عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف إمام

من يوميات دفتر التَّبعية: تجربة السادات مع صندوق النقد زمن الانفتاح (2)

2026.07.11

من يوميات دفتر التَّبعية:

تجربة السادات مع صندوق النقد زمن الانفتاح (2)

 

(2)

في مارس 1976 عاودت القاهرة التَّواصل مع صندوق النقد بغية الوصول لاتفاق مساندة، وبدا الصندوق متفهمًا هذه المرة لموقف الحكومة المصرية، وضرورة تطبيق الإصلاحات بحذر وبطء cautiously and slowly. وعلى عجل تمَّ التَّوصُّل إلى اتفاق يقضي بتوقيع القيسوني على خطاب النوايا إلى الصندوق، وهو بمثابة التَّزام من حكومة القاهرة بتطبيق السياسات الواردة في الخطاب. ولقد أحيط خطاب النوايا بقدرٍ من السرية، وتم حظر مناقشته حتى في البرلمان، مما جعل النائب محمد حلمي مراد يطلب من الحكومة أنْ تحيط المجلس علمًا بالسياسات الواردة في الخطاب، وهو الأمر الذي دفع الحكومة أنْ ترسل ملخصًا للخطاب إلى المجلس.

- من خلال مطالعة النصِّ الأصلي للخطاب يمكن تلخيصه فيما يلي:

- الهدف الرئيسي للبرنامج هو إعادة هيكلة للأسعار مع تطوير للقطاع الخارجي؛ بهدف توحيد سعر الصرف عند مستوى يتفق مع القضاء على العجز في ميزان المدفوعات، في الوقت نفسة ستُجرى عملية تحرير للمعاملات الخارجية من الرقابة الإدارية. وسيُجرى التَّوسُّع في إجراءات التَّحرير واللامركزية التي بدأت جنبًا إلى جنب مع سياسة الانفتاح.

- بالنسبة للقطاع العام، فبعد إلغاء المؤسسات العامة صار بوسع الشركات تحويل معيار الإدارة بالتَّدريج من أهداف الإنتاج إلى اعتبارات الربحية. كما أنَّ ميزانية العام الحالي ستشهد زيادةً في الرسوم الجمركية على السلع الكمالية، وزيادة في رسوم الدمغة، ومن المتوقع أنْ توفِّر تلك السياسات 60 مليون جنيه. وبالإضافة لذلك تمَّ إلغاء دعم الاستهلاك المحلي من القطن، مما سوف يخفِّض من الإنفاق بمقدار 56 مليون جنيه.

- ستشمل السياسة الجديدة رفع أسعار الفائدة، مع وضع برنامج لسقوف الائتمان تهدف لتخفيف الضغوط التَّضخمية وتقوية ميزان المدفوعات. وستعمل الحكومة على تخفيض الاعتماد على الاقتراض من الخارج في السنوات المقبلة إلى مستوى أكثر من طبيعي، مع الحد من القروض قصيرة الأجل وتسهيلات الموردين. وستسمح سياسة تحويل الأرباح والفوائد المسموح بها عن طريق السوق الموازية في الحدٍّ من تراكم متأخرات المدفوعات الجارية. كما لا تعتزم الحكومة خلال فترة سريان التَّسهيلات الائتمانية إدخال أي أنظمة لأسعار الصرف المتعددة دون موافقة الصندوق.

- بعد توقيع الحكومة على خطاب التَّفاهم مع الصندوق، تمت مناقشته والموافقة عليه في قبل المجلس التَّنفيذي للصندوق في شهر أبريل. وتم توقيع اتفاق مساندة «»Stand-By Arrangement مع الصندوق لمدة عام، استطاعت بمقتضاه مصر أنْ تحصل على قرض بقيمة 150 مليون دولار يُسدَّد على خمس سنوات، وعلى مبلغ آخر بقيمة 44.4 مليون دولار من صندوق الضمان التَّابع للصندوق. وبذلك صار بوسع الحكومة المصرية عقد اتفاقات قروض، والدخول في مفاوضات مع الدول الدائنة لجدولة الديون.

- الاجتماع الأول للمجموعة الاستشارية (نادي باريس):

- بدأت فكرة المجموعة الاستشارية في يونيو 1976 عندما جرت اتصالات بين مصر ومجموعة من الدول الدائنة والهيئات المالية الدولية على تشكيل نادي أصدقاء مصر. في سبتمبر 1976 نجح صندوق النقد بالاتفاق مع الخليجيين والأمريكان والمجموعة الاقتصادية الأوروبية على تشكيل مجموعة استشارية لمصر. تألفت المجموعة الاستشارية من البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والولايات المتحدة، بالإضافة للجهات المانحة الأخرى وهي كندا، ألمانيا الغربية، إيران، إيطاليا، اليابان، الكويت، هولندا، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية، المملكة المتحدة، بنك التَّنمية الأفريقي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والتَّنمية الاجتماعية، وصناديق أخرى منها هيئة الخليج.

- مع أوائل شهر أبريل 1977 نشطت التَّحركات المصرية لإعادة جدولة الديون الخارجية؛ فسافر السادات إلى فرنسا وألمانيا الغربية في طريقه إلى الولايات المتحدة، وسافر ممدوح سالم إلى إيران. في تلك الأثناء، زار مصر منير بنجنك نائب مدير البنك الدولي حاملًا رسالة من روبرت مكنمارا حول اتفاق المجموعة الاستشارية على الاجتماع في مقرِّ البنك الدولي في باريس؛ لمناقشة إعادة جدولة ديون مصر، وقد تقرَّر أنْ يكون الاجتماع في العاشر من مايو. وفي افتتاح الاجتماع الأول للمجموعة الذي ترأسه منير بنجنك أكد على أنَّ الغرض من هذه المجموعة هو البحث عن السبيل الأمثل لاستخدام مصر المساعدات المُقدَّمة لها بكفاءة، لا سيما بعد الدفعة الهائلة التي قُدِّمت لمصر من هيئة الخليج والولايات المتحدة. وطالب بنجنك من المجتمعين إعداد مجموعة مشروعات استثمارية يمكن أنْ تشارك بها دولهم في خطة التَّنمية المصرية.

- من جانبه، أكد القيسوني التزام حكومة القاهرة بما ورد في خطاب النوايا واعتبر إياه ميثاق عمل. فيما أثنى ممثلا صندوق النقد والبنك الدوليَّين على الإجراءات الحكومية التي اتخذتها مؤخرًا. لكن بدا الأمر بعد ذلك أشبه بامتحان للوفد المصري؛ حيث انهالت عليهم الأسئلة عن سياستهم في الأجور والقوى العاملة، وبلغ الأمر حدَّ السؤال عن ملف تنظيم الأسرة. ويصف أحد مَن حضر الاجتماعات تلك اللحظة بالقول: «إنَّ الأسئلة التي انهالت علينا ممن يفهم ومَن لا يفهم، جعلتنا نشعر بأننا أمام امتحان مهين».

- ويمكن رصد مجموعة من الملاحظات بخصوص اجتماع المجموعة الاستشارية الأول:

- أولًا: كان الاجتماع مسعى لإلزام مصر بمسار الوصاية:

- فالهدف المعلن لتلك المجموعة مناقشة سياسات التَّنمية الاقتصادية في مصر، بما في ذلك تقديم المادة الوقائعية والتَّحليلية التي يحتاج لها المشاركون لإجراء تقييم متوازن عن التَّقدم في مصر، والصعوبات التي تواجهه، وآفاق النمو والأولويات التَّنموية.. كذلك مساعدة المخططين المصريين على التَّركيز على المشاريع والأولويات طويلة المدى، بدلًا من استجداء القروض باستمرار. وفي الحقيقة ووفق الوثائق الأمريكية كان الهدف الأهم من تشكيل اللجنة الاستشارية، هو مواصلة الضغط على مصر؛ من أجل تطبيق كامل لإصلاحات صندوق النقد. مما جعل الوفد المصري يعيد التَّأكيد على التّزامه أمام المجتمعين في باريس بتعديل قانون الاستثمار، وتقديم حوافز للقطاع الخاص مع إنهاء احتكار القطاع العام للتجارة الخارجية، وتنشيط سوق الأوراق المالية.

- ثانيًّا: غياب خطة واضحة لدى الوفد المصري: حيث تخلَّف وزير التَّخطيط محمد محمود الإمام عن الاجتماعات، وحضر نائبه وخليفته عبد الرازق عبد المجيد.

- ويشرح عبد المجيد الملابسات التي دارت أثناء اجتماع المجموعة الاستشارية بقوله: «عُقد الاجتماع الأول للفريق الاستشاري في باريس يوم 11 مايو1977، وكنا قد وصلنا إلى درجة مخيفة وسط عدم القدرة على الاستمرار، لم يكن بوسعنا شراء المأكل والملبس والاحتياجات الاستهلاكية والإنتاجية، وكنا متأخرين في الدفع 92 يومًا بالنسبة للتسهيلات المصرفية وكدنا نشهر إفلاسنا. ذهبنا إلى باريس دون خطة عمل أو مشروعات، كنا نواجه مجموعةً من الدول الصديقة التي تريد مساعدتنا، ونحن لا نريد مساعدة أنفسنا».

- ثالثًا: يبدو أنَّ مصر حقَّقت بعض النجاح في ملفها الاقتصادي:

- فمن خلال اجتماعات المجموعة الاستشارية، تمَّت إعادة هيكلة كبيرة لديونها الخارجية لصالح استحقاق أطول، مع خفض نسبة خدمة الديون على المديين المتوسط ​​والطويل. وكان هذا نتاج نجاح مفاوضات مصر مع الصندوق؛ حيث إنَّ الصندوق يلعب دور الوسيط في مفاوضات إعادة جدولة الديون الخارجية للدول المتخلفة. فبالنسبة للبلد النامي يزوده بالمساعدة الفنية والدعم في إعداد العرض التَّحليلي والوثائق اللازمة المطلوب تقديمها في الاجتماع مع الدائنين. كما يقدِّم الصندوق للدائنين تقييمًا للوضع الاقتصادي وآفاق المستقبل في البلد المدين.

- وعلى صعيد الديون السوفيتية فإنَّ السادات - ومن جانبٍ واحدٍ - أعلن في أكتوبر 1977 تأجيل الديون العسكرية السوفيتية، وهو مسلك يتفق مع انتقال العلاقة المصرية - السوفيتية من مرحلة القطيعة إلى العداء، لا سيما بعد تحميل الأخيرة من قبل حكومة القاهرة مسؤولية تأزم الأوضاع على حدودها الغربية. وقبول مصر أنْ تلعب دور مخلب قط للأمريكان في مواجهتهم للتَّمدُّد الشيوعي في أفريقيا.

- كما تشير وثيقة صادرة عن البنك الدولي إلى أنَّ المجتمعين تعهَّدوا بمنح مصر مساعدات تُقدَّر بنحو 5 مليارات دولار، ولكن يبدو أنَّ الرقم غير دقيق؛ حيث اشتمل على قرض هيئة الخليج، وترحيل الودائع الخليجية المودعة لدى البنك المركزي المصري. أما باقي الأعضاء فجاءت تعهداتهم كالتالي (أمريكا 900 مليون دولار، البنك الدولي 370 مليون دولار، صندوق النقد 150 مليون دولار، فرنسا وألمانيا كل منهما 111 مليون دولار، باقي الدول 361 مليون دولار).