هوامش
Hussein Saidترامب يواجه أزمة تاريخية في إيران
2026.05.02
ترامب يواجه أزمة تاريخية في إيران
المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة لم تعد مجرد نجاح في ساحة المعركة، بل باتت تتعلق بالسيطرة النظامية
تحوَّلت حرب دونالد ترامب على إيران إلى أكبر أزمة تواجه الإمبريالية الأمريكية في تاريخها. فهي ذات أبعاد تفوق ما حدث في العراق، أو أفغانستان، أو فيتنام، بل وحتى أزمة السويس عام 1956 التي أغرقت الإمبراطورية البريطانية.
ولكن على عكس أزمة السويس، لا تزال هذه الأزمة تتكشف فصولًا؛ فهي تجمع بين التصعيد العسكري، والصدمة الاقتصادية، والتشرذم الجيوسياسي على نطاق يتجاوز بكثير ما حدث في عام 1956. ولم يعد السؤال مجرد ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على الفوز في إيران، بل ما إذا كان بإمكانها فرض النظام؛ وهذا الشك هو تحديدًا ما يمنح هذه الأزمة ثقلها التاريخي.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنَّ هذه ليست مواجهة محصورة، فهي متشابكة مع إسرائيل التي تزداد تقلبًا، والتي تشعر بجرأة أكبر ولكنها في الوقت ذاته تبدو هشة، كما أنَّ اصطفاف القوى الخليجية، مثل السعودية والإمارات، مع الولايات المتحدة بات ذا طابع «مصلحي» أكثر من أي وقت مضى منذ عقود.
وهناك احتمال بأنْ يبرز النظام الإيراني ليس بوصفه خصمًا مُحتوَى، بل بوصفه لاعبًا إقليميًّا أكثر قوة. وفي هذا السيناريو، تصبح السيطرة على مضيق «هرمز» ليست مجرد رافعة إقليمية، بل تصبح سلاحًا اقتصاديًّا عالميًّا.
في الوقت نفسه، تواجه الولايات المتحدة حالةً من الانجراف بين حلفائها في أوروبا الذين يرغبون في الحفاظ على النظام الإمبريالي الليبرالي. كما تحوَّل الرأي العام على ضفتَي «الأطلسي» بشكل حاد ضد حرب مطولة أخرى.
إنَّ تآكل التماسك بين النخب، والموافقة الشعبية، يحدًّان من قدرة الولايات المتحدة على ترجمة القوة العسكرية إلى نظام سياسي.
إنَّ ما هو على المحك لم يعد مجرد نتيجة المواجهة مع إيران، بل جدوى كامل هيكل الهيمنة الأمريكية. ويمتد هذا التفكك الأوسع ليشمل الخليج؛ فالترتيب القائم منذ أمد بعيد - «الأمن» مقابل استضافة القواعد الأمريكية - يتعرَّض لضغوط واضحة. وبسبب خطر الانجرار إلى حرب تتسع رقعتها، تجد هذه الأنظمة نفسها محاصرة بين التبعية للولايات المتحدة والخوف من أنْ تصبح أهدافًا مباشرة.
وحتى داخل هذه الكتلة، بدأت الصدوع تظهر. فقد ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية وجود تفاهم «أمر واقع» بين قطر وإيران، تجلَّى في توقف الهجمات الأمريكية من الأراضي القطرية وضبط النفس الإيراني.
إنَّ التداعيات أعمق من مجرد مناورات دبلوماسية، حيث يتم تذكير دول الخليج بأنَّها تأتي في مرتبة أدنى من إسرائيل في الأولويات الاستراتيجية الأمريكية.
وللنتائج آثار محلية أيضًا على هذه الأنظمة؛ فحتى الأنظمة التي طالما قُدمت على أنَّها مستقرة تظهر عليها علامات الاضطراب. وفي البحرين، تؤكد الشائعات التي تردَّدت الشهر الماضي عن استعداد عائلة آل خليفة الحاكمة للإخلاء عمق القلق. ولا شك أنَّ الضغوط الخارجية والعدد الكبير من الشيعة في البحرين - وإيران ذات الأغلبية الشيعية أيضًا - يلعبان دورًا، لكن هذه قصة تناقضات داخلية في البحرين، حيث بدأت تعود للسطح رياح «الربيع العربي» التي سحقتها القوة العسكرية السعودية في عام 2011.
كذلك، لا تقتصر أزمة إيران على المنطقة، إذ تعمل القوى المنافسة بنشاط على تشكيل مسارها. فروسيا تستفيد من ارتفاع أسعار النفط وتعمِّق دعمها المادي لإيران. أما الصين، فيبدو أنَّها تستخدم الصراع كحقل تجارب؛ حيث تشير التقارير إلى أنَّها تورد المكونات، وتدرس الأنظمة والتكتيكات ونقاط الضعف الأمريكية في الوقت الفعلي.
إنَّ ما يبرز الآن ليس مجرد حرب إقليمية، بل «مختبر» لعالم لم تعد فيه الهيمنة الأمريكية بلا منازع. ولا يوجد مخرج سهل لترامب، العالق بين «المطرقة» الإيرانية و«السندان» الإسرائيلي؛ فإيران تستفيد من إطالة أمد الأزمة، بينما لا يمكن لإسرائيل قبول أي نتيجة تخرج منها إيران قوية. وتُشير الديناميكية الحالية إلى مزيد من التصعيد، كما رأينا مع الحصار الأمريكي لمضيق «هرمز».
إنَّ المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة لم تعد مجرد نجاح في ساحة المعركة، بل باتت تتعلق بالسيطرة النظامية. وعبر المنطقة، تتصاعد التوترات الطبقية داخل مجتمعات ظلَّت لفترة طويلة مكبوتةً بفعل القمع. هذه العمليات لا تتكشف بطرق مرتبة أو متوقعة، لكنها تشير إلى منطقة في حالة غليان، حيث تتفكك الترتيبات القديمة.
وبالنسبة لأولئك في بريطانيا، فإنَّ التداعيات مباشرة. هذه حرب غير شعبية على الإطلاق، وسيكون ثمنها تراجع مستويات المعيشة ومزيدًا من الضغط على الطبقة العاملة. ولا يمكن للمعارضة أنْ تتوقَّف عند حدود الإدانة، بل يجب أنْ تأخذ شكل الرفض لتحمل تكاليف الأزمة الإمبريالية.
إنَّ الثورات لا تأتي في قوالب جاهزة، ولا وفق جداول زمنية متوقعة، لكن فترات الانهيار النظامي تخلق فرصًا غير متكافئة، وغير مؤكدة، ومتنازعًا عليها.
ما يحدث الآن هو أزمة في بنية السلطة التي تقودها الولايات المتحدة نفسها، مما يشير إلى النهاية المرجحة للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط. ومهمة الثوريين ليست التنبؤ بكل نتيجة بيقين، بل إدراك هذه «الفتحة» والعمل من خلالها.
----------------------------------------------------------------------
ترجمة نقلا عن مجلة "العامل الاشتراكي البريطانية
الكاتب:حسين سعيد
منشور بتاريخ 25 ابريل 2026
https://socialistworker.co.uk/uncategorised/trump-faces-historic-crisis-in-iran/