هوامش
أشرف إبراهيمإيران 2026: عندما تُشعل الإمبريالية حريقًا لا تستطيع إطفاءه
2026.03.07
إيران 2026: عندما تُشعل الإمبريالية حريقًا لا تستطيع إطفاءه
في صباح 28 فبراير 2026، استيقظ العالم على خبر صاعق: الولايات المتحدة وإسرائيل شنّتا غارات جوية مشتركة على إيران، قتلت المرشد الأعلى علي خامنئي وعشرات من كبار القادة العسكريين والأمنيين. قُتل خامنئي في ضربة على مجمعه في طهران، إلى جانب أفراد من عائلته وكبار المسؤولين.
بحلول 1 مارس، أعلنت إيران 40 يومًا من الحداد، وشنَّت ضربات انتقامية على القواعد الأمريكية في قطر والكويت والإمارات والبحرين.
العالم الآن على شفا حرب إقليمية شاملة: مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس النفط العالمي، توقفت الملاحة فيه بنسبة 09%. أسعار النفط قفزت إلى أكثر من 79 دولارًا للبرميل، وتتوقَّع التحليلات أنَّها قد تصل إلى 120 دولارًا أو حتى 200 دولار إذا استمرَّ الصراع. الأسواق العالمية في حالة هلع. والسؤال الذي يجب أن نطرحه: كيف وصلنا إلى هنا؟ ومَن سيدفع الثمن الحقيقي؟.
ليست «دفاعًا» بل عدوان إمبريالي
الرواية الرسمية واضحة: إيران كانت تُطوِّر برنامجها النووي وتُهدِّد الأمن الإقليمي والعالمي، والضربات كانت ضروريةً لمنع «تهديد وجودي». لكن هذه رواية مُزيَّفة من أساسها.
أولًا، لنتذكر السياق. منذ يناير 2026، شهدت إيران احتجاجات شعبية هائلة ضد النظام، مدفوعة بالأزمة الاقتصادية الخانقة وانهيار الريال. النظام الإيراني ردَّ بالقمع الوحشي، بما في ذلك مذابح للمتظاهرين في 8 و10 يناير، بأوامر مباشرة من خامنئي. الشعب الإيراني كان يناضل ضد ديكتاتورية دينية خانقة، لكن بدلًا من دعم هذا النضال، قرَّرت واشنطن استغلاله لأجندتها الخاصة.
ترامب نفسه قال صراحة إنه «مستعد لمساعدة» المحتجين، لكن ما فعله لم يكن مساعدة؛ كان تدخلًا عسكريًّا خدم مصالح الإمبريالية الأمريكية.
في 13 يناير، دعا ترامب الإيرانيين للاحتجاج و«السيطرة على مؤسساتهم»، مضيفًا: «المساعدة في الطريق». بعد شهر ونصف الشهر، جاءت «المساعدة» في شكل قنابل.
الولايات المتحدة لا تهتم بالديمقراطية في إيران، ما يهمها هو السيطرة على أحد أكبر احتياطات النفط والغاز في العالم، وإعادة رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل. إذا كانت واشنطن تريد فعلًا دعم الشعب الإيراني، لكانت رفعت العقوبات التي تخنق الاقتصاد وتُفقر الناس العاديين. لكنها بدلًا من ذلك، اختارت الحرب.
اغتيال القيادة: تغيير النظام بالقوة
القيادة الإيرانية كانت مجتمعةً في اجتماع عندما وقع الهجوم، وكان خامنئي في مبنى قريب. قُتل إلى جانبه نحو 40 قائدًا كبيرًا، بمَن في ذلك وزير الدفاع، ورئيس أركان الجيش، وقادة «الحرس الثوري». وكالة الاستخبارات الأمريكية كانت قد قيَّمت أنَّ كثيرًا من الشخصيات في «الحرس الثوري» كانوا خلفاء محتملين لخامنئي، لكن كثيرًا منهم قُتلوا الآن.
هذا ليس «دفاعًا استباقيًّا» - هذا تدمير منهجي لقيادة دولة ذات سيادة. الهدف واضح: تفكيك النظام الإيراني، ليس من خلال ثورة شعبية، بل من خلال عملية عسكرية أجنبية. لكن المشكلة، كما يعرف أي دارس للتاريخ، أنَّ تغيير الأنظمة بالقوة الخارجية نادرًا ما تينتج عنه ديمقراطية - بل فوضى، حروب أهلية، وتدخلات إقليمية ودولية متزايدة.
انظروا إلى العراق. في 2003، وعدت الولايات المتحدة بـ«تحرير» العراقيين من صدام حسين. النتيجة؟ عقدان من الدمار والاحتلال وصعود «داعش» ومقتل مئات الآلاف. انظروا إلى ليبيا، حيث أطاحت حرب الناتو بالقذافي عام 2011. النتيجة؟ حرب أهلية مستمرة، ودولة منهارة.
الآن، واشنطن تحاول إعادة الكرّة في إيران - بلد أكبر وأكثر تعقيدًا وذو تأثير إقليمي أوسع.
محللون في معهد «بروكينغز» حذَّروا من أنَّ «الرهانات وجودية» للنظام الإيراني، وأنَّ «فرض تكاليف عالية على واشنطن وجيرانها والاقتصاد العالمي هو استراتيجية بقائهم».
الرد الإيراني: حرب إقليمية تتصاعد
لم تستسلم إيران. بعد ساعات من مقتل خامنئي، أطلقت طهران ضربات صاروخية على قواعد أمريكية في المنطقة. سُمعت انفجارات في الدوحة ودبي بعد إطلاق إيران صواريخ على قواعد عسكرية أمريكية. غرقت فرقاطة إيرانية قبالة سواحل سريلانكا؛ مما أسفر عن مقتل أكثر من 100 بحّار. قائد في «الحرس الثوري» قال إنَّ المضيق «مُغلق»، وأي سفينة تحاول المرور ستُشعل.
الصراع يتمدَّد بسرعة.
قطر أوقفت إنتاج الغاز الطبيعي المسال يوم الاثنين، بعد أن ضربت طائرتان دون طيار منشآت رئيسية.
المدارس في الإمارات تحوَّلت للتعليم عن بُعد. شركات الطيران ألغت رحلاتها.
حتى 1 مارس، قُتل 787 شخصًا في إيران، من بينهم 165 طالبة وموظفًا في مدرسة في مدينة ميناب.
هذا بالضبط ما حذَّر منه الاشتراكيون لعقود: الحروب الإمبريالية لا تجلب «التحرير»، بل تجلب مزيدًا من الدمار والموت للشعوب؛ المدارس تُقصف، الأطفال يُقتلون، البنية التحتية تُدمَّر، والعمال الإيرانيون، الذين كانوا يناضلون ضد نظامهم الاستبدادي، يجدون أنفسهم الآن تحت القصف الأمريكي.
أسعار النفط والأزمة الاقتصادية: مَن يدفع الثمن؟
هذه الحرب، مثل كل الحروب الإمبريالية، تدور حول الموارد والأرباح. إيران لديها إنتاج نفطي يزيد على 3 ملايين برميل يوميًّا، ومضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
أسعار النفط قفزت بأكثر من 12% في بداية الأزمة، وأسعار الغاز الطبيعي الأوروبي ارتفعت بأكثر من 40%. المحللون يقولون إنَّ زيادة 10 دولارات في أسعار النفط تعني ارتفاع التضخم بنحو 0.2 نقطة مئوية وتراجع النمو الاقتصادي بنحو 0.1 نقطة.
لكن مَن سيدفع الثمن؟ ليست شركات النفط، بل العمال والفقراء في كل مكان. سائقو السيارات في الولايات المتحدة سيرون زيادةً في أسعار الوقود بين 10 و30 سنتًا للغالون خلال الأسبوع المقبل. هذا يعني أنَّ عامل البناء في أوهايو، أو سائق التوصيل في كاليفورنيا، سيدفع أكثر للذهاب إلى عمله، بينما شركات مثل «إكسون موبيل» و«شيفرون» تحقِّق أرباحًا قياسية.
الهند التي تعتمد بشكل كبير على دول الخليج لوارداتها النفطية، تتوقَّع ضربةً اقتصاديةً كبيرةً وارتفاعًا في التضخم.
الصين، التي تحصل على نصف وارداتها النفطية عبر المضيق، تواجه ضغوطًا تضخمية متزايدة.
دول آسيا الوسطى الفقيرة، التي تعتمد على الموانئ الإيرانية للتجارة، ستُعاني.
لكن في الوقت نفسه، المنتجون الأمريكيون قد يستفيدون من ارتفاع الأسعار. هذه هي المفارقة الوحشية للرأسمالية: أزمة تُفقر ملايين البشر تُثري حفنةً من أصحاب المليارات.
ولنكن واضحين أكثر: إذا استمرَّت الحرب أكثر من ثلاثة أسابيع، فستُستنفد طاقة التخزين في دول الخليج، مما سيجبرها على إغلاق الإنتاج، وقد تصل أسعار النفط إلى 120 دولارًا للبرميل.
في سيناريو الأسوأ، إذا نجحت إيران في إغلاق المضيق بالكامل، قد تقفز الأسعار إلى 200 دولار. هذا يعني ركودًا عالميًّا. يعني تسريح عمال. يعني أزمة معيشة كارثية للفقراء في كل مكان.
الخبيرة الاقتصادية ووزيرة الخزانة الأمريكية السابقة، جانيت يلين، حذَّرت من أنَّ الصراع قد يضر بالنمو الاقتصادي الأمريكي ويُغذي الضغوط التضخمية. البنوك المركزية الآسيوية تُراقب الأسواق المالية عن كثب، وبعضها يفكر في رفع أسعار الفائدة، مما سيضر بالعمال أكثر.
إذن: حرب تُشنّها أغنى دولة في العالم وأقوى آلتها العسكرية، لخدمة مصالح شركات النفط والسلاح، سيدفع ثمنها العمال والفقراء في كل مكان. هذا هو المنطق الوحشي للإمبريالية.
انقسام في قاعدة ترامب: نهاية «أمريكا أولًا»؟
لكن الأمر لا يسير بسلاسة حتى داخل الولايات المتحدة. بعض في قاعدة ترامب بدأوا يعترضون على الحرب. لماذا؟ لأنَّ ترامب فاز في 2016 و2024 بوعد واحد بسيط: «أمريكا أولًا»، لا حروب خارجية لا نهاية لها، لا تدخلات في الشرق الأوسط. لكن ها هو ذا، يُطلِق عمليةً عسكريةً ضخمةً في إيران.
محللون يقولون إنَّ «ترامب، خاصة قاعدته من حركة (MAGA)، ليس لديهم رغبة في حرب طويلة ومُرهقة في الشرق الأوسط». الكونغرس سيصوِّت هذا الأسبوع على قرار لوقف هجوم ترامب على إيران. السيناتور تيم كين قال: «هذه حرب غير قانونية. الدستور يقول لا إعلان حرب دون الكونغرس».
لكن لا ننخدع: هذه ليست معارضة مبدئية للحرب، بل قلق على التكاليف السياسية والاقتصادية. ترامب نفسه يُناور: الخيار الأفضل بالنسبة لترامب هو «سيناريو فنزويلا»: إبرام صفقة مع مَن يأتي بعد خامنئي، ربما صفقة نووية معدَّلة بالإضافة إلى امتيازات نفطية.
ترامب قال: «الأمور تتطور بطريقة إيجابية جدًّا»، لكن ثلاثة جنود أمريكيين قُتلوا في نهاية الأسبوع، وأُسقطت ثلاث طائرات في حادث «نيران صديقة» صباح الاثنين. كلما ارتفعت الخسائر، زاد الغضب الشعبي.
موقف الاشتراكيين: لا لأمريكا وللنظام الإيراني.. نعم للطبقة العاملة
في وسط هذه الفوضى، يجب أنْ يكون موقف الاشتراكيين واضحًا: لا للحرب الإمبريالية الأمريكية - الإسرائيلية، نعم لحق الشعب الإيراني في تقرير مصيره بنفسه.
ضد الإمبريالية الأمريكية
يجب أنْ نقول بوضوح: هذه الحرب ليست «دفاعًا» ولا «تحريرًا». إنها عدوان إمبريالي هدفه السيطرة على موارد إيران وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يخدم واشنطن وتل أبيب. نحن نرفض هذه الحرب كليًّا.
الطبقة العاملة الأمريكية ليست لها مصلحة في هذه الحرب. الجندي الشاب من تكساس أو ديترويت الذي سيُقتَل في هذه الحرب لا يموت دفاعًا عن «الديمقراطية»، بل يموت لخدمة أرباح «إكسون موبيل» و«لوكهيد مارتن». العامل الأمريكي الذي سيدفع أكثر مقابل البنزين والمواد الغذائية بسبب ارتفاع الأسعار لا يدفع ثمن «الحرية»، بل يدفع ثمن جشع النخبة الحاكمة.
نحن ندعو العمال الأمريكيين للوقوف ضد هذه الحرب. ندعو الجنود لرفض القتال في حرب ليست حربهم. ندعو النقابات لإعلان معارضتها الصريحة للتدخل العسكري.
نعم للطبقة العاملة الإيرانية
مَن ندافع عنه؟ الطبقة العاملة الإيرانية، العمال الذين خرجوا في يناير للمطالبة بالخبز والحرية، الطلاب الذين يناضلون ضد القمع، النساء اللواتي يتحدين قوانين الحجاب الإجبارية. هؤلاء هم حلفاؤنا.
الشعب الإيراني لا يحتاج إلى قنابل أمريكية لـ«تحريره»، يحتاج إلى رفع العقوبات التي تخنق اقتصاده وتُفقِر الناس العاديين، يحتاج إلى تضامن دولي مع نضاله الديمقراطي، يحتاج إلى دعم حركته العمالية ونقاباته المستقلة.
بعد تأكيد مقتل خامنئي، خرج العديد من المدنيين الإيرانيين للاحتفال في الشوارع، بينما تجمع آلاف آخرون في الحداد. هذا الانقسام يُظهر أنَّ المجتمع الإيراني مُنقسم بعمق. ليس كل الشعب يحب النظام، لكن ليس كل الشعب يريد أيضًا الغزو الأمريكي. ما يريده الناس هو الحق في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
الثورة تأتي من الأسفل.. لا من القنابل
تاريخ الثورات يُعلّمنا درسًا واضحًا: لا يمكن تصدير الثورة على متن دبابات أجنبية. الثورة الحقيقية تأتي من تنظيم الطبقة العاملة وحركتها الذاتية.
الثورة الروسية عام 1917 لم تنجح لأنَّ ألمانيا غزت روسيا، بل لأنَّ العمال والجنود نظَّموا أنفسهم في السوفييتات. الثورة الألمانية 1918 لم تحدث بفضل تدخل خارجي، بل لأنَّ العمال والجنود تمرَّدوا من الأسفل. الثورة الإسبانية 1936 بدأت بمقاومة العمال للانقلاب الفاشي.
الثورة الإيرانية المقبلة - وستأتي - ستكون بفعل الطبقة العاملة الإيرانية نفسها. ليس بفعل البنتاغون ولا البيت الأبيض. وعندما تأتي، يجب أنْ نقف معها بالكامل.
العالم على حافة الهاوية
في هذه اللحظة، العالم يقف على حافة كارثة، حرب قد تستمر أسابيع أو أشهرًا. إغلاق طويل لمضيق هرمز هو «ضمان لركود عالمي»، كما قال أحد المحللين. مئات الآلاف قد يُقتَلون، ملايين قد يُشرَّدون، الاقتصاد العالمي قد ينهار.
لكن ليس علينا أن نقبل هذا المصير، يمكننا المقاومة، يمكن للعمال في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا - كل الدول المتواطئة في هذا العدوان - أنْ يُضربوا، أنْ يحتجوا، أنْ يرفضوا إنتاج الأسلحة ونقلها. يمكن للجنود أنْ يرفضوا القتال في حرب ليست حربهم.
في 2003، ملايين نزلوا إلى الشوارع في كل أنحاء العالم ضد الحرب على العراق. نحن بحاجة لحركة مماثلة اليوم. حركة تقول: لا للحرب الإمبريالية. نعم لحق الشعوب في تقرير مصيرها. نعم للأممية العمالية.
الاشتراكية أو البربرية
ماركس كتب أن التاريخ يضع البشرية أمام خيارين: الاشتراكية أو البربرية. اليوم، نرى وجه البربرية بوضوح. حروب من أجل الموارد، شعوب تُقصَف لخدمة أرباح الشركات، نظام يدفع بالعالم نحو كارثة اقتصادية وبيئية.
لكن البديل موجود؛ عالم حيث الموارد تُدار ديمقراطيًّا لخدمة احتياجات البشر، لا أرباح القلة، عالم بلا حروب إمبريالية لأنه بلا إمبرياليات، عالم حيث الطبقة العاملة - التي تُنتج كل الثروات - هي التي تقرِّر كيف تُستخدَم هذه الثروات.
هذا العالم لن يأتي من المفاوضات في مجلس الأمن، ولا من الانتخابات البرلمانية. سيأتي من نضال الطبقة العاملة المُنظَّم، من الأسفل، في كل مكان.
الحرب على إيران ليست نهاية القصة، بل هي تذكير صارخ بأنَّ النظام الرأسمالي - الإمبريالي غير قادر على حل أزماته إلا بمزيد من الدمار، وهي دعوة لنا جميعًا: «أن ننظّم، أن نقاوم، أن نبني البديل».
كما قال ماركس وإنجلز في نهاية البيان الشيوعي: «هناك عالم لنكسبه».