هوامش
محمود هدهودالضياع في صحراء الملح: هل أخطأ ترامب في حساباته؟
2026.03.07
الضياع في صحراء الملح: هل أخطأ ترامب في حساباته؟
بعد احتجاز موظفي السفارة الأمريكية في طهران عقب الثورة الإسلامية، تقرَّر أنْ تنفِّذ «قوة دلتا» الأمريكية عملية إنقاذ تستهدف تحرير الرهائن الذين تجاوز عددهم 50 رهينة. اخترقت 8 مروحيات أمريكية الأجواء الإيرانية؛ بهدف إنزال القوة في صحراء الملح الإيرانية قرب طهران. لكن الظروف المناخية والأعطال أدت إلى سقوط 3 مروحيات من أصل 8، واستدعت قرارًا رئاسيًّا بوقف العملية. وصف آية الله الخميني ما حدث بأنًّه «تدخل من جند الله».
تعود الولايات المتحدة اليوم إلى صحراء الملح بقوة أكبر، ولكن ليس من الواضح بعد مدى دقة حساباتها، وهل هي أفضل في تلك العملية من عملية الإنقاذ التي أُطلق عليها وقتها عملية «مخلب النسر».
منذ الحرب العالمية الثانية، خاضت الولايات المتحدة 3 حروب رئيسية خارج أراضيها، فشلت كلها في إنجاز أهدافها الرئيسية.
شنَّت الولايات المتحدة حربها الأولى على فيتنام سنة ١٩٦٥ بعد تصعيد مستمر منذ مطلع الستينات على أمل إنقاذ النظام الفيتنامي الجنوبي المعادي للشيوعية من تمرد الفيت كونغ. افترضت الولايات المتحدة عمليةً سريعةً لا تستغرق أكثر من أشهر تعتمد على قصف جوي موسَّع يشبه في مداه التدميري أثر القصف النووي لهيروشيما وناجازاكي.
أطلقت الولايات المتحدة على عمليتها في ذلك الوقت اسم «البرق المتدحرج»، ودفعت بنحو نصف مليون جندي أمريكي إلى الغابات الفيتنامية على أمل تحقيق انتصار سريع وحاسم يُعوِّض الفشلَ التاريخيَّ في احتواء كوبا، لكن الحرب لم تفشل فحسب في تحقيق أهدافها، بل تحوَّلت إلى صدمة تاريخية للوجدان الإمبراطوري الأمريكي.
حلمت الولايات المتحدة بانتصارات سريعة أيضًا في أفغانستان سنة ٢٠٠١، وفي العراق سنة ٢٠٠٣، وبدت الشهور الأولى واعدة بحق، فلم يستغرق إسقاط صدام حسين وتفكيك النظام البعثي أكثر من أسابيع، كما أنَّ الطريق إلى كابل لم يستغرق أكثر من ذلك. لكن السنوات التالية حبلت بفشل استراتيجي مريع بالنسبة للولايات المتحدة. فقد عجزت الولايات المتحدة في البلدين ليس فقط عن إقامة أنظمة ديمقراطية أو حتى دول مستقرة أو أنظمة تابعة، بل سلّمت الولايات المتحدة البلدين لخصومها: «طالبان» في أفغانستان، وميليشيات الموالاة في العراق التي ترسل المسيّرات اليوم على القواعد الأمريكية في البلد الذي دمَّره الجيش الأمريكي على مدى عقود.
من التسرع أنْ نتوقَّعَ اليوم مآلات العملية الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران، لكن من المشروع أنْ نتصوَّرَ أنْ تقود تلك العملية إلى خسارة استراتيجية جديدة للولايات المتحدة في وقت لا تبدو فيه الولايات المتحدة في عنفوانها الذي يسمح لها بامتصاص الخسائر وتعويضها بانتصارات أكبر.
سقوط «السقوط السريع»
لا شك أنَّ إدارة دونالد ترامب ذهبت إلى الحرب في إيران حالمةً بعملية سريعة تحقِّق انتصارًا استعراضيًّا على غرار ما جرى في فنزويلا. وربما لعبت الوعود الاستخباراتية من قبل إسرائيل بقدرة الهجوم المشترك على تصفية الصف الأول من القيادات الإيرانية خلال ساعات دورها في إقناع الإدارة الأمريكية بهذا، بجانب النفوذ الهائل الذي تحظى به إسرائيل على دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، وعلى رأسها الرئيس الأمريكي بشخصه، بجانب أعوانه؛ ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر اللذين تحوم الشكوك حول نزاهتهما. وقدمت الاحتجاجات الشعبية الإيرانية من جهة أخرى حجة داعمة لاستعداد إيران للتغيير السياسي إثر الانكسار العسكري.
صادف سيناريو الانهيار السريع لإيران استشرافًا عربيًّا لهزيمة إيرانية سريعة، وهو استشراف تَشكَّل بفعل الإبادة الجماعية في قطاع غزة من جهة، وعملية «البيجرز» في جنوب لبنان من جهة أخرى. فقد أظهرت الإبادة في غزة الضريبة الدموية الهائلة للصمود في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، كما أظهرت «البيجرز» والاغتيالات الإسرائيلية في إيران ولبنان الهيمنة الاستخباراتية والعسكرية الكاملة لإسرائيل في مقابل الانكشاف الأمني المريع لإيران وحلفائها. كما عبَّرت الاحتجاجات الشعبية في إيران وسقوط نظام الأسد في سوريا عن افتقاد مشروع الثورة الإسلامية الإيرانية للشرعية الشعبية محليًّا وإقليميًّا.
غير أنَّ مجريات الأحداث في الأيام الأولى للحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران تبرِّر انفتاح الخيال السياسي على سيناريوهات بديلة. لقد بدأ التحالف الأمريكي - الإسرائيلي الحرب من نهايتها، فباغتيال المرشد الأعلى لإيران، جرى توجيه الضربة التي كان يُفترَض بها أن تكون قاصمةً لإيران. لكن إيران تمكَّنت من استيعاب الضربة كما ظهر في استمرار الهجمات الصاروخية وتصريحات المسؤولين الإيرانيين في اليوم التالي، كما لم تلُح علامات التمرد الشعبي قريبًا على الأقل في إطار العدوان.
في المقابل، تعاني الولايات المتحدة من ضغط الوقت في ظلِّ استنزاف الخزائن العسكرية الأمريكية في عملية مكلفة ماليًّا ولوجستيًّا، وما قد ينتج عن تلك الحرب من ضغوط تضخمية عالمية تستثير السخط الشعبي في الولايات المتحدة.
إنَّ استمرار تلك العملية لأسابيع، وانسحاب الولايات المتحدة منها دون أنْ تحقِّق أهدافًا ملموسة، سيقودان بالضرورة إلى ارتدادات سلبية تمامًا على شعبية الإدارة الحالية في الولايات المتحدة التي لم تدخل البيت الأبيض بوعود «أمريكا أولًا» حيث لا تورط في حروب خارجية، بل دخلت البيت الأبيض أيضًا بوعود براجماتية جذرية بتحقيق مكاسب سريعة ورخيصة بناءً على حسابات الصفقات القصيرة، وتجنب الفشل السياسي الذي ينتج عن تعقيد الحسابات الاستراتيجية.
تجذير إيران
في هذا الإطار يمكن تفهُّم نفي علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، تصريحات «الخارجية العمانية» عن مقترح إيراني مُقدَّم للولايات المتحدة بالعودة إلى المفاوضات، في تناقض مع تصريحات عباس عراقجي. فمن المرجح أنْ تقود العملية الأمريكية - الإسرائيلية إلى تجذير النظام الإيراني، وصعود الصقور مقابل إقصاء الطموح الإصلاحي للتوصُّل إلى تسوية مع الولايات المتحدة، خاصة بعد غدر إدارة ترامب الواضح بإيران في المفاوضات الأخيرة والتي قبلها.
نقلت «يديعوت أحرونوت» كذلك رفض النظام الإيراني عرضًا أمريكيًّا بوقف إطلاق النار قدَّمته الولايات المتحدة عبر إيطاليا. على إثر ذلك، أنهى وزير الدفاع الإيطالي زيارته العاجلة إلى الإمارات عائدًا إلى بلاده.
في المقابل، جرت تسمية الجنرال الإيراني أحمد وحيدي قائدًا لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وهو أحد الوجوه العسكرية الأشد راديكالية في إيران. يبدو إذن أنَّ تحالف الصقور قد يستغل الحرب ليس في تصديع النظام، بل في دعم تماسكه عبر تقويض أي تطلعات إصلاحية، ودفع البلاد نحو مزيد من الانغلاق والجذرية الثورية في مواجهة الغرب، بل وأيضًا في مواجهة الجيران العرب على الضفة الأخرى من الخليج، خاصة بعد تقارير أمريكية عن ضلوع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في التحريض على العدوان على إيران.
كان الهرم قد أصاب النظام الإيراني بوضوح، وتآكلت شرعيته على مدى السنوات السابقة، ولذلك لا يبدو الإصلاح تحت ضغط الضعف والهشاشة سوى خطوة نحو التفكيك والاستسلام، ولا يبقى من بديل بالنسبة لصقور النظام الإيراني سوى الاندفاع غير المتوقع نحو مزيد من المحافظة والراديكالية.
حرب الثلاثين عامًا
كانت حرب الثلاثين عامًا التي خاضتها القوى الأوروبية بين عامَي ١٦١٨ و١٦٤٨ أهم الصراعات العسكرية التي أفضت إلى تشكل أوروبا الحديثة. لم يتحقَّق ذلك بسبب انتصار أي من أطراف تلك الحرب، بل على العكس؛ بسبب الحالة الصراعية نفسها التي اتسمت بالفوضى الاستراتيجية وانتهت إلى إعادة تعريف القوى المختلفة لكينونتها السياسية. فقد بدأت الحرب صراعًا محليًّا داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة بين الإمبراطور الكاثوليكي والنبلاء البروتستانت في التشيك ضمن ما عرف بـ«الثورة البوهيمية»، ولكنها لم تلبث أن توسَّعت لتضم هولندا البروتستانتية الثائرة ضد إسبانيا الكاثوليكية، فضلًا عن انخراط موسَّع من قبل الإمارات الألمانية والإيطالية والممالك الاسكندنافية وفرنسا.
ربما تكون المعركة الجارية في إيران لحظةً ضمن صيرورة أوسع بدأتها هجمات السابع من أكتوبر، تنتهي إلى حرب إقليمية ممتدة ساخنة وباردة بين محاور إقليمية متنوعة وبين إسرائيل.
ما يشبه حرب الثلاثين عامًا هو أنَّ هذه الحرب ستستدعي على الأرجح انخراط أطراف إقليمية أخرى مثل تركيا وسوريا والخليج العربي ومصر، ويمكن رؤية بوادر ذلك في الهجمات الإيرانية على الخليج، والنوايا الإماراتية بالانخراط في الهجوم على إيران.
يدعم ذلك أنَّ كثيرًا من القضايا لا تزال عالقة، ليس أقلها مسألة سلاح المقاومة في جنوب لبنان وقطاع غزة. ففي سوريا، لا تزال المسألة الإسرائيلية الجنوبية تُشكِّل الحائل الأساسي أمام استقرار ونمو النظام السوري الجديد رغم ما قدَّمه من ضمانات حُسن النية تجاه الولايات المتحدة.
وفي اليمن، أظهرت جماعة أنصار الله الحوثيين قدرةً استثنائيةً على الصمود رغم عنف الضربات الأمريكية والإسرائيلية، والخصومة السعودية.
يمثل السودان وليبيا كذلك رمالًا متحركة يمكن أن تعيد تشكيل الاصطفافات الإقليمية بين عشية وضحاها كما جرى في ديسمبر الماضي بعد الشقاق السعودي - الإماراتي.
أما المتغير الأهم، فقد يتمثَّل في تحوُّل الموقف الأمريكي. تُظهِر استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تحولًا حاسمًا داخل قواعد الحزب الديمقراطي في الموقف من إسرائيل. أما في الحزب الجمهوري، فلا شك أنَّ الحرب الجارية نفسها ستسهم في تصعيد النقد الموجه تجاه النفوذ الإسرائيلي داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، ومساءلة الجدوى الأمريكية وراء هذا الانجرار وراء إسرائيل. يأتي هذا التحوُّل في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة نفسها جراء تقلب الأوضاع الاقتصادية العالمية، والأزمة الرأسمالية المحلية التي تَسبَّب بها التراكمُ غير المتوازن للثروة لدى نخب وادي السيليكون. كل ذلك قد يدفع الموقف الأمريكي إلى مناورات تضاعف السيولة الإقليمية في الشرق الأوسط.
يبدو إذن أنَّ الشرق الأوسط الجديد آخذ في التَّشكُّل، لكنه لا يستجيب إلى الخطط الإسرائيلية بشكل كامل، بل تسهم الأحداث المتضاربة والصمود غير المتوقع لقوى مهزومة في إعادة تشكيله وإنْ عبر بعثرة الخطط المنظمة.