عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

نجلاء عبد الجواد

الأُميَّة العاطفية: جذور الصمت والتبعية

2026.06.27

الأُميَّة العاطفية: جذور الصمت والتبعية

 

في الزحام اليومي للمدن وبين الاجتماعات والمواعيد ورسائل العمل، يمشي ملايين البشر جنبًا إلى جنب وهم يحملون في صدورهم أثقالًا لم تجد يومًا طريقها إلى الكلام، لا أحد يمنعهم قانونًا من البوح، ولا رقيب يقف على أبوابهم ليصادر كلماتهم، ومع ذلك يُفضِّل أغلبهم الصمتَ على المُكاشفة، والابتسامة المُصطنعة على الدمعة الصادقة، هذا التناقض الصارخ بين حرية التعبير المتاحة نظريًّا، والعجز الفعلي عن استخدامها، هو ما يطلق عليه الباحثون في علم النفس الاجتماعي مُصطلح «الأمية العاطفية» وهي ظاهرة لا تقل خطورةً عن الأُميَّة الأبجدية، رغم أنَّها أقل ظهورًا وأقل اعترافًا بها.

إنَّ الأُميَّة العاطفية لا تعني غياب المشاعر، فالإنسان بطبيعته كائن شعوري يفرح ويحزن ويغضب ويخاف، بل تعني العجز عن التعرُّف على هذه المشاعر وتسميتها بدقة، ثم العجز الأكبر عن التعبير عنها بطريقة صحية أمام الآخرين، فالشخص الذي يقول «أنا تعبان» بينما يعتصره القلق أو يقول «كله تمام» بينما يغرقه الحزن، إنما يعاني من فقر في المفردات العاطفية أشبه بمَن يحاول وصف لوحة ألوان لا يعرف أسماءها، هذا الفقر ليس فطريًّا، بل هو نتاج تراكمي لبيئة لم تُعلِّم الفرد كيف يقرأ داخله، ولم تمنحه يومًا الفرصة ليُجرِّب الكلام بصوت مسموع دون أنْ يدفع ثمن ذلك خجلًا أو لومًا أو سخرية.

جذور هذه الظاهرة تمتد إلى التنشئة الأولى، حيث يكبر كثير من الأطفال على عبارات مثل «الرجال لا يبكون» أو «عيب تتكلمي عن مشاعرك»، فتتشكَّل لديهم قناعة مبكرة بأنَّ المشاعر عبء يجب إخفاؤه لا تجربة يجب فهمها. وتضاف إلى ذلك منظومة تعليمية تركِّز على الحفظ والتحصيل وتُغفل تمامًا تعليم الذكاء العاطفي ومهارات التعبير، فيتخرج الفرد متمكِّنًا من حلِّ المعادلات وعاجزًا عن وصف ما يشعر به في لحظة فقدان أو خيبة، كذلك تلعب الثقافة الجمعية دورًا حاسمًا، إذ ما زال الحديث عن المشاعر، خصوصًا عند الرجال، يصنَّف في خانة «الضعف»، بينما يُصنَّف عند النساء أحيانًا في خانة «الدراما» والمبالغة، فيختار الجميع الصمت اتقاءً لوصمة لا رغبة فيها، ولا يمكن إغفال دور وسائل التواصل الاجتماعي التي خلقت نسخةً مصقولةً وزائفةً من الحياة تدفع الناس إلى عرض السعادة الدائمة وكتمان كل ما عداها، حتى صار التظاهر بالاتزان مهارةً اجتماعيةً مطلوبةً، بينما صارت المكاشفة الحقيقية نوعًا من المجازفة.

وحين تُحبَس المشاعر طويلًا فإنَّها لا تختفي، بل تبحث عن منفذ آخر غالبًا ما يكون أكثر إيلامًا، فالقلق المكبوت يتحوَّل إلى توتر جسدي مزمن وصداع وآلام في المعدة، والحزن غير المُعترَف به يتسلَّل إلى الجسد، فيظهر في صورة إرهاق دائم وفقدان للحيوية، والغضب الذي لم يجد طريقه إلى الكلمة الهادئة ينفجر فجأةً في صورة عدوانية أو انسحاب كامل من العلاقات، وتشير دراسات عديدة في الصحة النفسية إلى أنَّ العجز عن التعبير عن الانفعالات، وهو ما يعرف بـ«العمى الوجداني»، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بزيادة معدلات القلق والاكتئاب، ويضعف قدرة الفرد على بناء علاقات حميمة وصادقة؛ لأنَّه ببساطة لا يستطيع أنْ يمنح الآخر ما لا يملكه هو من وضوح داخلي.

وما يصيب الفرد لا يبقى حبيسًا داخله، بل يمتد ليُشكِّل نسيج المجتمع كله، فمجتمع يتكوَّن من أفراد عاجزين عن التعبير الصحي عن غضبهم وخوفهم وحزنهم هو مجتمع مهيأ لأن تتحوَّل خلافاته الصغيرة إلى نزاعات كبيرة، ويستبدل الحوار فيحل محله الصراخ أو القطيعة، وتنتقل هذه الأُميَّة العاطفية من جيل إلى جيل بصمت، فالأب الذي لم يتعلَّم يومًا كيف يقول لابنه «أنا قلق عليك» يربي ابنًا يكرِّر النمط ذاته مع أولاده، وهكذا تتوارث الأسر دائرة الصمت دون أنْ تنتبه إليها، كما تنعكس هذه الظاهرة على بيئات العمل، حيث يُفضِّل كثيرٌ من الموظفين كتمان احتراقهم النفسي خشية أنْ يُفسَّر ذلك ضعفًا مهنيًّا، فتتراكم الضغوط حتى تنفجر في صورة استقالات مفاجئة أو أداء متراجع لا يفهم أحد سببه الحقيقي.

وفي ظلِّ هذا الواقع، اتجهت دراسات علم النفس في الآونة الأخيرة إلى ما يُسمى «علم النفس الإيجابي»، باعتباره استجابةً علميةً لحاجة إنسانية ملحة، فأصبح إنسان هذا العصر بأَمسِّ الحاجة إلى مَن ينظِّم له علاقته بنفسه وعلاقاته بالآخرين، بعدما طغت المادة على المشاعر ليساير مُتطلبات العصر الحالي الذي يتسم بالسرعة، وليواكب عجلة الحياة المتسارعة، فيهيمن الجانب العقلي ردحًا من الزمن ويُهمل الإنسان مشاعره ومكنوناته الداخلية؛ مما أدى إلى انتشار ما يمكن تسميتها «الأمية الوجدانية» حتى صار الجمود العاطفي والخواء الداخلي وسيطرة الجانب المادي من أبرز سمات عصر وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضي، حيث تتضخَّم الصورة وتتقلص خلفها المشاعر الحقيقية.

إلى أنْ جاء الوقت الذي لم يعد فيه الذكاء العقلي وحده كافيًا لحل الأزمات ومواكبة المُستجدات المُتلاحقة، فبدأت نظرة الإنسان إلى ذاته في التغيُّر، انطلاقًا من أنَّ الإنسانية تكمن أكثر ما تكمن في المشاعر والانفعالات، دون أنْ يعني ذلك إهمال التفكير أو التقليل من شأن العقل، بل إعادة الاعتبار للمشاعر إلى جانبه لا بديلًا عنه، وهنا ظهر إلى الوجود ما يعرف بـ«الذكاء الوجداني»، ليُحوِّل علاقة الصراع التاريخي بين العاطفة والعقل إلى علاقة تكامل وانسجام، فكان بمثابة طوق النجاة ومشروع النهضة للإنسان القادر على فهم ذاته وضبطها والتحكُّم بانفعالاته وبناء القدرة على التواصل وجدانيًّا مع الآخرين، بما يساعده على حُسن التَّصرُّف في المواقف الاجتماعية الصعبة، ويحقِّق له الانسجام الوجداني والاجتماعي معًا.

ويُعدُّ التَّصوُّر الذي قدَّمه عالم النفس الأمريكي Daniel Coleman دانيال كولمان للذكاء الانفعالي من أكثر النماذج تأثيرًا في هذا المجال، إذ يرى أنَّ هذا الذكاء يتكوَّن من 5 قدرات أساسية هي: وعي الذات وإدراك الانفعالات لحظة حدوثها، والتَّحكم في هذه الانفعالات وضبط ردود الفعل تجاهها، ودفع الذات وتحفيزها نحو الإنجاز رغم الإحباطات، والتعاطف مع الآخرين وفهم مشاعرهم من زاويتهم هم لا من زاوية الذات، وأخيرًا القدرة على إقامة علاقات اجتماعية ناجحة قائمة على هذا الفهم المتبادل.

وتكمن أهمية هذا النموذج في كونه حوَّل الذكاء الوجداني من فكرة مجردة إلى مهارات قابلة للقياس والتعلم والتطوير وليس موهبة فطرية يولد بها بعض الناس دون بعض.

وفي ضوء هذا التَّصوُّر تُثبت تجارب المجتمعات التي اهتمت بما تُسمى «الثقافة العاطفية» أو «الذكاء الوجداني» أنَّ تعليم الناس كيف يسمون مشاعرهم ويعبِّرون عنها ليس ترفًا نفسيًّا، بل استثمار مباشر في الصحة العامة والتماسك الاجتماعي، فالفرد الذي يعرف كيف يقول: «أنا محبط الآن» بدل أنْ يصرخ أو ينسحب يحمي نفسه من تراكم الضغط ويحمي علاقاته من سوء الفهم المتكرِّر، والمجتمع الذي يطبع الحديث عن المشاعر في مدارسه وبيوته وإعلامه يقلل تدريجيًّا من معدلات العنف الأسري والمدرسي، ويخفف العبء عن منظومته الصحية التي تتحمَّل اليوم كلفةً باهظةً لاضطرابات نفسية كان يمكن الوقاية من كثير منها بالكلمة في وقتها بدل الدواء بعد فوات الأوان.

وإذا كانت أهمية الذكاء الوجداني تكمن في كونه الأساس الذي يقوم عليه التوازن النفسي والاجتماعي للفرد فإنَّ بناءه لا يتم في فراغ، بل عبر ثلاث مؤسسات تربوية متعاقبة تتشارك المسؤولية في محو الأمية العاطفية وتشكيل مكونات هذا الذكاء لدى الفرد منذ نعومة أظفاره، فالأسرة هي المدرسة الأولى للمشاعر، فيها يتعلَّم الطفل أبجدية الإحساس قبل أبجدية الحروف، ومنها يكتسب نموذجه الأول عن كيفية التعامل مع الغضب والخوف والحزن، ثم تأتي المدرسة لتؤدي دورًا موازيًا، فهي بيئة اجتماعية مصغَّرة يمارس فيها الطالب أولى تجاربه في التفاوض والتعاطف وضبط النفس أمام أقرانه ومعلميه، أما جماعة الرفاق وهي الحلقة الثالثة في هذه المنظومة، فلها أثر بالغ خصوصًا في مرحلتَي المراهقة والشباب، إذ يجد فيها الفرد مساحةً يختبر فيها هويته العاطفية بعيدًا عن سلطة الكبار، فإما أنْ تعززها أو ترهبه أن يكشف عنها، وحين تتضافر هذه المؤسسات الثلاث على فهم المشاعر بدل قمعها يكبر الفرد وهو يمتلك رصيدًا وجدانيًّا يحميه من الأمية العاطفية، بدل أنْ يكبر وهو يحمل صمتًا موروثًا لا يعرف كيف يتخلص منه.

وإلى جانب هذا الدور التربوي المُبكِّر، يحتاج علاج الأميَّة العاطفية إلى خطوات مجتمعية أوسع تتجاوز جدران البيت والمدرسة، فالمجتمع بحاجة إلى نزع الوصمة عن طلب المساعدة النفسية بحيث تصبح زيارة معالج نفسي بمنزلة زيارة طبيب الأسنان خطوةً وقائيةً، وليس اعترافًا بالجنون.

ولوسائل الإعلام والمؤثرين دور محوري في هذا السياق، إذ كلما تحدثت شخصية عامة عن تجربتها الحقيقية مع القلق أو الفقد أو الفشل، منحت الآلاف غيرها الإذن الضمني بأنْ يفعلوا المثل، كما تحتاج المؤسسات والشركات إلى إعادة النظر في ثقافة العمل التي تكافئ كتمان الإرهاق وتعاقب الإفصاح عنه لتصبح أماكن العمل هي الأخرى مساحةً يمكن فيها الحديث عن حدود الطاقة النفسية دون خوف من الحكم على الكفاءة المهنية.

لكن المفردات وحدها لا تكفي ما لم تجد أذنًا تصغي وقلبًا لا يصدر حكمًا، فالبيئة الآمنة التي يحتاجها الناس لكي يعبِّروا عمّا بداخلهم تبدأ من الاستماع الحقيقي، ذلك الاستماع الذي لا يقاطع بالنصيحة الجاهزة ولا يستبق الكلام بحلول لم يطلبها أحد، بل يكتفي أولًا بأنْ يقول للطرف الآخر: «أفهم لماذا تشعر بهذا» فهذه الجملة البسيطة كفيلة بفتح أبواب ظلت موصدة سنوات، كما أنَّ القدوة لها أثر لا يضاهيه شيء، فحين يجرؤ أحد الوالدين أو المدير أو المُعلم على مشاركة لحظة ضعفه الإنسانية بصدق، يكسر بذلك جدارًا وهميًّا كان يوحي للجميع بأنَّ الكمال مطلوب وأنَّ الضعف عيب.

والأهم من كل ذلك هو أنْ يتعلم كل فرد منا أنْ يمنح نفسه أولًا هذا الإذن، فالأميَّة العاطفية لا تنتهي بانتظار مجتمع مثالي يرحِّب بمشاعرنا، بل تبدأ بخطوة فردية شجاعة، حين نقرِّر أنْ نسمي ما بداخلنا بصوت عالٍ، ولو كان المستمع الأوّل والأخير لذلك الصوت هو ذواتنا.

إنَّ الصمت الذي يبدو أحيانًا مهارةً اجتماعيةً متقنةً، ليس في حقيقته سوى جرح قديم تَعلَّمنا كيف نخفيه، وما يحتاجه الناس اليوم ليس مزيدًا من النصائح الجاهزة عن «ضرورة التعبير» بل مساحات حقيقية يشعرون فيها بالأمان الكافي لقول الحقيقة كما هي دون خوف من حكم أو سخرية أو استغلال، فحين نمنح بعضنا بعضًا هذا الإذن وحين نتعلم لغة قلوبنا كما تعلَّمنا لغة الحروف، سنكتشف أنَّ كثيرًا من أزماتنا النفسية والاجتماعية كان يمكن تفاديها، لو أنَّ أحدًا قال لنا يومًا: «تكلم.. أنا أسمعك».