هوامش
نجلاء عبد الجوادفلسطين في مونديال 2026: كيف تحولت المدرجات إلى استفتاء شعبي لرفض التطبيع؟
2026.07.04
فلسطين في مونديال 2026:
كيف تحولت المدرجات إلى استفتاء شعبي لرفض التطبيع؟
لم تعد مدرجات كأس العالم 2026 مجرد فضاء اعتيادي لمتابعة المباريات وتشجيع المنتخبات المتنافسة على اللقب الأغلى في عالم كرة القدم، بل تحولت إلى مرآة كاشفة للمزاج الشعبي العام تجاه إحدى أكثر قضايا العالم حساسية: القضية الفلسطينية. منذ الأيام الأولى للبطولة، التي استضافتها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، برز حضور لافت وعفوي للعلم الفلسطيني في المدرجات. ولم يقتصر هذا المشهد على جمهور منتخب بعينه، بل شمل جماهير عربية وإسلامية ودولية متنوعة. لقد فرض هذا الحضور نفسه بقوة على الشاشات ووسائل الإعلام العالمية، متزامناً مع استمرار الحرب على قطاع غزة - المندلعة منذ السابع من أكتوبر 2023 - والتي لا تزال تلقي بظلالها الإنسانية والسياسية الثقيلة على الوعي الجمعي لملايين المتابعين في كل أرجاء العالم.
لقطة حسام حسن: حين يتجاوز النصر حدود المستطيل الأخضر
بلغ هذا الحضور الرمزي ذروته في لحظة استثنائية رافقت التأهل التاريخي للمنتخب المصري إلى دور الستة عشر، عقب فوزه المثير على نظيره الأسترالي بركلات الترجيح في دور الاثنين وثلاثين. فبدلاً من الاكتفاء بالاحتفال الفني والرياضي بالإنجاز غير المسبوق، بادر المدير الفني للمنتخب المصري، "حسام حسن"، إلى حمل العلم الفلسطيني والدوران به في أرض الملعب، أمام عدسات الكاميرات التي نقلت اللحظة لملايين المشاهدين حول العالم.
ولم تتوقف مبادرة المدرب المصري عند هذه اللفتة البصرية، بل أتبعها بتصريحات قوية أهدى فيها هذا الانتصار والتأهل التاريخي إلى الشعب المصري وإلى "الشعب الفلسطيني الطيب الكريم". وعبّر حسن بكلماته عن تعاطف عميق مع معاناة الفلسطينيين جراء الحرب المستمرة، مترحماً على شهداء قطاع غزة.
أضفت هذه التصريحات، الصادرة عن مدرب يقود منتخباً وطنياً في أكبر محفل رياضي عالمي، بُعداً يتجاوز الرياضة ليلامس فضاء الرأي العام والتضامن الإنساني. وسرعان ما انتقلت الصورة من عشب الملعب لتتصدر الصفحات الأولى للصحف العالمية، وشاشات القنوات الفضائية، ومنصات التواصل الاجتماعي. وقد رصدت وكالات الأنباء والصحف الدولية هذا المشهد ضمن تغطيتها للإنجاز المصري، مبرزة أن رفع العلم الفلسطيني وإهداء الانتصار للفلسطينيين كانا الحدث الأبرز عقب صافرة النهاية، لتُرافق تلك الصورة خبر التأهل أينما نُشر.
هكذا، تحولت اللقطة من مجرد خبر رياضي عابر إلى مادة تحليلية دسمة للمنصات الإخبارية العامة، مما يعكس إدراكاً إعلامياً متزايداً بأن الرياضة لم تعد معزولة عن قضايا السياسة وحقوق الإنسان، وأن دمج الإنجاز الرياضي بالموقف الإنساني كفيل بصناعة حدث عالمي مستقل يُقرأ من زوايا متعددة. وفي السياق ذاته، حظيت هذه الأحداث بمتابعة واسعة وحثيثة من قِبل الإعلام العربي والفضائيات، التي أفردت تقارير مطولة لتغطية تفاصيل حضور العلم الفلسطيني على هامش البطولة بشكل شبه يومي.
سقوط حراس البوابة: الهواتف الذكية تكسر الرقابة
إن تداخل الرياضة بالسياسة فيما يخص القضية الفلسطينية ليس بجديد؛ إذ طالما شهدت بطولات قارية ودولية مواقف تضامنية أو رفضاً لمواجهة رياضيين إسرائيليين. غير أن ما ميز نسخة 2026 هو الانتشار الهائل وغير المسبوق لهذه المواقف، والذي يُعزى بالأساس إلى ثورة الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. فقد مكنت هذه الأدوات ملايين المشجعين من توثيق اللحظات وبثها فوراً لجمهور عالمي، متجاوزين بذلك أي رقابة تحريرية مسبقة، ومقوضين قدرة الاتحادات الرياضية والحكومات والجهات الإعلامية على السيطرة على السردية العامة للمشهد.
وفي مشهد موازٍ يعكس عمق الترابط الوجداني ووحدة المصير، ضجت منصات التواصل بمقاطع فيديو توثق احتفال الفلسطينيين في قطاع غزة بتأهل المنتخب المصري. وتابع الغزيون المباريات وسط الخيام وركام الدمار الذي خلفته الحرب القاسية، معبرين عن فرحتهم بهتافات ورفع للأعلام، حيث رُحب بموقف "حسام حسن" وطاقمه ترحيباً كبيراً في الداخل الفلسطيني. هذا التناقض الصارخ بين الفرح العفوي وواقع الحصار أضفى بُعداً إنسانياً إضافياً على اللقطة، لتُترجم كفرحة نادرة تتقاطع مع مأساة مستمرة منذ أكثر من عامين.
وإلى جانب ذلك، لعب نجوم الرياضة العرب من لاعبين ومعلقين بارزين دوراً حاسماً في تكريس هذا الحضور عبر تصريحات ومواقف علنية حظيت بصدى واسع يفوق أحياناً البيانات السياسية الرسمية. كما ساهمت الجاليات العربية والإسلامية المتواجدة بكثافة في الدول المضيفة الثلاث في تعزيز هذا الزخم الجماهيري من خلال رفع الأعلام الفلسطينية وترديد الهتافات الداعمة في المدرجات.
المقاومة الرمزية.. واتساع الفجوة بين الأنظمة والشعوب
على امتداد أسابيعها الأولى، شهدت البطولة ظاهرة أوسع تجلت في الرفض الجماهيري الصريح للتطبيع الرمزي مع إسرائيل. فقد أظهرت مقاطع فيديو تدخل طاقم تنظيمي لنزع علم إسرائيلي من يد مشجع خلال مباراة الافتتاح لمنتخب إيران، بينما ظلت الأعلام الفلسطينية ترفرف في المكان ذاته دون تدخل من المنظمين. وتكرر هذا الرفض في الملاعب والساحات العامة من نيويورك إلى لوس أنجلوس مروراً بالمكسيك، حيث تصدت جماهير غفيرة لمحاولات رفع العلم الإسرائيلي عبر مصادرته أو إنزاله، في مقابل احتفاء واسع بالأعلام الفلسطينية. وقد شكل هذا مؤشراً جلياً على انحياز جماهير المونديال التي اختارت دعم فلسطين، محولةً الساحات إلى منصة عالمية غير رسمية للتنديد بسياسات الاحتلال.
في المقابل، أثار المشهد - لا سيما لقطة حسام حسن - غضباً واسعاً وانتقاداً في الأوساط الإعلامية والسياسية الإسرائيلية. وعبّر مسؤولون حكوميون وصحفيون هناك عن استيائهم من تحول المونديال لمنصة سياسية مناهضة لإسرائيل، واعتبروا تصرف المدرب المصري "مهيناً"، داعين إلى تمني خسارة مصر في مبارياتها اللاحقة. هذا التباين الحاد بين الاحتفاء العربي والإسلامي والدولي، والغضب الإسرائيلي، يبرهن على أن القضية الفلسطينية تظل خط تماس بالغ الحساسية حتى في الفضاءات الرياضية.
وتكشف هذه التفاعلات الجماهيرية عن فجوة شاسعة بين التوجهات الرسمية للأنظمة والمزاج الشعب . ففي الوقت الذي تسعى فيه أطراف دولية - وفي مقدمتها الولايات المتحدة المضيفة - لتكريس التطبيع مع إسرائيل عبر اتفاقيات ومبادرات دبلوماسية متعددة، تُعبر الجماهير بوضوح عن رفضها القاطع لأي شكل من أشكال التطبيع في ظل استمرار الحرب واعتداءات المستوطنين بالضفة الغربية. ويكتسب هذا الرفض دلالة عميقة بحدوثه بكثافة داخل الولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي الأبرز لإسرائيل، مما يثبت أن الرأي العام الشعبي لا يصطف بالضرورة خلف السياسات الرسمية لحكومته. لقد أثبتت الجماهير أن محاولات كسر الجليد السياسي وتمرير التطبيع عبر بوابة الرياضة لم تحقق الاختراق المنشود في الوجدان الشعبي العريض.
الملاعب كنافذة لقياس الإرادة الشعبية
تؤكد قواعد علم الاجتماع الرياضي أن الملاعب الكبرى تُعد نافذة نادرة واستثنائية لقياس اتجاهات الرأي العام بعيداً عن الأطر والقنوات الرسمية. فحين تعبر ملايين الحشود المتنوعة عفوياً عن موقف موحد دون تنسيق أو توجيه مسبق، فإن ذلك يُفرز مؤشراً صادقاً للمزاج الشعبي العا . وقد ساعد التحول الرقمي في صناعة الإعلام الرياضي على كسر احتكار السردية؛ إذ بات مقطع فيديو واحد يصوره مشجع بهاتفه قادراً على صناعة حدث وإحداث صدى إعلامي وسياسي يوازي في تأثيره التصريحات الرسمية لكبار المسؤولين.
إن جيل الشباب الجديد، بفضل اطلاعه الواسع عبر منصات التواصل على تفاصيل القضية الفلسطينية وتطورات الحرب، بات أكثر ميلاً وجرأة في التعبير عن مواقفه السياسية والإنسانية. وهي مواقف تتجاوز أسوار الملعب لتطرق أبواب صناع القرار، وتذكرهم بحق الشعوب في إعلاء قيم الحرية والعدالة مهما بلغت سطوة الاتفاقيات.
في المحصلة، رسخ مونديال 2026 نفسه - بمعزل عن نتائجه الفنية - كمحطة فارقة في تاريخ التفاعل بين الرياضة والقضايا الإنسانية، واضعاً ساسة العالم أمام استحقاق حقيقي للتعامل مع هذا الرفض الجماهيري الممتد. لقد تحول العلم الفلسطيني من مجرد قطعة قماش ترفرف في مدرج كروي إلى رسالة عالمية تؤكد أن القضية العادلة لا تزال تنبض في ضمير الشعوب وتحرك الوجدان الإنساني، عابرةً لكل حسابات السياسة والدبلوماسية الرسمية الموجهة.