هوامش
راجي مهديشرق أوسط جديد
2026.03.21
شرق أوسط جديد
لا أحد يستطيع الجزم بمآلات الحرب الدائرة في الإقليم، مآلاتها فيما يخص إيران تحديدًا، إذ إنَّ الهزيمة أو النصر في الحالة الإيرانية حالتان شديدتا التعقيد، لأنَّ النظام الإيراني وهو يواجه بصمود عدوانًا إمبرياليًّا وحشيًّا، يواجه تحديًا داخليًّا عميقًا تُعمِّقه الحرب واستنزافها للمقدرات الإيرانية. غير أنَّ مآلات الحرب على الإقليم كله وما ستقود إليه في نهاية المطاف تفتح على احتمالات عديدة في ظل صفرية الصراع القائم.
إنَّ صورة النصر التي أرادتها الإمبريالية لم تكن تقل عن سحق الإقليم وحرثه بالكامل لصالح سيادة إسرائيلية مطلقة، وحتى تلك اللحظة التي تُكتب فيها هذه الكلمات يبدو أنَّ النصر الإمبريالي المنشود ما زال بعيدًا.
فشلت إسرائيل والولايات المتحدة حتى الآن في إخماد المقاومة الإيرانية؛ الصواريخ والمسيَّرات ما زالت تسقط بكثافة في الأرض المحتلة وبلدان الخليج، مسببةً خرابًا واسعًا في البُنى التحتية والأنشطة التجارية والسياحية، لم تكن أطراف العدوان تعتقد أنَّ بإمكان إيران توسيع بؤرة الدمار بهذا الحجم والاستمرارية، أغلب الظن أنَّ الإمبريالية وكلب صيدها حين خرجا لدق المسمار الأخير في نعش المشروع الإيراني كانا يعتقدان بقدرتهما على تحقيق احتواء سريع وحاسم للقدرات الإيرانية بما يدفع إيران للاستسلام الفوري. هذا السيناريو لم يتحقَّق ولا أحد يدري تحديدًا إلى أي مدى سوف تستطيع إيران الصمود والاستمرار في تبادل الضربات مع المعتدين، كما ليس معلومًا تمامًا إلى أي مدى سوف يتحمَّل الداخل الإسرائيلي الهجوم الإيراني المضاد.
في حالة نضوب القدرة الإيرانية، فإنَّ الإمبريالية سوف تفرض شروطًا قاسية قد تصل حد تقسيم إيران بما يضمن شبه استحالة وجودها كدولة ذات تأثير في محيطها. أما إذا استطاعت إيران تمديد الحرب وتوسيعها باستخدام أدوات لا تزال في جعبتها، وأهمها انخراط الحوثيين لاستهداف الملاحة في «باب المندب» والهجوم على الخليج ومنصات النفط فيه، فيما تتكفل إيران بالتعامل مع الإسرائيليين، أي إذا استطاعت إيران تغيير ميزان القوى عبر زيادة كلفة الحرب على إسرائيل بما يجبرها ويجبر الولايات المتحدة على وقف إطلاق النار في نقطة تعادل، لا غالب ولا مغلوب عسكريًّا، فإنَّ وجه الإقليم كله سوف يشهد تبدلات في غير المسار الذي يبدو منطلقًا الآن.
إنَّ معنى الفشل الإسرائيلي الأمريكي في تحييد إيران نهائيًّا كدولة مارقة بعد أنْ مزَّقت الوجود العسكري الإمبريالي في غرب آسيا، وفرضت واقعًا جديدًا في مضيق هرمز، لا يعني هذا سوى ترك الدول الخليجية معلقة في فراغ التساؤل حول توازنات جديدة للتعايش مع خطر إيراني، فشل الوجود العسكري الأمريكي النشط في لجمه، ليس هذا بالأمر الهين. العجز الأمريكي الحالي في تقليص خطر الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة واللوجيستيات في بلدان الخليج واستباحة القواعد الأمريكية نفسها وضرب ناقلات النفط في الخليج العربي، إنما يعني أنَّ توازنات جديدة صارت مطلوبة، توازنات مع الإمبريالية الأمريكية من جهة، ومع إيران من جهة. إذ إنَّ إعادة إعمار القواعد الأمريكية وتجهيزها فقد مبرِّر وجوده الجيوسياسي؛ لأنَّه لم يقدِّم إجابة عن الأسئلة التي طرحتها إيران عبر الحرب.
إنَّ عدم سقوط النظام الإيراني بعد انتهاء القتال يحمل تبعات شديدة القسوة على بلدان الخليج، وهو ما يفسر ويؤكد الأنباء المتواترة عن إلحاح خليجي على الإمبريالية الأمريكية لحسم مسألة إيران نهائيًّا؛ لأنَّ بقاء النظام الآن يترك الباب مفتوحًا أمام تكرار ما حدث إنْ عادت إسرائيل لشنِّ حرب على إيران التي لو أنَّها خرجت من تلك الحرب دون تغيير عميق في التوجه السياسي فإنَّها ستسعى لترميم ما فقدته في الأعوام الثلاث الماضية، وهو الترميم الذي سيعود ليعمِّق التناقض مع مشروع الهيمنة الإمبريالية الصهيونية على الإقليم بما يفتح الباب لجولات حربية جديدة تحمل في طياتها تهديدات جديدة لاستقرار الخليج.
إنْ توقَّف الهجوم على إيران قبل إسقاط النظام، فإنَّ الولايات المتحدة ومشهد قواعدها المقصوفة يوميًّا سيبقى شاهدًا على حجم التضعضع في نفوذها العسكري في الإقليم، هذا المشهد لا يمكن أنْ يقل ثمنه عن إسقاط النظام والتشكيلات الحليفة في لبنان والعراق واليمن، لذا فإننا لا نتفق مع الرأي القائل إنَّ الإمبريالية الأمريكية تبحث عن مَخرَج من الحرب، إننا نعتقد أنَّها تبحث في كيفية دفع إيران للاستسلام، وليس سعيها لخلق جبهة أو تحالف دولي لفتح مضيق هرمز والضغط على أوروبا التابعة لدخول الحرب، وبالتوازي محاولة دفع ميليشيا أبو محمد الجولاني للتدخل والعمل ضد «حزب الله» في لبنان، ليس هذا كله إلا تعبيرًا عن رغبة في حسم الأمور، سريعًا، كما أنه مؤشر على حرج الموقف بالفعل.
من الضروري الحذر من أمور عدة، أولها المبالغة في قدرات إيران العسكرية، وقدرات خصومها على التعامل مع تلك القدرات، كما أنَّ تطور الحرب نسبي، بمعنى أنَّ الأمور قابلة للتبدُّل على المستوى العسكري بسرعة، الثابت الرئيسي هو أنَّ التفوق الجوي محسوم لمعسكر العدو، غير أنَّ قدرة إيران على الصمود لا تتوقف على السيادة الجوية لأعدائها، خاصة في ظلِّ مرونة شديدة في المنظمة الصاروخية والدور المحوري الذي تلعبه المسيّرات في الهجمات على الخليج والملاحة في باب المندب.
إذن، في المنظور الاستراتيجي تلك حرب سيتغيَّر بعدها شكل الشرق الأوسط، سواء سقط النظام الإيراني أو لم يسقط. لكن لنبحث في السيناريوهات المطروحة بمنظور أوسع من الوضع الإيراني، لدينا «حزب الله» الذي يعمل بنشاط واضح في مواجهة عدوان إسرائيلي مستمر يستهدف لبنان. تسعى إسرائيل للقضاء على الحزب، والحديث يدور عن احتمالية اجتياح بري ضخم هدفه المعلن هو الوصول لنهر الليطاني لكن هدفه الحقيقي هو دفع «حزب الله» للانكفاء إلى الداخل بكل تناقضاته وبكل القوى التي تنتظره لتنحره. استعاد الحزب جزءًا كبيرًا من قدراته على ما يبدو، وعلى ما يبدو أنه ذاهب لمواجهة حتى النهاية لا تتشابه بأي حال مع ما جرى في حرب عام ٢٠٠٦.
الوضع الداخلي الآن يتهيأ لحرب أهلية مع احتمال تدخل من «سوريا الجولاني» للإطباق على الحزب. إذا لم تندلع حرب أهلية لبنانية فإنَّ الحزب ليس مستعدًّا بأي حال للقبول بالحالة التي فرضها اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر ٢٠٢٤، وقد رمى بكل ثقله في المعركة الحالية منذ اليوم الأول.
إنَّ انتصاره في تلك الحرب، الانتصار بمعنى الاستمرار في المواجهة مع تكبيد الصهيونية خسائر ثقيلة، هو سبيله الوحيد لتعديل نسبي في ميزان القوى الداخلي المختل؛ حيث الدولة اللبنانية خاضعة بالكامل للشروط الإمبريالية الصهيونية والضغوط العربية، وتسعى لتجاوز الحزب بالذهاب مباشرة للتفاوض مع الجانب الإسرائيلي الذي لم يتنازل عن مطلب نزع سلاح الحزب، وهو تحريض مباشر للدولة على «حزب الله» ومحاولة لزج الجيش اللبناني في آتون معركة إنْ فتحها ستكون فاتحة حرب أهلية، وهي لن تكون بأي حال شبيهة بالحرب الأهلية اللبنانية عام ١٩٧٥التي ارتسمت فيها المعسكرات على أسس وطنية ديمقراطية. إنَّ الحرب الأهلية اللبنانية إنْ قامت تلك المرة فسيكون حاملها طائفيًّا شكلًا ومضمونًا، ستكون حربًا على الشيعة باعتبارهم قوام «حزب الله» وبيئة عمله، حربًا سيكون طرفها الآخر هو المارونية السياسية كحامل تاريخي لفكرة إلحاق لبنان بإسرائيل.
إنَّ فشل الحزب في إجبار إسرائيل على وقف العدوان والانسحاب لا يعني إلا شيئًا واحدًا ليس سوى نهايته. إنَّ طول أمد هذه الحرب ليس في مصلحة الحزب في الحقيقة، إنه في سباق ضد الزمن قبل أنْ تأتيه الرصاصة من الخلف، من ألف خلف. وهنا التناقض، أنَّ رهان إيران هو تمديد أمد الحرب وزيادة الكلفة على الإمبرياليين، أما في لبنان فكل يوم جديد في عمر الحرب يعني شحذ المزيد من النصال المتربصة بالحزب والجاهزة لتنفيذ دورها في تصفيته.
إنَّ دولة الطوائف اللبنانية وهي تهرول نحو التفاوض إنما هي مستعدة لتقديم كل ما يثبت جدارتها، وليس قرار حظر الذراع العسكرية لـ«حزب الله» قانونيًّا مجرد قرار إنشائي، بل هو تمهيد لما سيتبع، فالدولة التي يقرعها الإسرائيليون بأنها غير جديرة بالتفاوض معهم وأنها عاجزة وغير جادة في الخلاص من «حزب الله» لن تتأخر كثيرًا قبل أنْ تنزل إلى الساحة بما لديها من جيش رسمي ومن ميليشيا لا يخفى سر إعادة تسلحها على أحد.
تلك حالة سيولة غير مسبوقة في تاريخ المنطقة، وما سيليها غير مسبوق أيضًا. إنها حالة لم تكتمل بعد ملامحها، ولم تكتمل كل عناصر السيولة الممكنة فيها، وليس هناك من شك في أنَّ بنى قديمة زالت أو في طريقها للزوال، وبنى جديدة مختلفة ستتشكَّل.
إنَّ الشرق الذي عرفناه قد انتهى، وبانتظار أنْ نرى الشرق الجديد المولود من رحم الدم والعدوان.