هوامش
محمود هدهودعقيدة ترامب الإمبريالية.. وبنية المقاومة الجديدة
2026.02.07
عقيدة ترامب الإمبريالية.. وبنية المقاومة الجديدة
شهدت السياسة الخارجية الأمريكية انعطافة حادة ودراماتيكية مع تنفيذ عملية عسكرية مباشرة في فنزويلا، تكلّلت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما جوًّا إلى نيويورك لمواجهة اتهامات أمريكية، فيما وصفه الجيش الأمريكي بأنه عملية عالية المخاطر هدفت إلى تفكيك شبكات مزعومة لـ«الإرهاب المرتبط بالمخدرات» وخلخلة نظام مادورو. وقد تعرَّضت كاراكاس ومحيطها للقصف، وتمكَّنت القوات الأمريكية فعليًا من فرض سيطرة مؤقتة على أجزاء من البلاد.
جاء الإعلان عن اعتقال مادورو مصحوبًا برسالة أوسع؛ إذ أعلنت إدارة ترامب أنَّ الولايات المتحدة «ستتولى إدارة فنزويلا مؤقتًا»؛ لتسهيل مرحلة انتقال سياسي مع إنعاش قطاع النفط، في إشارة واضحة إلى الاستعداد للإبقاء على وجود عسكري أمريكي على الأراضي الفنزويلية. وقد قدَّم ترامب ومساعدوه العملية بوصفها جزءًا من جهد أوسع لإعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، مطلقين تسميات مثل «عقيدة دونرو» التي تستلهم عقيدة مونرو في القرن التاسع عشر، وتدفعها إلى مدى أبعد كثيرًا مما رمت إليه الأولى.
وأصدر ترامب وكبار المسؤولين الأمريكيين تحذيرات صارمة إلى دول الجوار. فقد جرى استهداف كوبا، الحليف التاريخي لفنزويلا، بوصفها هدفًا محتمَلًا تاليًا للهجوم الأمريكي، حيث انتقد وزير الخارجية، ماركو روبيو، دعم هافانا لمادورو، ملمِّحًا إلى أنَّ السلطات الكوبية «ينبغي أن تكون قلقة» إزاء نوايا الولايات المتحدة. وبالمثل، وُجِّهت انتقادات علنية إلى الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، إذ اتَّهم ترامب حكومته بتسهيل إنتاج المخدرات وتهريبها إلى الولايات المتحدة، وهي اتهامات رفضها بيترو بشدة، كما حذَّر ترامب في الوقت نفسه من احتمال اتخاذ إجراءات عسكرية مستقبلية إذا لم تُلبَّ المخاوف الأمريكية.
كما برزت المكسيك بدورها هدفًا لتهديدات أمريكية؛ ففي تصريحات تداولتها وسائل الإعلام الدولية، قال ترامب إنَّ «شيئًا ما يجب أن يُفعَل» حيال الأوضاع الأمنية الداخلية في المكسيك، رابطًا إياها بنشاط كارتلات المخدرات، ومشيرًا إلى استعداد لاتخاذ خطوات أكثر حزمًا ضد المكسيك إذا استمرَّ الوضع على حاله.
ولم تقتصر طموحات ترامب على أمريكا اللاتينية، بل امتدت شمالًا. ففي مقابلات وتصريحات عامة متعددة خلال عام 2025 ومطلع 2026، جدَّد ترامب تعبيره عن رغبته في أن تستحوذ الولايات المتحدة على جرينلاند، الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك. وقد قدَّم ترامب هذا الطموح بوصفه «ضرورةً استراتيجيةً للدفاع الأمريكي»، لا سيما في ظلِّ تنامي النشاط الروسي والصيني في القطب الشمالي. وقد قوبل تلميحه إلى الوسائل العسكرية بانتقادات حادة من قادة دنماركيين ومحليين في جرينلاند، شدَّدوا على أنَّ جرينلاند ليست معروضة للبيع، ويجب أنْ تبقى ذات سيادة تحت السلطة الدنماركية. كما أشار عالم السياسة يان بريمر إلى أنَّ هناك سعيًا جادًّا داخل الأوساط السياسية الأمريكية المؤيدة لترامب لضمّ كندا، مع طرح مقترحات لجعلها ولايةً أمريكيةً محتملةً.
إمبريالية دونرو
لقد أعربت الإدارة الأمريكية عن نواياها بوضوح، لكن لم يؤخذ ذلك على محمل الجد بما فيه الكفاية. هكذا يمكن وصف الحملة الأمريكية على فنزويلا، والتهديدات الجارية للجيران في الأمريكتين. ففي ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، وهي وثيقة تأسيسية تعيد تعريف كيفية تصور الولايات المتحدة لدورها في العالم، لا سيما في نصف الكرة الغربي. وعلى خلاف استراتيجيات الأمن القومي السابقة التي شدَّدت على بناء التحالفات والحفاظ على نظام دولي ذي قواعد محددة، تضع استراتيجية 2025 الهيمنة القارية المباشرة على النصف الغربي من الكرة الأرضية في صميم أولويات الولايات المتحدة. فهي ترفض صراحة المبدأ السائد بعد الحرب الباردة بأنَّ على الولايات المتحدة إدارة الأمن العالمي في كل مكان. وبدلًا من ذلك، تعلن أنَّ نصف الكرة الغربي نفسه هو خط الدفاع الرئيسي عن الوطن الأمريكي، ما يستدعي وضعيةً هجوميةً لحماية المصالح الجوهرية في هذه المنطقة.
في قلب هذا التحول تكمن إعادة إحياء وتوسيع «عقيدة مونرو»، مقرونة في الوثيقة بما تسميه الإدارة «تأطير ترامب». فقد صيغت العقيدة الأصلية تاريخيًا عام 1823 على يد الرئيس جيمس مونرو؛ لمنع القوى الأوروبية من التدخل في الدول المستقلة حديثًا في الأمريكتين، وكانت في جوهرها دفاعية، تستهدف الدفاع الجيوسياسي لا الغزو الإقليمي. ومنذ ذلك الحين، استحضرها أو وسَّعها قادة أمريكيون متعاقبون، لا سيما ثيودور روزفلت في مطلع القرن العشرين؛ حيث أعطى للولايات المتحدة دورًا شرطيًّا في المنطقة.
وتعرض استراتيجية 2025 «تأطير ترامب» بوصفه استعادةً وفرضًا للصدارة الأمريكية في نصف الكرة الغربي. وتعلن أنَّ الولايات المتحدة، بعد ما تصفه بعقود من الإهمال، ستمنع المنافسين من خارج الإقليم من التمركز بقواتهم، أو السيطرة على أصول استراتيجية رئيسية في المنطقة، وستستخدم القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية لضمان الهيمنة الأمريكية عليها. ويشمل ذلك إعادة الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، وتسريع الوصول إلى مواقع ذات أهمية استراتيجية، وتعزيز قدرات خفر السواحل والبحرية، واستهداف تدفقات الهجرة والمخدرات.
وبحسب نصِّ الاستراتيجية نفسه، تُحدِّد الاستراتيجية الأمريكية أهدافها في نصف الكرة الغربي في غايتين هما «التجنيد والتوسُّع». إذ تتعهَّد واشنطن بتجنيد شركاء إقليميين للمساعدة في إدارة تحديات أمنية؛ مثل تهريب المخدرات والهجرة، والتوسُّع في شراكات أمنية واقتصادية جديدة وبناء نفوذ أمريكي لترسيخ دورها. وتُبرِّر الوثيقة هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية «لحماية وطننا وضمان وصولنا إلى المناطق الرئيسية في مختلف أنحاء الإقليم».
ويشير هذا التوجه الاستراتيجي الجديد أيضًا إلى الطريقة التي برَّرت بها الإدارة تدخلها في فنزويلا. فقد استحضر الرئيس ترامب صراحةً «عقيدة مونرو» عند إعلانه أنَّ الإجراءات الأمريكية ضد حكومة الرئيس نيكولاس مادورو وروابطها المزعومة بشبكات إجرامية، هي إجراءات مبرَّرة بوصفها جزءًا من إنفاذ المصالح الأمنية الأمريكية في نصف الكرة الغربي. بل إنَّ الإدارة تبنَّت مصطلح «عقيدة دونرو» للإشارة إلى ما تعتبره تجديدًا مناسبًا للقرن الحادي والعشرين لهذه العقيدة، فالهيمنة الأمريكية في فضاء الأمريكتين «لن تكون موضع تساؤل مرة أخرى».
ورغم أنَّ الاستراتيجية تصوغ هذه السياسات نظريًا كجزء من رؤية «أمريكا أولًا» التي تتبناها إدارة ترامب، مدعية التركيز على تهديدات مباشرة مثل الهجرة وتهريب المخدرات، فإنها تقطع بحدة مع مبادئ السياسة الخارجية الأمريكية في العقود الأخيرة، إذ توسع اعتمادها على الوسائل العسكرية حتى في التدخل ضد دول ذات سيادة، وتحيي شكلًا من السيطرة الإمبريالية لم يُشهد منذ منتصف القرن العشرين. ويشير محللون إلى أنَّ هذا النهج لا يبرز القوة الإقليمية الأمريكية فحسب، بل يمثل أيضًا ابتعادًا عن الإجماع الدولي الليبرالي الذي حافظت عليه السياسة الأمريكية لعقود، لصالح عمل أحادي وسعي صريح للهيمنة الإقليمية.
ورغم ما تبدو عليه الصيغة الجديدة لـ«عقيدة مونرو» من نجاعة، فإنها قد تقوّض الاستقرار الإقليمي وتمثل تهديدًا للمصالح الأمريكية نفسها على المدى البعيد. فالتعامل مع الهجرة، والمنافسة الاقتصادية، والنفوذ العالمي بوصفها تهديدات وجودية تستدعي ردودًا عسكرية أو قسرية تنطوي على مخاطرة بخلق مقاومة إقليمية للمصالح الأمريكية في تلك البلدان القريبة من الولايات المتحدة. فتأطير التعاون السياسي والاقتصادي في المنطقة من منظور الهيمنة الأمريكية بدل الشراكة الحقيقية قد يعمِّق المشاعر المناهضة للولايات المتحدة ويزيد حدة التنافس الجيوسياسي، لا سيما مع فاعلين خارجيين مثل الصين، التي تَوسَّع دورها الاقتصادي في أمريكا اللاتينية في السنوات الأخيرة.
إنَّ تحديث «عقيدة مونرو» في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 ليست مجرد إحالة تاريخية أو زخرفة خطابية. بل هو مبدأ تنظيمي مركزي في الرؤية الاستراتيجية لترامب، يسعى إلى إعادة تعريف النظام الدولي الذي خلقته الولايات المتحدة نفسها منذ الحرب العالمية الثانية، بالانتقال من التجارة الحرة والنفوذ الاقتصادي والضغط غير المباشر، إلى مزيج من إعادة التموضع العسكري، والإكراه الاقتصادي، والتأثير السياسي. ويمثل ذلك قطيعةً حاسمةً مع النظام الليبرالي القائم على التحالفات والمؤسسات الدولية، وعودة إلى سياسة إمبريالية أكثر هجومية وأحادية.
الإمبريالية الجديدة
في عملهما الضخم «الإمبراطورية» الذي صدر سنة 2000، سعى مايكل هاردت وأنطونيو نيجري إلى إعادة التفكير في السلطة والسيادة والمقاومة في ظلِّ الرأسمالية العالمية المتأخرة. وقد طرحا أنَّ النموذج الكلاسيكي للإمبريالية، القائم على تنافس الدول القومية، والغزو الإقليمي، والهيمنة الاستعمارية، قد جرى تجاوزه لصالح شكل عالمي جديد من السلطة أطلقا عليه اسم «الإمبراطورية».
وبحسب هاردت ونيجري، فقد خضعت سيادة الدولة لتحول جذري. فالسلطة لم تعد منظمة أساسًا عبر دول قومية متنافسة تمارس سيادتها على أقاليم محددة. وبدلًا من ذلك، تتمثل الإمبراطورية في نظام حكم لامركزي بلا إقليم أساسي، يعمل من خلال شبكة من الدول، والمؤسسات فوق القومية، والشركات العابرة للقارات، والأسواق المالية، والأنظمة القانونية والثقافية. ولا تحكم هذا النظام دولة واحدة بعينها، حتى الولايات المتحدة نفسها. فالسيادة هنا موزَّعة عبر تجمع عالمي من القوى ينتج النظام من خلال التنسيق والتنظيم والتطبيع، لا عبر الهيمنة الاستعمارية المباشرة.
وتقدّم الإمبراطورية نفسها بوصفها كونية وشاملة. فعلى خلاف الإمبراطوريات الكلاسيكية التي كانت تُخضِع «آخرين» بشكل صريح، تدّعي هذه الصيغة الجديدة من السلطة تمثيل مصالح الإنسانية جمعاء: السلام، وحقوق الإنسان، والأسواق الحرة، والأمن العالمي. ويلعب القانون دورًا محوريًا في هذا السياق؛ فالقانون الدولي، والتدخل الإنساني، وآليات الحوكمة العالمية ليست قيودًا خارجية على السلطة، بل أدوات داخلية في صميم الإمبراطورية، تمنح حكمها شرعيةً أخلاقيةً وقانونيةً. أما الحرب، فتصبح في هذا الإطار فعلَ شرطةٍ، دائمًا يُمارَس باسم النظام، لا صراعًا بين سيادات متكافئة.
يضع هاردت ونيجري الرأسمالية في قلب هذا التحول، لكنهما يصرّان على أنَّ الرأسمالية نفسها قد تغيَّرت. فالإنتاج لم يعد يهيمن عليه العمل الصناعي والسلع المادية وحدها. بل تعتمد الرأسمالية المعاصرة، على نحو متزايد، على ما يسمّيانه «العمل اللامادي»: إنتاج المعرفة، والتواصل، والعاطفة، والصور، والعلاقات الاجتماعية. وتغدو اللغة، والمشاعر، والرعاية، والتعاون مصادر مباشرة للقيمة. ونتيجة لذلك، يتغلغل الاستغلال الاقتصادي عميقًا في الحياة اليومية، ويغدو الحد الفاصل بين العمل واللاعمل، وبين الشغل والوجود الاجتماعي، مشوشًا.
وفي هذا الإطار، لا تتخذ المقاومة شكل الاستيلاء على الدولة أو استبدال سيادة بأخرى. فالاستراتيجيات الثورية التقليدية التي استهدفت التحرر الوطني أو السلطة الدولتية تُعدُّ غير كافية في مواجهة الطبيعة العالمية الشبكية للإمبراطورية. وبدلًا من ذلك، تنبثق المقاومة من داخل النظام نفسه، عبر صراعات حول الحركة، والمعرفة، والتواصل، والمشاعات. والهدف ليس استعادة السيادة، بل إلغاؤها، لتحل محل الهيمنة أشكالٌ من التنظيم الذاتي الديمقراطي المتجذّر في القدرات الإنتاجية لـ«الجموع».
ما نشهده اليوم هو تفكك هذا المنطق الذي تبنته الولايات المتحدة على مدى عقود، حتى تحت ضغوط الحرب الباردة. وينبغي قراءة تحوّل ترامب نحو إيماءات إمبريالية صريحة بوصفه عَرَضًا لأزمة داخلية في الإمبراطورية. فالإمبراطورية تعتمد على السلاسة في عمل الأسواق العالمية، والشرعية المؤسسية، والقبول الأيديولوجي. غير أنَّ صعود الصين، على وجه الخصوص، يمثل تحديًا بنيويًّا لموقع الولايات المتحدة داخل الإمبراطورية، لا عبر رفض العولمة، بل عبر إعادة تشكيلها.
وأمام هذا التآكل في السلطة الشبكية، لا يسعى ترامب إلى إصلاح منطق الإمبراطورية، بل إلى التخلي عنه. فحيث تحكم الإمبراطورية عبر الدوران والتدفقات، يسعى ترامب إلى السيطرة عبر التملك. وحيث تدير الإمبراطورية السكان إدارةً حيوية-سياسية، يستدعي ترامب الحدود، والجدران، والجيوش، والتعريفات الجمركية. وحيث تذيب الإمبراطورية السيادة في الشبكات، يعيد ترامب تأكيد السيادة بوصفها أمرًا مباشرًا وهيمنة.
وهذا ما يجعل مشروع ترامب تراجعًا وليس تقدمًا. فهو ليس بروزًا لشكل إمبريالي جديد، بل ارتداد إلى شكل أقدم. فالاستحواذ الإقليمي (جرينلاند)، وتغيير الأنظمة بشكل صريح (فنزويلا)، والإكراه الاقتصادي العقابي (المكسيك، كوبا) كلها استراتيجيات أقرب إلى إمبريالية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين منها إلى رأسمالية عالمية متأخرة حديثة.
تشكل المقاومة الجديدة
إنَّ هذا التحول في السياسات الأمريكية من الشكل «الإمبراطوري» الذي وصفه سعى مايكل هاردت وأنطونيو نيجري إلى نمط إمبريالي تقليدي يعكس تحولين بنيويَّين عميقين في النظام الرأسمالي العالمي. فمن جهة أولى، لم يستشرف نيجري وهاردت بالقدر الكافي درجة تركز رأس المال داخل الولايات المتحدة نفسها، لا سيما في يد نخبة تكنولوجية ومالية ضيقة تتمركز في وادي السيليكون والقطاعات المرتبطة به. هذا التركز الهائل أعاد إحياء ما يمكن تسميتها بالحكمة التاريخية التي تنبأ بها كل من رودولف هيلفردنغ وفلاديمير لينين، ومفادها أنَّ الرأسمالية حين تبلغ طورها الاحتكاري، لا تعود قادرة على الاكتفاء بالتنظيم الشبكي أو الهيمنة غير المباشرة، بل تميل بالضرورة إلى الإمبريالية بوصفها وسيلة لحماية الاحتكارات، وتأمين الأسواق، والسيطرة على الموارد بالقوة.
ومن جهة ثانية، يعكس هذا التحول تأزم النظام الإمبراطوري نفسه بفعل صعود الصين بوصفها قوة اقتصادية وتكنولوجية قادرة على المنافسة داخل بنية العولمة، لا من خارجها. هذا الصعود، الذي لم يتنبأ به نيجري وهاردت على نحو كافٍ أو لم يقدِّرا أثره الكامل على توازنات «الإمبراطورية»، أحدث تصدعًا في شبكة السلطة العالمية، وولّد لدى الولايات المتحدة شعورًا متزايدًا بالتهديد الوجودي لموقعها المركزي. وبدل السعي إلى إعادة إنتاج منطق الإمبراطورية القائم على التدفقات والتنظيم الشبكي، بدا أنَّ واشنطن اختارت العودة إلى أدوات أكثر بدائية ووضوحًا: السيادة الصلبة، السيطرة الإقليمية، والاستعراض العسكري، بوصفها وسائل مباشرة لاحتواء المنافس الصيني ومنع تمدده في الفضاءات التي تعتبرها تقليديًا مجال نفوذ حصريًّا.
أما التطور الأخطر المترتب على هذه العودة إلى الإمبريالية التقليدية، فهو أنَّها تهدد بإحياء الشكل الكلاسيكي من مقاومة الإمبريالية في أمريكا اللاتينية نفسها. فحين تُعاد صياغة الهيمنة في شكل احتلالات مباشرة، أو تدخلات عسكرية، أو أنظمة أمنية مفروضة، فإن أنماط المقاومة تميل بدورها إلى التحول من الاحتجاج السياسي والاجتماعي إلى العمل المسلح المنظم ضد الشركاء الأمنيين للولايات المتحدة عبر القارة. وفي هذا السياق، قد نشهد استنساخًا لنماذج مقاومة عرفها العالم العربي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، مثل تجربة «حزب الله» في لبنان أو حركة «حماس» في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وإذا ما تطور الصراع إلى مواجهة أكثر خشونة مع الصين، فإن ذلك يفتح على مخاطرة إضافية بالغة الخطورة، تتمثل في احتمال لجوء بكين إلى تمويل أو دعم حركات مسلحة مناهضة للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، بما يحوّل القارة إلى ساحة صراع دولي مفتوح، ويعيد إنتاج منطق الحروب بالوكالة على نطاق جديد.