عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

دراسات

زكريا صادق الرفاعي

الشعبوية.. وتاريخ مصر الحديث والمعاصر

2026.03.21

الشعبوية.. وتاريخ مصر الحديث والمعاصر

 

يعدُّ مصطلح «الشعبوية (populism)» من المصطلحات الجديدة على معاجم اللغة العربية [1]، كما لا يوجد تعريفٌ بعينه للمصطلح المنبث في تضاعيف حقول معرفية متباينة، لعل في مقدمتها علمي التاريخ والاجتماع، ومن ثم فإنَّ الشعبوية استُخدمت في سياقات مختلفة، حتى إنَّ البعض أوضح أنَّ الأدق هو الحديث عن شعبويات كثيرة وليست شعبوية واحدة، ومن بين التعريفات الإجرائية المتداولة للمصطلح أنَّها تعني «السياسة المعادية للمؤسسة والنخبة الثقافية»، ونظر إليها البعض على أنها «أيديولوجيا أو فلسفة سياسية وثقافية أو نوع من الخطاب السياسي، يطرح ما تريده الجماهير أو ما تحلم به لكسب تأييدها ودعمها، وهي استراتيجية سياسية وأسلوب خادع لتسويق برامج سياسية بعينها».

 والشعبوية بالأساس هي نمط تعبئة واحتجاج ضد المعاناة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما نظرت الشعبوية لنفسها دومًا على أنَّها التجسيد الأقوى للروح الوطنية الأصيلة، ولعل عدم الاتفاق على صياغة مفهوم واحد للمصطلح قد أضفى عليها بعض الدلالات السلبية، لا سيما في المجالين السياسي والإعلامي، فصارت مرادفةً في أحيان كثيرة لـ«الديماجوجية» و«الفاشية» [2].

وتاريخيًّا، فإنَّ الشعبوية ظاهرة قديمة في التاريخ. وفي العصر الحديث وُلدت فكرة الشعبوية من حركة سياسية في روسيا قادها ثلة من المثقفين «Narodniki» وكانت مناهضةً بالأساس للقيصر الروسي منذ عام 1870، وجابت أنحاء الريف؛ للتنديد بعنف الرأسمالية الوليدة ونزوعها لتدمير الفلاحين بصورة مُنظَّمة لا هوادة فيها.

وظهرت الشعبوية في الولايات المتحدة من خلال تأسيس حزب الشعب الأمريكي في عام 1890 بواسطة صغار الفلاحين، كما انتشرت في أمريكا اللاتينية وكان بيرون (1895-1974) من أكثر الوجوه تعبيرًا عنها. وفي العالم العربي تجلَّت ملامح الشعبوية بوضوح خلال حكم وسياسات بعض الزعماء مثل جمال عبد الناصر، وأحمد بن بلة في الجزائر، ومعمر القذافي في ليبيا.

ورأى البعض أنَّ الشعبوية لا تتضمَّن أيديولوجيا متماسكة وواضحة على غرار الليبرالية والاشتراكية، وإنما هي في نهاية المطاف أداة من أدوات الصراع على السلطة، تزداد قوتها بالعقل الجمعي والقائد الكاريزمي الذي يتجاوز بشخصه المؤسسات القائمة ليصبح هو المرجعية الحاكمة، إضافة إلى اللغة البسيطة المباشرة التي جعلت خطابها أكثر التصاقًا بهموم البسطاء وتطلعاتهم، ولعل من بين القسمات المصاحبة للشعبوية تنامي النزعة القومية، وظهورها في المجتمعات التي دخلت ما يسمى «العجز الوظيفي» لأسباب مختلفة، منها انخراطها في عملية تحديث لم يُقدَّر لها الاستمرار والنجاح على الصعيدَين السياسي والاجتماعي، وذلك أدى بدوره إلى ما وجود أسماه البعض «الافتراق الثقافي» بين الطبقات الاجتماعية، فظلَّت بعض الفئات والشرائح الاجتماعية في أسر النمط التقليدي لما قبل الحداثة، بينما لاذ آخرون بركب التغريب وتوابعه، كما تجد الشعبوية لنفسها أيضًا مرتعًا خصبًا في المجتمعات التي عانت من مرارة الإرث الاستعماري، واتسم الخطاب الشعبوي في الأغلب الأعم بالتبسيط والسجال والتحريض [3].

وشهدت مصر نموًّا مطردًا للاتجاه الشعبوي وخطابه التحريضي ضد السلطة، وكان الرائد لهذا التوجه بلا منازع هو جمال الدين الأسد آبادي الملقب بالأفغاني (1838-1897) [4]، ولا نعرف حتى الآن على وجه اليقين الدوافع التي حدت برياض باشا (1834-1911) لاستقدام الأفغاني إلى مصر والإنفاق عليه طوال إقامته التي شارفت على التسع سنوات، وقد التفَّ حوله كثيرين، منهم أديب إسحق، وسليم عنحوري، وسليم النقاش، وسعيد البستاني، إضافة إلى إبراهيم المويلحي وأخيه عبد السلام المويلحي، وسعد زغلول. وقد انضم الأفغاني رسميًّا لمحفل كوكب الشرق عام 1876، كما ذكر أنَّه أنشأ محفلًا وطنيًّا ضمَّ نحو 300 عضو من صفوة المجتمع، وكان عبد الله النديم (1842-1896) بأصوله الاجتماعية ومواهبه في اللغة والخطابة هو الوجه المعبِّر عن الشعبوية السياسية والاجتماعية آنذاك.

 كما نشطت آنذاك الجمعيات والتنظيمات السرية والعلنية التي ارتبط بعضها بالماسونية، وكان لبعض الجاليات الأجنبية حضورٌ ملموسٌ في هذا الشأن، خاصة الجالية الإيطالية [5]، وكان مثيرًا للانتباه آنذاك وجود خليط عجيب من المصريين والشوام وبعض من أثرياء العائلات اليهودية بمصر في تلك التنظيمات، وارتفعت شعارات «مصر للمصريين»، وتعالت الدعوة للحرية وإنصاف الشعب المصري، من جانب كل الأطراف، وبدا طريفًا وغريبًا معًا انتشار تلك الشعارات في العديد من المحافل والمنتديات باللغة الفرنسية في مجتمع أطبقت عليه الأمية من كل جانب [6].

وقد نوه برودلي بتغلغل الماسونية في معظم الوظائف الحكومية العليا، وأشار إلى العديد من الرسائل التي وردت إليه دون توقيع، وحملت أخبارًا دقيقه عمَّا دار في القصر بين الخديوي والحكومة [7].

وكانت ثورة عرابي ومضةً سريعةً سرعان ما خبت ولم يُقدَّر لها النجاح، وأعقبها الاحتلال البريطاني بقيوده وسياساته المجحفة تجاه المصريين، وما لبث أن عاد الاتجاه الشعبوي مجددًا في شخص مصطفى كامل (1874-1908) من خلال خطبه ومقالاته داخل وخارج مصر بالتحالف مع الخديوي، وقد أشار البعض إلى وجود جمعية سرية بين صفوف الضباط المصريين المتذمرين من سياسات الاحتلال في أعقاب حادثة الحدود في عام 1894 وكانت تلك الجمعية موالية للخديوي، وكان الوسيط بينهما هو أحمد شفيق، وهو رجل الخديوي ومحط ثقته وأحيطت تقاريرها بطابع السرية واستُخدمت فيها الشيفرة بين سطور الصحف، والغريب أن طريقة الشيفرة ذاتها قد طُبِّقت لاحقًا في المراسلات السرية بين سعد زغلول وعبد الرحمن فهمي [8].

وبطبيعة الحال، فإنَّ الشعبوية اعتمدت دومًا على فكرة «الزعيم الأوحد» الذي يتجاوز برؤيته «الملهمة» جميع المؤسسات وجميع الأشخاص، وعند غيابه أو وفاته يأتي الانقسام والصراع [9]، وهذا ما تمَّ غداة وفاة مصطفى كامل، فكان الانقسام الحاد بين قيادات الحزب الوطني، خاصة بين علي فهمي ومحمد فريد [10].

وقد يتساءل البعض عن عدم تواصل الإمام محمد عبده مع الحركة الوطنية في مصر آنذاك، لا سيما أنَّ موقف إنجلترا في بداية الاحتلال كان حرجًا على الأقل أمام الرأي العام الدولي، والحقيقة أنَّ الإمام لم تكن له ثقة كبيرة بالاتجاه الشعبوي وجهود مصطفى كامل الذي وصفه الإمام بأنه «شاب متهور»، وأنَّ مقالاته «مجموعة من نوبات عصبية بعضها شديد وبعضها خفيف»، ومن جهتها فإنَّ صحف الحزب الوطني بدورها كثيرًا ما اتهمت الإمام بممالأة سلطات الاحتلال، ولعل الإمام بحكم تجربته وإدراكه لأحوال المجتمع المصري انصرف في مشروعه الفكري عن السياسة وتوابعها، واتجه إلى التربية والتعليم لإحداث التغيير المنشود بثبات وتدرج.

  ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى تنبه أحمد لطفي السيد، منذ وقت مبكر، إلى أنَّ تاريخ مصر خلال تلك الحقبة وربما ما تلاها ما هو إلا أحد الفصول المُتكرِّرة للشعبوية بتجلياتها السياسية والاجتماعية، وأنَّه رغم شكواه فقد تعصَّب لطبقته الاجتماعية في نهاية المطاف، فكتب قائلًا: «كانت حركة الاستقلال مركزها في بيئة الرجال المفكِّرين أولي الرأي في البلاد، ثم تنبعث أشعتها إلى العامة فأصبحنا والأمر معكوس، وأهل الرأي الذين هم في بلادنا وفي غير بلادنا القادة الطبيعيون للرأي العام ينزوون من ميدان العمل.. والأدهى من ذلك أنَّ بعض أولي الرأي قد خشي سخط الغوغاء فانخرط في سلكهم.. على أننا لو نفينا عن حركة الاستقلال تلك الشهوة المخجلة، شهوة التعصُّب للأشخاص أصابوا أم أخطأوا لما وجدنا إلا عقيدة واحدة يدين بها المصريون على السواء وهي الاستقلال.. ولوجدنا أيضًا أنَّ وسيلتنا إلى هذا الغرض محل اتفاق بين الجميع أيضًا، فقد وقع إجماع الأمة على أنَّ الوسيلة الوحيدة الممكنة لبلوغ استقلالنا هي وسيلة الاتفاق بيننا وبين بريطانيا العظمى على أن تلغي حمايتها الباطلة وتعترف باستقلالنا وتخلي بلادنا من احتلالها الفعلي.. وفي مقابل ذلك نُقدِّم لها من جانبنا ضمانات على مصالحها لا تكون ماسة باستقلالنا.. لا يعرف في مصر مَن يقول بوسيلة غير هذه الوسيلة». [11]

ومن وجهة نظر حزب «الأمة» ومنظر الحزب لطفي السيد فإنَّ «الأمة لا تتكون من أفراد، بل من عائلات والأعيان هم رؤساء الأمة الطبيعيون لأنهم رؤساء العائلات»، وحزب «الأمة» هو حزب الأعيان [12]، وإذا كان لطفي السيد محقًّا في حديثه عمَّا أسماه بشهوة التعصُّب وتواري دور زعماء الرأي والفكر، إلا أنَّه لم يكن محقًّا في احتكار إجماع الأمة على الصعيد السياسي، فقد يرى البعض وسائل أخرى غير التفاوض لطرد الاحتلال البريطاني من مصر، ومن ثم فإنَّ الشعبوية لم تكن قاصرةً على الطبقات والشرائح الدنيا كما قد يظنُّ البعض، بل سادت أيضًا لدى قطاع كبير من كبار ملاك الأراضي الذين اعتبروا أنهم وحدهم المؤهلون لممارسة العمل السياسي، خاصة أنَّ اغتيال بطرس غالي أثَّر كثيرًا على نشاط وقيادات الحزب الوطني الذين تم نفيهم، فصارت لهم قيادة الاتجاه القومي آنذاك [13].

 

عبد الرحمن فهمي

منذ قيام ثورة عام 1919 تردَّد اسم عبد الرحمن فهمي بين الجميع سرًّا وعلنًا، كما استحوذت سيرته وأعماله، رغم ما شابهما من غموض، على خيال وعقول الجميع، وفي الأغلب الأعم لا يتم التطرُّق إلى الثورة بصورة أو بأخرى دون الإشارة إليه، بل دائمًا ما اقترن اسمه في مختلف الأدبيات التاريخية باسم زعيم الثورة الأول سعد زغلول، وهكذا صار «عبد الرحمن فهمي بك» علمًا مبرزًا من أعلام ثورة عام 1919 وبلغت شهرته الآفاق وصار ملء السمع والبصر، ولم يكتفِ البعض في شهادته بالإشادة بدوره ومهارته في قيادة ما عرف بالتنظيم أو الجهاز السري للثورة فحسب، بل اعتبره القائد والمحرك الحقيقي للثورة دون منازع [14].

وكانت إحدى المآثر المحمودة لمركز تاريخ مصر المعاصر تحقيق وإصدار ما عُرفت بـ«مذكرات عبد الرحمن فهمي» تباعًا على مدار سنوات عدة، وكان مثيرًا للانتباه أنَّ العنوان الرئيسي للمذكرات حمل معه عنوانًا فرعيًّا آخر هو «يوميات مصر السياسية»، وهو أمر يبعث على الحيرة والدهشة معًا[15].

وربما كانت تلك المذكرات هي الأضخم في تاريخ مصر المعاصر، وقد صدرت في سبعة مجلدات، وبطبيعة الحال فإنَّ القارئ كان يحدوه الأمل أنْ يعثرَ فيها على ضالته، من مادة تاريخية ثرية تميط اللثام عن دور صاحبها خلال الثورة وأحداثها، لا سيما كيفية توجيه وإدارة التنظيم السري، لكن سرعان ما يصاب المرء بخيبة أمل كبيرة، خاصة أنَّ التساؤلات والقضايا الرئيسية التي طرحت نفسها على الباحثين من قبل، ظلت كما هي دون إجابات أو تفسيرات واضحة، وليصبح صاحب المذكرات هو الغائب الحاضر معًا، وعلى حدِّ قول البعض فإنَّ مذكرات زعيم التنظيم السري خلافًا لما هو متوقع، قد خلت من أية إشارة لدور التنظيم وطبيعة عمله.

ولعل ما تبعث على الدهشة هي الطبيعة الخاصة التي لا تخطئها عين تجاه ما سُميت «مذكرات عبد الرحمن فهمي.. يوميات مصر السياسية»، فهي على تضخمها ليست سوى حافظة أوراق سياسية خاصة بالوفد وما صدر عنه وما تعلق به خلال الفترة من عام 1918 إلى وفاة سعد زغلول في عام 1927، مشتملة على الكثير من المراسلات والتقارير، كما تضمَّنت قدرًا كبيرًا من البلاغات الرسمية إبان الثورة من مختلف أرجاء البلاد، كما احتوت أيضًا على المراسيم والتقارير الرسمية الصادرة عن الحكومة المصرية والسلطات البريطانية والتي ورد معظمها في صحف تلك الفترة.

ومنذ وقت مبكر وصف الدكتور محمد أنيس تلك المذكرات بأنها «في الواقع مجرد سجل للبيانات الرسمية والوفدية الخاصة بأحداث الثورة حتى عام 1926، أي حتى انتهاء العلاقة بين عبد الرحمن فهمي وسعد زغلول»  [16]، ولعل ذلك المحتوى رغم أهميته التاريخية، هو ما دعا الدكتور يونان لبيب رزق إلى التوقُّف عند توصيف تلك الأوراق بمذكرات سياسية، معتبرًا أنَّ وصفها بذلك فيه تجاوز كبير للحقيقة التاريخية، وافتئات على التوصيف العلمي المتعارف عليه للمذكرات، التي يفترض أنْ تبرز في نهاية المطاف معالم التجربة الذاتية لصاحبها ومواقفه بوضوح تجاه ما ذكره من وقائع وأحداث.

وأكد الدكتور عبد العظيم رمضان بدوره على المعنى السابق في مقدمته للجزء الثاني من المذكرات بقوله: «لا يجب على القارئ أنْ يتوقَّع قراءة مذكرات من أمثال مذكرات محمد فريد أو سعد زغلول تدور حول صاحبها، ويلعب كاتبها فيها الدور الرئيسي بمشاهداته ومقابلاته وأعماله السياسية، وإنما هي مذكرات ترصد كفاح الشعب المصري...» [17].

وإمعانًا في الغموض الذي اكتنف العديد من مراحل ومحطات حياة عبد الرحمن فهمي، لم تتطرَّق مذكراته إلى قضايا بدهية مثل كيفية تعارفه على سعد زغلول، وسبل التفاهم بينهما على آلية العمل وإدارة اللجنة المركزية للوفد داخل وخارج مصر، بل إنَّ فهمي لم يذكر سوى أنَّه عقب تشكيل الوفد المصري، أراد أنْ يكون له دور وطني دون مزيد من التوضيح، ومن خلال التقارير السرية المتبادلة بين سعد زغلول وعبد الرحمن فهمي، لا يسع المرء إلا أنْ يدرك بوضوح أنَّ العلاقة بين الطرفين ليست وليدة ظروف الثورة فحسب، بل إنَّ الثقة المتبادلة بينهما لا يمكن أنْ تتولد إلا من خلال معرفة وطيدة تراكمت عبر الزمن، ولم يكن سعد زغلول ليغامر بوضع الوفد ومستقبله في يد عبد الرحمن فهمي ما لم يكن على يقين تام بقدرات وولاء الأخير له، ومن جهة أخرى كانت تكليفات سعد زغلول المستمرة إبان وجوده بباريس لعبد الرحمن فهمي بالقاهرة تنوء بها الرجال، فهو يطلب باستمرار الوقوف تفصيلًا على أحوال مصر السياسية والاجتماعية، وموقف خصوم الوفد ورصد حركاتهم وسكناتهم، وماذا تقوله الصحف العربية وغيرها. بعبارة موجزة كان الوفد في باريس بحاجة إلى الوقوف على كل صغيرة وكبيرة في مصر، فكيف يكلف سعد زغلول عبد الرحمن فهمي بكل تلك الأعباء الجسيمة دون معرفة وطيدة وثقة قوية؟! ورغم الخصومة اللاحقة بين الطرفين فإَّن فهمي لم ينشر المراسلات الخاصة بينهما كاملة في مذكراته، وإنما ساق أجزاء منها تحت عنوان «من أخبار الوفد المصري في أوربا»، مما أضفى المزيد من الغموض على الرجل ودوره، بل إنَّ المرء ليتساءل في حيرة عمَّا إذا كان عبد الرحمن فهمي ترك أوراقًا أخرى ربما لا نعلم عنها شيئًا.

وربما ساهم في ندرة المعلومات عن عبد الرحمن فهمي أنَّه على ما يبدو لم يحظَ باهتمام كُتَّاب التراجم المعاصرين له، فعلى كثرة الترجمات الواردة في عمل زكي فهمي «صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر»، ليست هناك إشارة لعبد الرحمن فهمي، والأمر نفسه في ترجمات عبد العزيز البشري (1866-1943)، «في المرآة»، وحتى السفر الضخم لصبري أبو المجد، «سنوات ما قبل الثورة» والذي أوضح فيه جوانب مجهولة من أحداث ثورة عام 1919، لم يعرض شيئًا عن عبد الرحمن فهمي، وهو أمر يدعو للغرابة لأنَّ دور الرجل لم يكن مجهولًا.

وختامًا فلعل الشعبوية باتجاهاتها المختلفة مدخل لفهم الكثير من القضايا والظواهر في تاريخ مصر المعاصر.



[1] رأى البعض أنَّ الشعبوية وان كانت جديدة على ثقافتنا الحديثة فإنَّ وسائلها وأدواتها قد استُخدمت في تراثنا منذ وقت طويل مثل الصراع على الخلافة، فتم اللجوء إلى الأسلوب الشعبوي لاستثارة عواطف الناس، وتكرَّر الأمر وأُعيد إنتاجه في مناسبات مختلفة، راجع، سمير قطامي، الشعبوية إلى أين، مجلة أفكار، العدد 339، وزارة الثقافة الأردنية، ص، 27-28، 2017.

[2] أبو بكر عبد الرازق، الديمقراطية الليبرالية بين النخبوية والشعبوية، سياسات عربية، العدد (26)، مايو، 2017، ص 69-70.

[3] برتران بادي، دومينيك فيدال، أوضاع العالم 2019، عودة الشعبويات، ترجمة، نصير مروة، الطبعة الأولى، مؤسسة الفكر الغربي، بيروت، ص، 9- 10، 2019.

[4] وقد أشار البعض إلى أن الأفغاني سعى مع محمد عبده لاغتيال الخديوي إسماعيل، ولكن تم التراجع لاحقًا، راجع، علي شلش، جمال الدين الأفغاني بين دارسيه، دار الشروق، 1987، ص، 161.

[5] أشارت المصادر إلى نشاط محمد عبده مع أستاذه الأفغاني في المحافل الماسونية، وكانت المرة الأولى التي جاء فيها الأفغاني إلى مصر في أوائل عام 1870، ولم يمكث بها سوى أربعين يومًا في طريقه للأستانة، ثم كانت عودته إلى مصر مجددًا في 22 مارس في عام 1871 وظلَّ بها تسع سنوات حتى تم طرده في عام 1879، راجع، سيد هادي خسرو شاهي، الآثار الكاملة، ج 6، الطبعة الأولى، مكتبة الشروق الدولية، 2002، ص 34، وأيضًا عبد المنعم شميس، سفير الله جمال الدين الأفغاني، القاهرة، 1969، ص 26، 28.

[6] أشارت المصادر إلى نشاط محمد عبده مع أستاذه الأفغاني في المحافل الماسونية، وكانت المرة الأولى التي جاء فيها الأفغاني إلى مصر في أوائل عام 1870، ولم يمكث بها سوى أربعين يومًا في طريقه للأستانة، ثم كانت عودته إلى مصر مجددًا في 22 مارس في عام 1871 وظلَّ بها تسع سنوات حتى تم طرده في عام 1879، راجع، سيد هادي خسرو شاهي، الآثار الكاملة، ج 6، الطبعة الأولى، مكتبة الشروق الدولية، 2002، ص 34، وأيضًا عبد المنعم شميس، سفير الله جمال الدين الأفغاني، القاهرة، 1969، ص 26، 28.

[7] بردولي، كيف دافعنا عن عرابي وصحبه، ترجمة عبد الحميد سليم، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1987، ص، 232.

[8] عبد العزيز رفاعي، أحمد شفيق المؤرخ، حياته وآثاره، الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1964، ص 31.

كان المسؤول عن الشيفرة السرية للمراسلات السرية بين سعد زغلول وعبد الرحمن فهمي الدكتور أحمد ماهر، فكانت تتم الكتابة بالحبر السري بين سطور المجلات، وتتم قراءتها من خلال تمرير مكواة ساخنة على الورق، راجع، مصطفى أمين، الكتاب الممنوع، ج1، مؤسسة أخبار اليوم، 1991، ص، 32-33.

[9] Manochehr Dorraj, Populism and Corporatism in The Middle East and North Africa: a comparative Analysis,Chin.Polit.Sci.Rev.2017

[10] صبري أبو المجد، محمد فريد، ذكريات ومذكرات، كتاب الهلال، 1969، ص، 12، وكانت هناك لجنة سرية تدير الحزب الوطني إلى جانب اللجنة الإدارية المنتخبة من الجمعية العمومية للأعضاء، وبالتالي فإنَّ وجود لجان سرية كان أمرًا شائعًا في أوساط الأحزاب والتنظيمات السياسية المختلفة، ولم تكن الماسونية بعيدةً عن تنظيمات وأحزاب تلك الفترة، وكانت الجمعية التي انضم إليها إبراهيم الورداني الذي قام باغتيال بطرس غالي تعرف باسم «التضامن الأخوي»، نفسه، ص، 13-14.

[11] وقد أشار العقاد إلى محاولة تكوين «الحزب المستقل الحر» التابع للسلطات البريطانية للتفاوض مع لجنة ملنر، راجع، سعد زغلول، سيرة وتحية، مطبعة حجازي بالقاهرة، 1936، ص، 288، وللمزيد عن حزب «الأمة» راجع، أحمد زكريا الشلق، حزب الأمة ودوره في السياسة المصرية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2007.

[12] أحمد بهاء الدين، أيام لها تاريخ، الطبعة الثالثة، دار الشروق، 1991، ص، 111.

[13] Ziad Fahmy, POPULARIZING EGYPTIAN NATIONALISM: COLLOQUIAL CULTURE AND MEDIA CAPITALISM, 1870-1919, The University of Arizona.2007.p.246

وعلى صعيد آخر لم يكن محمد فريد والحزب الوطني يثقون في رجالات ثورة 1919 ومع ذلك أرسل محمد فريد برقية تأييد للوفد في باريس في 20 أبريل 1919، راجع، الرافعي، ثورة 1919، تاريخ مصر القومي 1914-1921، مكتبة الأسرة، 1999، ص 69.

[14] صلاح عيسى، شخصيات لها العجب، ذكريات وتراجم ودراسات ووثائق، نهضة مصر ،2010 ص،19.

[15] تبدأ المذكرات من 13 نوفمبر عام 1919 إلى 23 أغسطس في عام 1927 ما عدا السنوات التي قضاها عبد الرحمن فهمي بالسجن من عام 1920 إلى عام 1924، ونُشر جانب منها بمجلة «الدنيا» المصورة في 7 يناير عام 1931 بعنوان «صفحات مطوية من أيام الجهاد»، كما نُشرت مقالات عدة بين مارس ومايو بمجلتَي «كل شيء» و«الدنيا» بعنوان مذكرات عبد الرحمن فهمي بك والوظائف الحكومية.

[16] محمد أنيس، المراسلات السرية بين سعد زغلول وعبد الرحمن فهمي، دراسات في وثائق ثورة 1919، دار الشروق، 2019، هامش (2)، ص، 31.

[17] مذكرات عبد الرحمن فهمي، يوميات مصر السياسية، إشراف يونان لبيب رزق، ج2- الهيئة العامة للكتاب، 1993 – ص 4-5، ولعل أقرب ما كتب في تلك الفترة على الشاكلة نفسها كتابات عبد الرحمن الرافعي عن ثورة 1919، وكتاب محمود أبو الفتح الصادر في تلك الفترة بعنوان المسألة المصرية والوفد، وكذلك كتاب أمين الرافعي «مفاوضات الإنجليز بشأن المسألة المصرية».