية في مطلع القرن الماضي حالةً فريدةً في تاريخ مشروعات التحديث الأفريقية، إذ تعبِّر عن وجود تفاعلات أفريقية - أفريقية مميزة، ويمكن أنْ يتمَّ البناء عليها معرفيًّا لكسر سردية مشروعات النهضة الأفريقية المقولبة في مسار التأثير الأوروبي (والغربي) في القارة الأفريقية كشكل نمطي أو وحيد في بعض الحالات. ويهدف المقال الحالي إلى تلمس بعض جوانب هذه الصلة عبر طرح تجربة البعثة العلمية المصرية الأولى (بقيادة المُعلِّم المصري حنا صليب أفندي)، والتي توجَّهت لإثيوبيا لتحديث التعليم الابتدائي والثاني في الأخيرة، وتوَّجته بإنشاء سلسلة من المدارس هناك على نمط المدارس القبطية في مصر، خاصة مدرسة منليك الثاني التي اعتُبرت أول مدرسة ثانوية عامة في إثيوبيا، مما يقدِّم دلالةً رمزيةً وتاريخيةً عميقةً على صواب الفرضية السابقة.
وثمة ملاحظة أولية لفهم هذه الصلة ضمن سياق أوسع؛ إذ حضرت مصر بصور مختلفة، ومتفاوتة القوة، في مشروع تحديث إثيوبيا الذي دشَّنه الإمبراطور منليك الثاني (إمبراطور إثيوبيا 1889-1913)، وخلفه هيلا سيلاسي (1930-1974، مع توليه السلطة فعليًّا منذ العام 1916)؛ وعلى سبيل المثال، جاء تأسيس «بنك الحبشة» The Bank of Abyssinia في العام 1905 كفرع تابع للبنك الأهلي المصري (في سياق عدة مشروعات مهمة مثل بدء شركة فرنسية في تشييد خط سكك حديدية لربط أديس أبابا بميناء جيبوتي في العام 1897، وإكمال مهندسين من إيطاليا وفرنسا في غضون سنوات قليلة مد خطوط الاتصالات التلغرافية إلى جيبوتي وإريتريا، كما افتُتح مستشفى تابع للصليب الأحمر الروسي في العام 1898 واستمرَّت في العمل حتى العام 1906) دليلًا على وجود حضور مصري في مشروع تحديث إثيوبيا (كما تبلور لاحقًا في إنشاء أول مدرسة رسمية في إثيوبيا على غرار إدارة التعليم المصري)، الذي تضمن تأسيس الحكومة الإثيوبية أول مستشفى حكومي في العام 1908 وهو «مستشفى منليك الثاني»، وأول مطبعة صحفية تابعة للدولة في العام 1911.
واتبع منليك سياسةً واضحةً في هذا السياق بالاستفادة من مختلف القوى الأوروبية وعدم الخضوع لنفوذ قوة أوروبية واحدة ([1]).
وقد قدَّم المؤرخ الإثيوبي البارز باهرو زويدي Bahru Zewede، في مؤلفه «تاريخ إثيوبيا الحديثة 1855-1991»، تفاصيل حول مشروع تحديث إثيوبيا في عهد الإمبراطور منليك الثاني، ووصف فترة الأخير بأنَّها مرحلة «تكوين الدولة الإمبراطورية الإثيوبية الحديثة» بعد عملية مطولة من التوسُّع، لا سيما في غرب إثيوبيا الحالية وجنوبها، وتأسيس عاصمة، وقدرة منليك على مواجهة الأزمة في النظام الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، لا سيما خلال فترة «المجاعة الإثيوبية الكبرى» في الفترة 1888-1892. ولاحظ زويدي اقتداء منليك بأسلافه من ملوك العصور الوسطى في إثيوبيا بحكم البلاد انطلاقًا من عدة معسكرات ومدن، قبل بدء الاستقرار في العام 1886 في مدينة أديس أبابا جنوب البلاد لتصبح لاحقًا - وتحديدًا في العام 1892 تقريبًا - المركز السياسي للإمبراطورية. وازداد قدوم النبلاء المحليين، والأوروبيين، إلى مدينة أديس أبابا للاستقرار بها بعد انتصار الجيش الإثيوبي على القوات الإيطالية في معركة عدوة 1896، التي مثلت بدورها، حسب زويدي، حدًّا فاصلًا بين مرحلة الحروب المستمرة ومرحلة الدولة المستقرة أو ما وصفها «بالحياة المدنية» في عاصمة الدولة الإمبراطورية. مع ملاحظة مثال مشاركة قوة إثيوبية في دعم الفرنسيين خلال حادث فاشودة (1898) والصدام مع البريطانيين، وأنَّ هذه القوة الإثيوبية اكتفت بعد عبورها التقاء نهر السوباط بالنيل برفع العلم الإثيوبي ثم قفلت عائدة إلى قاعدتها في مرتفعات الحبشة، بالتزامن مع سيطرة البريطانيين على الخرطوم وإسقاطهم الدولة المهدية في السودان، ثم انسحاب الفرنسيين من المنطقة.
وعلى خلفية هذا التطور التاريخي المهم في الدولة الإثيوبية الحديثة، جاءت تجربة البعثة التعليمية المصرية الأولى (والتي تلتها بعثات أخرى حتى منتصف القرن الماضي) في سياق سعي المطران المصري الأنبا متاؤوس، مطران الحبشة، لإدخال التعليم الحديث إلى إثيوبيا، إذ اتفق نيافته مع الإمبراطور منليك الثاني (1844-1913) على إدخال الأساليب الحديثة في التعليم؛ إذ لم يكن بأثيوبيا أي نوع من التعليم بخلاف التعليم الكنسي. وكان المطران متاؤوس مقربًا من منليك قبل نحو عقد من إنشاء مدرسة منليك الثاني.
ويروي يوسف جرجس في مؤلفه المهم عن صلة الكنيسة المصرية بأباطرة إثيوبيا (بعد منليك الثاني مباشرة) قصة الصلة بينهما: «فلما توفي الملك يوحنا كاسا وتبوأ العرش الملك منليك ملك شوا رفض الأنبا بطرس أنْ يمسحه لأنَّه كان قد وعد نجل الملك يوحنا بمسحه، فطلب من الأنبا متاؤوس أسقف مملكة شوا أنْ يمسحه فمسحه، وقد أقرَّ المثلث الرحمات البطريرك الراحل (بطريرك الكنيسة المصرية) الأنبا متاؤوس على عمله ورقاه إلى رتبة المطرانية، ولما جاء إلى القطر المصري في سنة 1902 احتفل بتثبيته مطرانًا في 16 فبراير من تلك السنة. أما الأنبا بطرس فانضم إلى نجل الملك يوحنا كاسا، ولما وقعت الحرب كان الأنبا بطرس في جملة الأسرى، ولكنه ظل مكرَّمًا إلى أنْ مات. أما الأنبا متاؤوس فظلَّ المطران الوحيد للمملكة، وتوفي الأنبا لوكاس والأنبا مرقس، ثم أُرسل إلى مملكة قوجام أسقف آخر هو الأنبا يوأنس، ولكنه عاد إلى مصر بعد وفاة ملكها»([2]). وتكشف هذه الصلة الوطيدة عن جذور التأثير المصري (وتحديدًا الكنيسة المصرية) في تلك الفترة في مشروع النهضة الإثيوبي (رغم تصاعد الخلاف المصري - الإثيوبي في عهد منليك الثاني على خلفية أزمة دير السلطان في القدس، والتي راجعها بشكل مفصل أنتوني سوريال عبد السيد في كتابه المهم عن هذه الأزمة وموقف منليك الثاني منها). ([3])
وبناء على هذا التوجه، استحضر الأنبا متاؤوس، حنا صليب أفندي وستة من المعلمين الأقباط عام ١٩٠٧. وبعد عام من الجهد المتواصل افتتح 4 مدارس في 4 مدن إثيوبية لتدريس المواد المختلفة للمرحلتين الابتدائية والثانوية، وشملت تعليم اللغتين الإنجليزية والعربية والعلوم الإنسانية، ووصل العدد إلى 100 تلميذ. ولجهود حنا أفندي عيَّنه الإمبراطور مديرًا للمعارف بالحبشة ومستشار الإمبراطور في الشؤون التعليمية ومنحه الخديوي عباس حلمي البكوية تقديرًا لدوره.
استطاع حنا بك صليب تغيير التعليم في إثيوبيا، فتخرج على أيدي المدرسين المصريين معظم رجال الدولة من وزراء وسياسيين، وأخرج جيلًا جديدًا من المتعلمين لقيادة البلاد بفضل جهود الأقباط.
وقد ساهمت الكنيسة القبطية بشكل مباشر في جهود النهضة الإثيوبية التي سعى لتحقيقها الإمبراطور منليك الثاني، وحضر هذا الدور في البعثة التعليمية المصرية الأولى لإثيوبيا (1907) والتي حملت اسم «بعثة حنا صليب».
وجاء إرسال البعثة من جانب البطريركية المصرية بناء على طلب من الإمبراطور الإثيوبي، وكان يترأسها حنا صليب أفندي (الموظف بوزارة الداخلية وكان يحمل شهادة البكالوريا المصرية، ثم مُنح رتبة البكوية من الحكومة المصرية بفضل جهوده في البلاط الإثيوبي)، ورافقه في البعثة بنيامين ميخائيل، ويعقوب جبران، وإسكندر جرجس عبد الملك، ونسيم عطا الله، ولم يكن أيًّا منهم من حملة المؤهلات العليا، أو يعمل في سلك الكهنوت، غير أنَّ البعثة حقَّقت نجاحًا باهرًا في العمل بالمدارس التي أشرفت على إنشائها بهذا الخصوص، ومنها مدرسة «هرر» التي افتُتحت في 27 يونيو 1907، ثم مدرسة أديس أبابا (أكتوبر 1908)، والتي عرفت بـ«مدرسة منليك الثاني»، وتميَّزت بأنَّها مدرسة ابتدائية وثانوية معًا؛ والتحق بها أبناء الأسرة المالكة وكبار رجال الدولة.
ويرصد د. جوزيف رامز في كتابه عن الكنيسة القبطية وأفريقيا([4]) كيف أثَّرت هذه المدارس في الحياة الاجتماعية في هرر وأديس أبابا، وكيف أنَّ المصريين قد أثبتوا كفاءتهم هناك. وليس أدل على ذلك من اختيار البلاط الإثيوبي لحنا صليب مديرًا للتعليم في إثيوبيا، كما أنَّ مدرسة أديس أبابا قد تخرَّج فيها اثنان توليا عرش البلاد بعد ذلك، ومنهما الإمبراطور هيلا سيلاسي، فضلًا عن العديد من كبار رجال الدولة والسفراء. كما قاد نجاح التجربة التي قامت بها البعثة التعليمية المصرية إلى افتتاح مدارس أخرى على غرار مدرسة منليك الثاني في أنكوبر Ankober وديسي Dessie وغيرهما، وأصبح هناك طلب متزايد على المدرسين المصريين، لا سيما في تخصصات التاريخ والجغرافيا والحساب واللغة الفرنسية وغيرها.
لكن بسبب الظروف السياسية والصراعات الداخلية على السلطة في ذلك الوقت الذي تَزامَن مع نهاية فترة حكم منليك الثاني، أعقب ذلك توقف توسُّع أنشطة البعثة التعليمية المصرية وتناقص عدد المدرسين المصريين، لكن عادت العملية التعليمية تنتعش مع قدوم الراس تافاري (الإمبراطور هيلا سيلاسي) الذي اهتم بخريجي مدرستَي هرر وأديس أبابا، كما قرَّر تأسيس مدرسة فرنسية حملت اسمه (مدرسة تافاري مكونن) في أديس أبابا والتي اتسعت لنحو ألف طالب، فضلًا عن مدرسة هيلا سيلاسي للفنون، ومدارس نوعية أخرى تأثرت بشكل أو بآخر بتجربة البعثة التعليمية المصرية.
ومع رغبة هيلا سيلاسي في تطوير مدرسة منليك الثاني «مصرية الطابع» لجأ، حسب الدراسة الوثائقية المهمة لجوزيف رامز، إلى وزارة المعارف (بالحكومة المصرية)، وليس إلى البطريركية القبطية مباشرة (كما كانت الحال في السنوات السابقة) ومؤسساتها التعليمية والدينية في طلب المدرسين، أي أنه أراد إبعاد التعليم المدني الحديث في إثيوبيا عن الكنيسة إبعادًا تامًّا، وأن يكون تعليمًا علمانيًّا لا شبهة فيه، وتحت سيطرته الكاملة.
وحدث هذا التطور فيما ظلَّ التعليم الحكومي في إثيوبيا، من الأساس في مدرسة منليك الثاني التي تأسَّست في العام 1908 إلى جانب عدد من المدارس التي تدار من قبل مؤسسات الكنيسة، متأثرًا بالنظام التعليمي المصري ولم يبدأ في التغيير إلا مع بدء بعثة التعليم الأفريقي ومجلس التعليم الدولي International Education Board في العام 1924 برحلة في أرجاء إثيوبيا للتقصي عن المرافق التعليمية بها. وعبَّرت بعثة التعليم الإفريقي African Education Commission في تقريرها عن تقديرها لنظام التعليم في مدرسة منليك التي كانت تطبِّق في الغالب برنامج المدارس الحكومية المصرية([5]).
وتكشف الإشارات السابقة عن عمق التأثير المصري الواضح في مشروع النهضة التعليمية والثقافية في إثيوبيا في عهد منليك الثاني، وما تعلق بهذا العمق من ظروف غير مواتية أحيانًا؛ بسبب اضطرابات نهاية عهد منليك، وتعمق النزاع المصري الإثيوبي في قضايا خلافية أخرى، أسهمت على نحو مباشر في التأثير السلبي على تطور الصلة المصرية - الإثيوبية، وهي مسألة تحتاج زوايا أخرى لمقاربتها.
[1] Norberg, Viveca Halldin, Swedes in Haile Selassie's Ethiopia, 1924-1952 A study in early development cooperation, Scandinavian Institute of African Studies, Uppsala 1977, pp. 38-9
[2] يوسف جرجس: الرحلة البطريركية إلى الإمبراطورية الإثيوبية، المطبعة الأميرية بالقاهرة، القاهرة، 1930، ص ص 85-86.
[3] أنتوني سوريال عبد السيد: مشكلة دير السلطان بالقدس: دراسة وثائقية للصراع التاريخي بين الأقباط والإثيوبيين على الدير، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1991.
[4] جوزيف رامز أمين: دور الكنيسة القبطية في أفريقيا، دار ومكتبة الحرية، القاهرة، 2010، ص 389-
[5] Norberg, Viveca Halldin, Swedes in Haile Selassie's Ethiopia, 1924-1952 A study in early development cooperation, Scandinavian Institute of African Studies, Uppsala 1977, p. 68.