هوامش
شريف إمامالأرشيف في مصر من الدفترخانة إلى دار الوثائق القومية دراسة تاريخية تحليلية (1)
2026.05.02
الأرشيف في مصر من الدفترخانة إلى دار الوثائق القومية
دراسة تاريخية تحليلية
(1)
يعود تاريخ التوثيق في مصر إلى عصور سحيقة؛ حيث ارتبط التدوين منذ بداياته ببنية السلطة ذاتها، لا بمجرد حفظ المعلومات. فقد أدركت الدولة في مصر القديمة أن السيطرة على الواقع تمر عبر السيطرة على تسجيله، بحيث غدت الكتابة أداة قانونية وسياسية، إذ إن ما لا يُدوَّن لا يُعتدُّ بوجوده. وتجلى هذا الوعي في المكانة المركزية التي احتلها "الكاتب" داخل الدولة الفرعونية؛ إذ لم يكن مجرد ناسخ، بل جزءاً من النخبة الحاكمة التي تجمع بين المعرفة والإدارة والقضاء. كما تكشف مؤسسات التوثيق القديمة، مثل "بيت التحريرات الملكية" و"بيت المكاتبات"، عن تنظيم إداري متقدم، يعكس إدراكاً مبكراً لوظيفة الوثيقة بوصفها أداة لضبط الدولة وربط أجهزتها، فضلاً عن كونها ذاكرة قانونية قابلة للاستدعاء.
ومع العصور البطلمية والرومانية، توسع نطاق الأرشيف ليشمل الأقاليم، في إطار يعكس اتساع الدولة وتعقّد إدارتها، مع بروز وعي تنظيمي متقدم بتصنيف الوثائق وحفظها. ثم جاء العصر الإسلامي ليعيد توظيف هذا الإرث داخل بنية إدارية مركزية، تجسدت في "ديوان الإنشاء"، الذي أصبح أداة لإنتاج المراسلات الرسمية وضبط تدفق المعلومات بين السلطة وبقية أجهزة الدولة.
وفي العصر الفاطمي بلغ التوثيق مستوى أكثر تركيباً؛ فلم يقتصر على الحفظ، بل شمل التلخيص والفهرسة وإعادة صياغة المحتوى، بما يعكس تدخلاً مباشراً في تشكيل المعرفة المقدمة للسلطة. أما في العصر العثماني، فإن تعدد الدواوين المنتجة للوثائق عكس -من جهة- تطوراً إدارياً، ومن جهة أخرى تشتتاً نسبياً في مركزية إنتاج الوثيقة داخل الدولة. بهذا يتضح أن التوثيق في مصر لم يكن مجرد ممارسة إدارية، بل كان دائماً جزءاً من آليات الحكم وإنتاج المعرفة وتنظيم السلطة عبر العصور.
الأرشيف والدولة الحديثة في مصر: بين الضبط الإداري وإنتاج المعرفة
يكشف تتبّع نشأة مؤسسات المعلومات والأرشيف في مصر الحديثة أن ظهورها لم يكن استجابةً لحاجة إدارية محضة، بل جاء مرتبطاً على نحو وثيق بمشروع السلطة السياسية في بناء الدولة وإحكام السيطرة عليها. فقد سعت الدولة، منذ بدايات القرن التاسع عشر، إلى حصر مواردها وضبطها من جهة، وإلى التحكم في السردية التي ستُكتب عنها من جهة أخرى. وبذلك لم يعد التوثيق مجرد وسيلة لحفظ الوقائع، بل أصبح أداة مزدوجة: لتنظيم الفعل السياسي، وللتحكم في تأريخه.
في هذا السياق، أقام محمد علي نظام حكمه على مركزية صارمة تقوم على مبدأين متكاملين: إخضاع كل مسألة للفحص داخل أجهزة الدولة، واحتكار القرار النهائي في يد الحاكم. غير أن هذه المركزية لم تكن لتتحقق دون جهاز إداري قادر على حفظ الوثائق وتنظيمها وإتاحتها عند الحاجة. فقد كانت الممارسة السابقة تقوم على احتفاظ الموظفين بالوثائق في حوزتهم الشخصية، وهو ما أدى إلى تفكك الذاكرة الإدارية واضطراب العمل الحكومي. ومن هنا، جاء إنشاء "ديوان الدفترخانة" عام 1829 بوصفه خطوة حاسمة في نقل الوثيقة من المجال الفردي إلى المجال المؤسسي.
غير أن أهمية الدفترخانة لم تكن في جمع الوثائق فحسب، بل في إعادة تعريف علاقتها بالسلطة؛ إذ أصبحت الوثائق تُستخدم بوصفها أداة لحصر موارد الدولة وتحليلها، ومن ثم توظيفها في خدمة مشروعها السياسي. كما أن تمركزها داخل القلعة يعكس بوضوح نزعة احتكارية للمعرفة، حيث تُحاط الوثائق بسياج السلطة، وتُتاح فقط لمن يخدمونها. ومن ثم، يمكن القول إن الأرشيف في هذه المرحلة لم يكن مجرد مخزن للذاكرة، بل كان أحد أدوات إنتاج السلطة ذاتها.
وقد جاءت لائحة 1830 لتؤسس إطاراً تنظيمياً لهذا الجهاز؛ حيث ألزمت الدواوين بإرسال دفاترها سنوياً، ومنحت أمين الدفترخانة سلطة متابعة ذلك. إلا أن اللافت في هذه اللائحة هو اعتمادها على آليات قسرية لضمان الامتثال، إذ نصّت على معاقبة المتقاعسين بعقوبات بدنية، وهو ما يكشف أن عملية بناء الأرشيف ارتبطت بفرض الانضباط الإداري بالقوة، وأن الوثيقة لم تكن مجرد وسيلة تنظيم، بل أداة رقابة ومساءلة.
ورغم هذه الجهود، واجهت الدفترخانة منذ وقت مبكر أزمة تكدّس الوثائق، نتيجة غياب معايير واضحة للتمييز بين ما يجب حفظه وما يمكن الاستغناء عنه. وقد مثّل استدعاء الخبير الفرنسي "روسيه" نقطة تحول، إذ أشار إلى أن المشكلة لا تكمن في كثرة الوثائق فحسب، بل في غياب نظام لتقييمها. ومن هنا جاءت لائحة 1846 لتضع أسساً أولية لما يمكن اعتباره وعياً أرشيفياً حديثاً، يقوم على التمييز بين الحفظ الدائم والمؤقت، وعلى استبعاد الوثائق غير ذات القيمة. ومع ذلك، ظل هذا التطور محكوماً باعتبارات الدولة، ولم يتجه نحو إتاحة الوثائق بوصفها مورداً عاماً.
كما تكشف الصعوبات التي واجهت عملية جمع الوثائق عن وجود مقاومة ضمنية من جانب النخبة البيروقراطية في الأقاليم؛ فامتناع النظار والباشكتاب عن إرسال السجلات لا يمكن تفسيره فقط بالتقصير، بل يعكس تمسكهم بدرجة من السيطرة المحلية على المعلومات. ومن ثم، فإن بناء الأرشيف المركزي كان جزءاً من صراع أوسع بين المركز والأطراف حول احتكار المعرفة والسلطة.
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أدت قرارات إدارية متتابعة في عهدي سعيد باشا والخديوي إسماعيل إلى تدفق كميات هائلة من الوثائق إلى الدفترخانة، دون تطوير موازٍ لقدرات الحفظ والتنظيم. فاضطرت الدولة إلى استخدام أماكن غير مهيأة، مثل المخازن وغرف السجون، مما حوّل الأرشيف من أداة للضبط إلى عبء إداري. كما أن التراجع عن بعض القرارات، مثل إلغاء دفترخانات المديريات ثم إعادة العمل بها، يعكس غياب رؤية مستقرة لإدارة الوثائق.
وفي الوقت ذاته، أدّى ضعف الوعي بقيمة الوثائق وغياب التشريعات الحامية إلى تسرب عدد كبير من المخطوطات إلى الخارج، خاصة مع نشاط الأوروبيين في جمع التراث، وهو ما يكشف مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي كانت الدولة تسعى فيه لإحكام السيطرة على وثائقها داخلياً، كانت تفقد جزءاً مهماً من ذاكرتها خارج حدودها.
ومع نهاية القرن، شهدت الدفترخانة -التي أصبحت تُعرف بـ"دار المحفوظات العمومية"- تطوراً ملحوظاً مع صدور لائحة 1895 في عهد عباس حلمي الثاني؛ حيث تم تصنيف الوثائق إلى فئات وفق أهميتها، مع التمييز بين ما يُحفظ مؤقتاً وما يُحفظ بشكل دائم. وقد مثّل هذا التحول خطوة نحو إدراك القيمة التاريخية والعلمية للوثائق، لا مجرد قيمتها الإدارية. غير أن هذا الإدراك ظل محدوداً بإطار الدولة؛ حيث بقيت الوثائق خاضعة لمنطق المنفعة الرسمية، لا لحق المجتمع في المعرفة.
يمكن، في ضوء ذلك، القول إن نشأة الأرشيف في مصر الحديثة لم تكن مجرد تطور إداري، بل كانت جزءاً من مشروع أوسع لبناء الدولة المركزية؛ حيث أصبحت الوثيقة أداة للسيطرة على الموارد، وضبط البيروقراطية، وإنتاج المعرفة الرسمية. غير أن هذا المشروع ظل محكوماً بتوترات داخلية، بين التنظيم والفوضى، وبين المركز والأطراف، وبين الحفظ والإهمال، وهو ما يعكس حدود قدرة الدولة على التحكم الكامل في ذاكرتها.