عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف إمام

من يوميات دفتر التَّبعية: تجربة السادات مع صندوق النقد زمن الانفتاح

2026.06.27

من يوميات دفتر التَّبعية:

تجربة السادات مع صندوق النقد زمن الانفتاح

 

(1)

لم تكن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي أعلنها أنور السادات في أبريل 1974 مجرد محاولة لإنعاش الاقتصاد المصري، بل مثلت - في جوهرها - إعادة تموضع جذري داخل بنية النظام الرأسمالي العالمي. فبينما رُوِّج للانفتاح بوصفه بوابة لجذب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق التَّنمية، سرعان ما تكشَّف أنَّه لم يكن سوى مدخل لإعادة إنتاج التَّبعية في صورة أكثر تعقيدًا وارتباطًا بمراكز القوة المالية الدولية.

فقد اصطدمت الوعود الرسمية بواقع عنيد: استثمارات شحيحة، ورأس مال أجنبي متردد، واقتصاد عاجز عن توليد موارده الذاتية. وفي ظلِّ هذا الإخفاق، لم تلجأ الدولة إلى إعادة النظر في بنيتها الاقتصادية أو في شروط اندماجها غير المتكافئ في السوق العالمية، بل اختارت الطريق الأسهل والأكثر كلفة على المدى البعيد: الارتهان للاقتراض الخارجي.

ومن هنا بدأت مصر الانخراط في شبكة مُعقَّدة من العلاقات المالية الدولية، لم تكن القروض فيها مجرد أدوات تمويل، بل آليات للضبط وإعادة التَّوجيه. فالدخول إلى منظومة المؤسسات المالية الدولية - من صندوق النقد والبنك الدولي إلى شبكات المصارف الغربية ورؤوس الأموال الخليجية - لم يكن حياديًّا، بل حمل في طياته شروطًا غير معلنة لإعادة تشكيل الاقتصاد المصري بما يتوافق مع مصالح هذه الأطراف.

 وبالنسبة لصندوق النقد، هذا النادي الغربي، فالمشاورات معه – للحصول على قرض- لها طقوس خاصة، تبدأ بمحادثات في واشنطن يتم خلالها إعداد تقرير يحتوي على شرح وافٍ للأحوال الاقتصادية للدولة.

في المرحلة الثانية، تفد بعثة الصندوق، حاملة معها مجموعة من الأسئلة، التي ترى توجيهها إلى السلطات في البلد المعني، وترسلها إليه مقدمًا، ولكن يحق للبعثة إضافة أية أسئلة أو استفسارات جديدة أثناء المشاورات.

في المرحلة الثالثة، تعد البعثة قبل سفرها، تحليلًا عن المشاكل التي يعاني منها البلد مصحوبًا برأي البعثة في كيفية مواجهة هذه المشاكل.

وبعد ذلك تعقد البعثة اجتماعاتها مع السلطة المحلية بهدف الوقوف على التَّطورات الجديدة للاقتصاد القومي، ورأي السلطات المحلية في مقترحات البعثة حول المشاكل المطروحة. وفي الاجتماع الأخير يقدِّم رئيس البعثة تقريرًا عامًّا عن نتائج المشاورات، وعن توصياته إلى مجلس المديرين التَّنفيذيين مصحوبًا بمشروع القرار. ونادرًا ما يتعرَّض مشروع القرار للنقض. وتتميَّز المفاوضات مع الصندوق بكونها شاقةً وطويلةً، ويتم في نهايتها توقيع اتفاق للتثبيت أو ما يُسمى «إصلاح المسار الاقتصادي»؛ تتعهَّد فيه الدولة بأنْ تقوم بتنفيذ مجموعة معينة من السياسات الاقتصادية التي تلقى قبولًا لدى الصندوق، ويضمن خلالها أنَّ الدولة ستتمكَّن من إعادة الأموال التي اقترضتها في فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.

كانت القاهرة قد سعت للتواصل مع صندوق النقد؛ حيث كانت تسعى للحصول على قرابة 600 مليون وحدة حقوق سحب خاصة ( 720 مليون دولار) من الصندوق، وكان لزامًا عليها الدخول في مفاوضات شاقة من أجل هذا المقصد. كانت البداية في يناير 1976، عندما أرسل وزير الاقتصاد زكي الشافعي إلى مدير صندوق النقد، يعرب عن نية مصر الاستفادة بحقوق السحب الخاصة لتحسين وضع ميزان المدفوعات، مقابل الالتزام بالتشاور مع الصندوق على ما سيتم اتخاذه من إجراءات.

وفي ضوء ذلك، تقدَّمت القاهرة بمذكرة عن سياستها المستقبلية، بدأتها بالإشارة إلى أنَّ «عجز الموازنة راجع لارتفاع الأسعار العالمي، وانهيار أسعار القطن، وأنها تتوقع في المستقبل القريب زيادة كبيرة في الإيرادات؛ نتيجة لإعادة فتح قناة السويس، والتوسُّع السريع في صادرات البترول، واستمرار الزيادة في تحويلات المهاجرين والسياحة. وهذه التَّطورات سوف تخفِّف من عجز ميزان المدفوعات، لكن لن تحل المشكلة».

وفي مسعى لإظهار جديتها ذكرت المذكرة أن «الأمر يتطلب وضع سياسات لتصحيح تشوهات كبيرة في الاقتصاد، هذه الإجراءات سيتم اتخاذها، لكن الظروف الحالية ستجعل من الضروري اتخاذ هذه السياسات على أساس تدريجي (gradual basis)».

وحاولت المذكرة أنْ تعطي صورةً عن الإجراءات التي من المتوقع اتخاذها فذكرت: «إننا نهدف إلى الوصول لسعر صرف موحد عند مستوى مناسب، ولكن في ظلِّ الظروف الحالية مثل هذه الخطوة غير ممكنة. ونحن نعتزم، الانتقال تدريجيًّا نحو هدفنا من خلال توسيع السوق الموازية وتعديل عملياتها، عبر زيادة نسبة الصادرات والواردات التي تمر عبر السوق. وستتم زيادة أسعار الفائدة 2 % في بداية عام 1976، وسيتم الحد من الاقتراض الداخلي للحكومة من النظام المصرفي، كما ستتم زيادة الضرائب، خصوصًا التَّعريفات، ويتم حاليًا اتخاذ خطوات للحد من الدعم، كما تعتزم الحكومة أنْ تسنَّ فورًا تشريعات في مجال الضرائب والجمارك. إنَّ الحكومة تدرس رفع أسعار البنزين بنحو 15 % في أوائل عام 1976، وخلال المدى المتوسط ​​سيتم رفع جميع أسعار الطاقة إلى المستويات العالمية. سنقلل اعتمادنا على اتفاقات المدفوعات الثنائية؛ اثنتان من هذه الاتفاقات تم إنهاؤها في نهاية عام 1975، والمفاوضات بشأن إنهائها تسير مع ثلاثة شركاء آخرين. وسوف نشرع في المفاوضات عام 1976 لإنهاء معظم المتبقي منها».

بعد هذا الخطاب، بادرت الحكومة إلى إرسال طلب مساعدة من الصندوق في بعض الأمور التَّقنية والنقدية، وإعادة هيكلة ميزان المدفوعات، وبعض الجوانب في عملية التَّخطيط قيد الإعداد للخطة الخمسية. وتم الامتثال لهذا الطلب، عن طريق الموافقة على إرسال خبير اقتصادي إلى القاهرة يُدعى سميث، لمدة من 4 إلى 6 أسابيع ابتداءً من منتصف أبريل 1976.

واستباقًا من زكي الشافعي لبعثة سميث، بادر بإرسال خطاب للتأكيد على بعض الأمور الخاصة بالسياسات المستقبلية، جاء فيه: «هناك مناقشات بشأن مزيد من التَّعزيز لسياسة سعر الصرف، وهناك بعض التَّدابير الضريبية الجديدة مقترنة مع تخفيضات في النفقات الجارية، من المتوقع أنْ تؤدي إلى تخفيض 40 مليون جنيه من ميزانية هذا العام. علاوة على ذلك، يتم التَّفكير في تقليص كبير في النفقات الرأسمالية في الميزانية، والتي من شأنها وضع الميزانية على أساس أسلم. وسيتواصل استعراض الوضع المالي بهدف القضاء على التَّمويل التَّضخمي». وتبع خطابه بطلب للحصول من صندوق النقد على حقوق سحب خاصة بالتسهيلات البترولية بواقع 31.7 مليون وحدة خاصة (قرابة 35 مليون دولار). وفي أبريل وصل وفد الصندوق إلى القاهرة، وبدأت الصورة تتضح حول مطالب صندوق النقد بشأن شروطه لإعطاء مصر تسهيلات ائتمانية بموجب حقِّ السحب الخاص، وجاءت على النحو التَّالي:

·        تحويل السوق الموازية إلى سوق تجارية شاملة للنقد الأجنبي، قائمة على قدر كبير من المرونة في سعر الصرف وتشمل جميع المعاملات «بمعنى أدق تعويم الجنيه».

·        القضاء على برنامج الدعم المباشر، وضغط الإنفاق العام.

·        تعديل معدل الفائدة ورفعه بشكل مناسب.

وما كادت بعثة الصندوق تبرح القاهرة، حتى بدأت الحكومة تعلن عن رفع مجموعة من السلع والخدمات، والبدء في تطوير عمل السوق الموازية، وهي إجراءات قد بشَّرت بها الحكومة مطلع العام. كما تمَّ تخفيض الجنيه في السوق الموازية ليصل إلى 1.46 دولار، كما قفزت الواردات من السلع والخدمات عبر السوق الموازية متجاوزة 800 مليون دولار، مما جعل من المتوقع أنْ يمر 37% من كل المدفوعات للعملات القابلة للتحويل عبرها. كما شرعت الحكومة في إلغاء اتفاقيات الدفع، بحيث لم يبقَ سوى 16 اتفاقية. وفي توطِّد الشراكة بين القاهرة والابن الأكبر لعائلة بريتون وودز، تم الاتفاق على تعيين ممثل مقيم للصندوق بالقاهرة، وأكد الصندوق في تقرير له أنَّ مطلب القاهرة بتعيين ممثل مقيم يؤكد رغبة واضحة من السلطات لإعادة تأهيل اقتصادهم.

وظنت القاهرة أنَّ إجراءاتها سوف تجعل الصندوق يلبي مطالبها، فبادرت في مايو 1976 بطلب الحصول على 47 مليون وحدة من حقوق السحب الخاصة على أنْ يتم تقسيط الدفع على ستة أقساط ربع سنوية تعادل 7 ملايين من حقوق السحب الخاصة، ابتداءً من 20 يناير 1977 وتنتهي 20 أبريل 1978، على أنْ تكون قيمة القسط الأخير (سابع) 5 ملايين من حقوق السحب الخاصة في موعد أقصاه 20 يوليو 1978.

لكن توصيات بعثة صندوق النقد جاءت مخيِّبةً للآمال الحكومية؛ حيث ذكرت أن: «مصر لا تفي بمعايير الحاجة، نظراً للعجز الكبير في ميزان المدفوعات عام 1975 والتوقعات لعجز مشابه عام 1976».

وأكدت توصيات البعثة أنَّ «الخلل الأساسي هو أنَّ مصر لا تتخذ تدبير نحو سياسة عامة بعيدة المدى لبدء عملية تصحيحية».

لقد جاءت تلك التَّوصيات لتوضِّح صعوبات الحصول على قرض من الصندوق دون تغييرات جذرية وشاملة ترضى عنها القوى الرأسمالية. كما أنَّ جلسات لجنة الاستماع بمجلس الشعب التي سبقت صدور التَّقرير كان فيها ما يثير ريبة الصندوق؛ حيث أكد رئيس الوزراء أنَّه لم يُحدَّد موعد لتحويل السوق الموازية إلى سوق تجارية. وعبثًا حاول وزير المالية، أحمد أبو إسماعيل طلب وساطة أمريكية عند الصندوق؛ حيث التَّقاه السفير الأمريكي في القاهرة، وأعرب له عن خيبة أمل الإدارة الأمريكية من عدم قدرة الحكومة المصرية على الإيفاء بالتزاماتها مع الصندوق، في المقابل جادل أبو إسماعيل في سلامة النتيجة التي توصَّل لها الصندوق، معللًا ذلك بتوسيع الحكومة في مجال عمل السوق الموازية، ورفعها أسعار بعض السلع كما طلب الصندوق. وأشار إلى إشادة البنك الدولي بتلك الخطوة، وأكد له أنَّ الحكومة لديها الشجاعة لتحرير سعر باقي السلع، لكنها مقبلة على انتخابات برلمانية يُخشَى معها أنْ يستخدم الماركسيون والناصريون إجراءات زيادة تكلفة المعيشة لإحراج الحكومة أمام الشعب.

لم تؤثر تبريرات أبو إسماعيل على موقف الصندوق؛ ففي تقرير تالٍ للصندوق كرَّس الحقيقة نفسها، ولكن بأسلوب مختلف، فأكد أنَّ السلطات المصرية وافقت على برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تقدَّم به الصندوق؛ للحصول على وحدات من حقوق السحب الخاصة، وكانت التَّدابير التي تم اتخاذها عام 1976 معبرة عن هذا البرنامج، لكن التَّنفيذ لم يتم بالسرعة المطلوبة.

في المقابل، كان مشروع خطاب النوايا قد تسبب في أزمة وزارية؛ حيث انقسمت المجموعة الوزارية إلى فريقين، فريق يحاول إيقاف الاتفاق مع الصندوق، وفريق آخر يحاول تسريع الاتفاق؛ وكان نتيجة ذلك تراجع الحكومة عن التَّزامها في مشروع خطاب النوايا.

وكتب أحمد أبو إسماعيل ردًا على طلب الصندوق التَّزام بخطاب النوايا، مبديًّا تحفظاته عليه، فيما رفض زكي الشافعي التَّجاوب بالكلية مع مطالب الصندوق.

وما كان من الصندوق إلا أنْ أبرق إلى الحكومة المصرية موجهًا إليها اللوم، ومعلنًا إياها تأجيل اتفاقية المساندة، أي تأجيل إقراض مصر حتى تذعن لشروطه. ومن ثم فشلت القاهرة في الحصول على قرض الصندوق هذا العام. وفي برقية أمريكية توضِّح لماذا فشلت مفاوضات الحكومة المصرية مع وفد صندوق النقد، يذكر السفير الأمريكي آيلتس ما يأتي:

-         الحكومة المصرية لديها مشكلة مستمرة في القدرة على الوفاء بالتزاماتها القصيرة الأجل وليس لديها ما يكفي لحل تلك المشكلة.

-         الانتخابات النيابية القادمة، والتي سيترشَّح فيها ماركسيون وناصريون - لأول مرة - ضد المرشحين الحكوميين، ومن المؤكد أنْ تؤدي استجابات الحكومة لتوصيات الصندوق إلى استفزاز عظيم «Great edginess» للجماهير؛ لما تنطوي عليه من زيادة في تكلفة المعيشة، الأمر الذي سيمس قطاعات كبيرة من المجتمع، من ثم لا يوجد سياسي يريد أنْ يتحمَّل المسؤولية عن القبول بتوصيات صندوق النقد الدولي حتى يتم تنقيحها «revised»، خوفًا من أنْ تعصف بمستقبله السياسي خصوصًا وأنَّ معظم الوزراء سيترشَّحون للانتخابات البرلمانية أيضًا.

-         التشدُد الواضح من قبل الشافعي وعدم شعوره بطبيعة الأوضاع المالية لبلاده وإلحاحه في طلب توصيات مقبولة.

التناقض الشديد بين الشافعي وأبو إسماعيل «very much at odds».