هوامش
أسماء عبد العزيزسلفية الليبرالي وتخبُّط اليساري.. عين تُصغِّر وأخرى تُكبِّر
2026.03.28
سلفية الليبرالي وتخبُّط اليساري.. عين تُصغِّر وأخرى تُكبِّر
تخيل معي رجلًا إحدى عينيه تُصغِّر الصور بقوة مثل ميكروسكوب، فيُفرغ الظواهر من وزنها. أما العين الثانية فتكبِّر الصور بالمقياس نفسه، فيكون عليه ليصل إلى رؤية معتدلة قياس كل ما يراه بعينيه بصورة نسبية للغاية. هذا الرجل، كي يصل إلى صورة «متوازنة»، يضطر إلى قياس كل ما يراه بشكل نسبي ومعقَّد. لكن هذا التوازن يظلُّ ذاتيًّا مرهونًا بقدرته العقلية وحدود وعيه؛ فلا هو يرى الأشياء كما هي، ولا هو قادر على الإفلات من انحياز عينيه.
بهذه الصورة يمكن فهم مأزق الخطابَين السائدَين؛ فالعين التي تُصغِّر هي عين الليبرالي؛ تُقلّل من وقع الاستعمار حين يأتي في صورة «تحالفات»، وتُخفِّف من فداحة العنف إذا صيغ بلغة «الشرعية الدولية»، وتُحوِّل الكوارث - من فلسطين إلى إيران - إلى مسائل تقنية أو أخطاء يمكن إصلاحها داخل النظام نفسه.
يرى، لكن من بعيد.. يرى، لكن دون أنْ يرى الحجم الحقيقي للهيمنة.
غير أنَّ هذا «التصغير» ليس مجرد خلل في التقدير، بل يؤدي إلى حجب نمط متماسك من الممارسة الدولية تَشكَّل بوضوح خلال العقود الأخيرة؛ فبعد 11 سبتمبر، أصبح واضحًا أنَّ الولايات المتحدة انتقلت إلى استراتيجية قائمة على «تبخُّر» الدول، كما في ليبيا وسوريا واليمن، وعلى «الضغط الأقصى» عبر العقوبات كما في إيران.
هذا النمط من التصوُّر لا يقتصر على كشف مأزق الليبرالي، بل يوضِّح كيف يظلُّ نقده حبيس السطح؛ لا يختلف كثيرًا عن نظيره عند السلفي؛ فكلاهما يُعيد إنتاج رؤية تبسيطية مغلقة، تفسِّر الواقع عبر قوالب جاهزة بدل تفكيك شروط تشكُّله. لذلك يحتاج هذا التصور إلى عدسةٍ إضافية ترى كيف تُبنى الهيمنة داخل الأشياء التي تبدو «تقنية» و«محايدة».
وفي هذا الصدد، يمكن سحب مفهوم «الإمبريالية التحتية»[1] عند سيفا فايدهياناثان Siva Vaidhyanathan من مجاله الأصلي (الهيمنة الرقمية) إلى سياق أوسع لفهم ما يجري مع إيران، عبر توسيع دلالته من التحكم في المعلومات إلى التحكم في الشروط المادية والتقنية للحياة والسيادة؛ فالهيمنة لا تُمارَس فقط عبر إدماجك في الشبكة، بل أيضًا عبر القدرة على استبعادك منها أو جعل اتصالك بها مشروطًا. وبهذا المعنى، يمكن فهم سياسات مثل العقوبات، أو التحكم في تدفقات الطاقة، أو السيطرة على الممرات التجارية، ليس باعتبارها أدواتٍ منفصلة، بل كعناصر ضمن بنية إمبريالية تحتية تُعيد إنتاج الهيمنة عبر تنظيم الشروط المادية للحياة الاقتصادية والسياسية.
فمن فلسطين، حيث تُدار الأرض عبر شبكات من الحواجز والبنى الأمنية التي تُعيد تشكيل الحركة والحيِّز، إلى ليبيا حيث تتقاطع خطوط الطاقة والموانئ مع شبكات الميليشيات، إلى إيران حيث تُستخدَم العقوبات لعزلها عن النظام المالي والتكنولوجي العالمي؛ فنحن أمام نمط واحد من السيطرة: إعادة تنظيم الفضاء عبر البنية التحتية.
وفي هذا السياق، لا تبدو عمليات اغتيال القيادات - سواء استهداف القائد الأعلى أو شخصيات سياسية وأمنية بارزة، أو أسماء مثل علي لاريجاني في دائرة التهديد والاستهداف - أحداثًا معزولةً أو مجرد «تصعيد أمني»، بل تعدُّ جزءًا من هذا المنطق البنيوي. فهي تعمل كأدوات دقيقة لإعادة تشكيل مراكز القرار داخل الدولة، وزعزعة تماسكها الداخلي، وإنتاج حالة دائمة من عدم اليقين.
لقد استُبدلت حالة دائمة من الحرب بوعد الديمقراطية، يصبح فيها الدمار نفسه مصدرًا للربح. وفي أنقاض الدول، تتكشف الحقيقة الفجَّة لنظام عالمي تُفرَّغ فيه السيادة من مضمونها، وتصبح قابلة للتفاوض. فالاغتيال هنا لا يهدف فقط إلى إزالة فرد، بل إلى تفكيك العقد التي تربط البنية السياسية بالبنية التحتية للدولة؛ ويدفع المواطنون الثمن طبعًا: تهجيرًا قسريًّا، وانهيارًا في سبل العيش، وتفككًا في الخدمات الأساسية، واتساعًا في دوائر العنف، بينما تُراكم النخب الإقليمية والعالمية أرباحها من اقتصاد الفوضى. غير أنَّ الرؤية الليبرالية - بعينها التي تُصغِّر- تتعامل مع هذا الحدث من منظور ضيق؛ فتختزله في كونه «عملية أمنية دقيقة»، أو «استهدافًا لشخصية مؤثرة»، أو جزءًا من «إدارة الصراع»، دون أنْ ترى البنية التي يعمل داخلها.
وهنا لا يعود الأمر مجرد قصور في الرؤية، بل يصبح تحوُّلًا في طبيعتها نفسها؛ إذ تصبح الليبرالية، في ممارستها الفعلية، سلفية بامتياز. فهي، مثلها مثل الخطاب السلفي الرجعي، تختزل العالم في ثنائيات جاهزة وتفسيرات مغلقة، وتُرجع الأزمات إلى خلل داخلي -في الثقافة أو المؤسسات - متجاهلة البنية التي تُنتجها.
على الجانب الآخر، تبرز عينٌ أخرى - عينُ جزءٍ من اليسار - لا تُصغِّر الواقع، بل تُفرط في تكبيره؛ تضخِّم التناقضات الجزئية حتى تطغى على الصورة الكلُّية؛ فتُضخِّم التناقضات الداخلية إلى حد طمس التناقض الأساسي مع الهيمنة الخارجية، فترى في كل حركة مقاومة انحرافًا أيديولوجيًّا قبل أنْ تراها استجابةً لواقع من القهر. تبحث عن نموذج «نقي»، واضح، مكتمل، فتضيع منها حقيقة أنَّ الواقع نفسه غير نقي، ولا بسيط، ولا مكتمل.
تُظهر المعطيات الموضوعية أنَّ العديد من الحركات الإسلامية لم تتخذ موقعًا مناهضًا للنيوليبرالية، بل تبنت - في تجارب مختلفة - سياسات منسجمة معها، كما في حالات الإخوان المسلمين في مصر، والنهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، حيث دعمت برامج الخصخصة وإعادة هيكلة الاقتصاد وفق منطق السوق، وأعادت في بعض الأحيان إنتاج أنماط طبقية وبطريركية حدَّت من قدرتها على بناء تحالفات اجتماعية واسعة. كما أنَّ بعضها انخرط في صراعات إقليمية معقَّدة، أو جرى توظيفه ضمن ترتيبات دولية؛ ويظهر ذلك بوضوح في الحالة السورية، وبناءً على ذلك، لا يمكن النظر إلى هذه الحركات - في هذه السياقات تحديدًا - بوصفها قوى مناهضة للإمبريالية بالمعنى البنيوي، إذ ظلَّ موقعها العملي متداخلًا مع ديناميات الرأسمالية الإقليمية والعالمية.
لكن هذا التوصيف لا ينطبق بالضرورة على جميع الحالات بنفس الدرجة أو الشكل؛ إذ تختلف طبيعة الحركات المرتبطة بسياقات مقاومة مباشرة للاحتلال أو للضغط الخارجي - كما في فلسطين ولبنان، أو في حالة إيران ضمن نظام العقوبات - حيث تنشأ هذه القوى من شروط سيادية وصراعية أكثر حدة، ما يضعها في علاقة أكثر تعقيدًا مع مسألة الهيمنة والإمبريالية. وهو ما يظهر بوضوح في مشروع الخميني، حيث يُفهم الإسلام كنظام شامل ينظم الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي معًا، ويسعى إلى إعادة تشكيل الوعي والمؤسسات ضمن إطار أيديولوجي متكامل، ما يعكس الطابع المركّب وغير النقي لهذه الحركات[2]؛ إذ تدمج هذه الحركات داخل مجالات متعددة في مشروع واحد، وبالتالي لا يمكن الحكم عليها بمعيار أيديولوجي واحد، فحين يُفهم الدين كنظام شامل ينظّم السياسة والاقتصاد والمجتمع معًا، كما في طرح الخميني، يختفي الفصل بين هذه المجالات، وتظهر الحركات بوصفها بنيات مركّبة لا يمكن اختزالها في هوية أيديولوجية صافية.
وبالتالي، فإنَّ ما يكشفه هذا الطرح هو أنَّ حركات المقاومة -بمختلف أشكالها - ليست كيانات متجانسة أو نقية، بل هي نتاج شروط تاريخية ومادية معقدة، تحمل داخلها تناقضات واختلافات حقيقية: بين الاجتماعي والسياسي، بين المحلي والإقليمي، بين منطق المقاومة ومنطق الاندماج في النظام القائم. لأن «التعامل مع قوى الإسلام السياسي لا يجوز أنْ يتم بصورة اعتباطية، وبالتالي وضع الجميع في سلة واحدة… يجب التفريق بين قوى إسلامية مناضلة ومكافحة ولها رؤيتها الاجتماعية والعقائدية… وبين قوى أو مجموعات لم يعد ما تقوم به من أفعال مفهومًا أو مبرَّرًا، لا إنسانيًّا ولا خلقيًّا ولا إسلاميًّا. إننا مقتنعون بأن تحالفًا عميقًا يجب أنْ يُنظِّم العلاقة بالقوى الإسلامية من التيار الأول؛ تحالفًا يقوم على أساس التصدي للعدو القومي والصراع ضده. هذا عامل يعطي التحالف ديمومةً، ولفترة غير قصيرة. لكن هذا مشروط بأنْ يقوم العمل المشترك على أساس ديمقراطي، بمعنى التعامل مع المجتمع بديمقراطية؛ أي الإقرار بحرية العمل الفكري والسياسي والاجتماعي والإعلامي والتنظيمي، وترك الحرية كاملة للجماهير من أجل الانتظام أو تأييد أي حزب أو فكر تريد، إضافة إلى الإقرار بحرية الاجتهاد والاختلاف ونبذ حل التعارضات الداخلية بالعنف»[3].
لا يرى الرجل ذو العين التي تُكبِّر الأشياء التفاصيلَ في سياقها، بل يضخِّمها حتى تبتلع الصورة كلّها، فيضع المختلفات في سلة واحدة، ويختزل التعقيد في حكمٍ واحد. بهذه العين ينظر جزء من التيار اليساري إلى حركات المقاومة، فيرى تناقضاتها فيُكبِّرها، حتى تحجب عنه شروط نشأتها نفسها.
لكن المشكلة أنَّ هذه الرؤية، التي تشترط نقاءً أيديولوجيًّا، تفترض ضمنًا أنَّ الواقع يجب أنْ يكون واضحًا، متماسكًا، وخاليًا من الالتباس، وهو افتراض غير حقيقي. فالمقاومة، كما تتشكَّل على الأرض، ليست نموذجًا مثاليًّا، بل سيرورة تاريخية متحركة، قد تكون هجينة، متناقضة، وأحيانًا فوضوية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه التناقضات عن الشروط التي تُنتجها، لأنَّ بعضها نشأ بالفعل من مظالم حقيقية: احتلال، قمع، فقر، تهميش، وحصار. فهي ليست انحرافًا عن نموذج صحيح، بل انعكاس لواقع مضغوط يُعيد تشكيل أشكال الفعل السياسي وفق الممكن، لا وفق المثال.
ومن هنا، فإنَّ رفض هذه الحركات بالكامل، فقط لعدم توافقها الأيديولوجي، لا يقود التيار اليساري بمختلف أطيافه إلى موقف أكثر صلابة أو صفاءً، بل يفضي إلى نتيجتين خطيرتين: أولاهما، عزله عن جماهير واسعة ترى في هذه الحركات تعبيرًا فعليًّا عن مقاومة قائمة؛ وثانيتهما، التقاؤه (من حيث لا يريد) مع السردية الإمبريالية التي تسعى إلى نزع الشرعية عن أي مقاومة لا تنسجم مع معاييرها السياسية والأيديولوجية.
غير أنَّ الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني تعليق النقد أو تبرير التناقضات، بل يفرض العكس: تطوير مقاربة مركبة ترى في هذه الحركات فاعلًا داخل صراع مع الهيمنة، وفي الوقت نفسه موضوعًا للنقد السياسي والاجتماعي.
فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه الحركات تقدمية بالمعنى الخالص، بل كيف يمكن للتيار اليساري، بمختلف اتجاهاته، أنْ يشتبك معها داخل واقع معقد، دون أنْ يسقط في ثنائية الرفض المطلق أو التأييد غير المشروط.
ما بين التصغير والتكبير.. الحاجة إلى رؤية مركَّبة
المعضلة ليست في وجود عين تُصغِّر وأخرى تُكبِّر، بل في العجز عن إدراك انحياز كل منهما.
فالليبرالي، حين ينكر حجم الهيمنة، يمنحها شرعية غير مباشرة. واليساري، حين يطلب نقاءً مستحيلًا، يعزل نفسه عن الواقع الذي يدَّعي تغييره، وفي الحالتين، يغيب الواقع كما هو: شبكة معقَّدة من الهيمنة والمقاومة، لا تختزلها ثنائيات جاهزة ولا تُحسم بمعايير نقاء مسبقة.
فالعالم لا يُرى بوضوح عبر عين تُهوِّن من البنية الإمبريالية، ولا عبر أخرى تُفرط في تضخيم التناقضات الأيديولوجية، بل عبر وعيٍ يدرك أنَّ الهيمنة تُمارَس في البنية، وأن مقاومتها قد تأتي في أشكال غير مكتملة.
إنَّ انخراط اليسار في الصراعات القائمة لا يمكن أنْ يبقى في مستوى التعاطف أو التوصيف الخارجي؛ لأنَّ المشاركة الفعلية لا تتحقق[4]ipso facto، أي بمجرد اتخاذ موقف مؤيد أو إعلان الانحياز. فكما يوضِّح فلاديمير لينين: لا يصبح الفرد جزءًا من الحزب لمجرد أنه يعمل لصالحه، بل يجب أنْ ينخرط في تنظيم محدد ويخضع لانضباطه. وعلى هذا الأساس، فإنَّ دور اليسار ليس أنْ يراقب النضالات من الخارج أو يصدر عليها الأحكام، بل أنْ يعيد تموضعه داخلها بوصفه قوة منظمة، تنخرط في تناقضاتها كما هي، لا كما ينبغي أنْ تكون. فالتغيير لا ينتج عن القرب الرمزي أو التأييد النظري، بل عن الاندماج العملي في بنية الصراع، حيث يتحوَّل الانخراط من موقف إلى ممارسة، ومن تعاطف إلى فعل سياسي مُنظَّم قادر على التأثير والتوجيه.
[1] يشير مفهوم الإمبريالية التحتية إلى شكل من أشكال القوة التي تحصل عليها الشركات التقنية عبر تصميم خصائص التكنولوجيا المقدَّمة للجمهور، بحيث تستطيع - من خلال الإعدادات الافتراضية وبنية النظام - توسيع نفوذها وفرض رؤيتها للعالم وتوجيه سلوك المستخدمين.
de Rivera, Javier. «Siva Vaidhyanathan, The Googlization of Everything (And Why We Should Worry).» International Journal of Communication 7 (2013): 5-5.
متاح على الرابط التالي: https://ijoc.org/index.php/ijoc/article/view/2422/986
[2] Araghchi, Seyed Abbas (1996) The evolution of the concept of political participation in twentieth-century Islamic political thought. Doctor of Philosophy (PhD) thesis, University of Kent, p:204.
[3] جورج حبش، التجربة النضالية الفلسطينية: حوار شامل مع جورج حبش (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ١٩٩٨)، ص ٨٧-88.
[4] انظر: فلاديمير لينين، خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء، ت: (إلياس شاهين)، (دار التقدم- موسكو)، ص 65–68.