هوامش
شريف حسين"وصول تنين".. عندما تقودك الصدفة لصناعة فيلم شريف حسين
2026.07.04
"وصول تنين"
عندما تقودك الصدفة لصناعة فيلم
رُبما كان التَّساؤل الأهم والأكثر انتشارًا في جميع ورش كتابة السيناريو هو: كيف يُمكن الوصول للفكرة، التي تصلُح أنْ تكون نواةً لعملٍ سينمائي ناجح؟.
هذا السؤال يُمثّل الهاجس الدائم لكُتَّاب السيناريو، فالفكرة أو الـ«»Log line، دائمًا ما تُمثّل البذرة التي ستؤسِّس لتلك الشجرة، والتي عادةً ما يفشل الكثيرون في الوصول إليها، فينتج عن ذلك أفلام مهلهلة، لا رابط بين مَشاهِدها، مُجرد مجموعة من الاستكتشات المُنفصلة التي يضُمها شريط سينمائي واحد، والتي لو قمت بإلغاء أحدها، لن يتأثر سير أحداث العمل على الإطلاق.
لقد أجاب المخرج الإيراني «ماني حقيقي» عن هذا السؤال بصورة عملية، من خلال أعظم أعماله السينمائية على الإطلاق، ليؤكّد أنَّ حول كل منا مئات التَّفاصيل الصغيرة، التي يُمكن لأي منها، أنْ تُمثّل نواةً لفكرة تصلُح عملًا سينمائيًّا جيدًا، لا تبحث، فقط أسمح لتركيزك بأن يقوم باختزان بعض التَّفاصيل الصغيرة المهمة التي قد تمر عليك، وابدأ في عملية ترشيح لتلك التَّفاصيل، لتصل إلى أكثرها قُدرةً على صناعة تلك الحالة من الدهشة، التي تُعدُّ من أهم عوامل نجاح أي عملٍ سينمائي، فجذب انتباه المُشاهِد والوصول لحالة الدهشة، من أهم اشتراطات صناعة عمل سينمائي ناجح.
بالرغم من أنَّ ماني حقيقي ليس من الأسماء الإيرانية الكبرى على المُستوى العالمي سينمائيًّا، فإنَّ الغالبية العُظمى من أعماله شاركت في العديد من المهرجانات العالمية، لكن ماني حقيقي بالفعل مخرج مُختلف، لا يلهث خلف الجوائز والتَّواجُد، لكنه يسعى دائمًا لتحقيق تلك الحالة الذاتية من القناعة بما يُقدِّم.
ماني حقيقي خرج دائمًا عن المألوف في أغلب أعماله، توجَّه للأفكار الميتافيزيقية في بعض منها، إلا أنَّه عندما قدَّم واقعًا حقيقيًّا حدث بالفعل.
من خلال فيلم «وصول تنين»، قدَّم لنا واقعًا أكثر غرابةً من جميع أفكار أعماله شديدة الخيالية، ليُبهر العالم بأيقونته «وصول تنين»، أحد الأعمال القليلة على مُستوى السينما العالمية، التي التزم فيها المخرج بتفاصيل الحدث الفعلي كافة، ومع ذلك، خرج هذا العمل بتلك الحالة غير المسبوقة من الإبهار، ليس فقط للغرابة الشديدة لأحداث العمل، لكن كان الأهم، غرابة قصة صناعة العمل ذاته، فكيف تمكَّن ماني حقيقي من شرح رحلة صناعة هذا العمل لمُشاهديه؟ تلك تفصيلة أُخرى من أهم تفاصيل هذا العمل المهم جدًّا.
تمَّ ترشيح فيلم «وصول تنين» لجوائز مهرجانات برلين وبوينس آيرس وسياتل، والعديد من المهرجانات الدولية الأخرى، سواء كأفضل عمل أو كأفضل إخراج، لكنه حصد جميع جوائز مهرجان «فچر الإيراني السينمائي الدولي» خلال دورة سنة 2016.
التَّركيبة البنائية لفيلم «وصول تنين»، تُمثّل بالفعل أحد أهم عوامل نجاحه وتفرُّده، فالفيلم فعليًّا هو 3 أفلام مُتداخله.
الأول وهو الرئيسي، يُمثّل الخط الدرامي في هذا العمل، والذي يسرُد تلك الأحداث شديدة الإثارة التي وقعت في جزيرة «قشم»، تلك الجزيرة الإيرانية المُنعزلة، التي تقع بالقرب من مضيق «هرمز» في مدخل الخليج العربي أو الفارسي، هذه الأحداث وقعت خلال سنة 1964، أي أكثر من 42 سنةً، من بدء التَّنفيذ الفعلي للعمل.
الفيلمان الآخران هما فيلمان تسجيليان، الأول وهو العمل شديد الإثارة، ويحكي من خلال المخرج ماني حقيقي ذاته وبعض المُقرَّبين منه، قصة صناعة هذا العمل السينمائي الذي استمرَّ تنفيذه عشر سنوات كاملة، بداية من شتاء 2006، وصولًا لإنهاء العمل خلال سنة 2016، في سرد يستحق أنْ يكون عملًا مستقلًا بذاته، سواء أكان روائيًّا أم حتى تسجيليًّا.
أما الفيلم التَّسجيلي الآخر، فيُمثّل مجموعة شهادات لبعض مَن كانوا لا يزالون على قيد الحياة، من أصحاب القصة الأصلية التي وقعت أحداثها قبل ما يزيد على الـ42 سنةً، والذين كانت شهاداتهم، أحد الخطوط الداعمة الرئيسية، لكتابة تلك الأحداث التي لم يعرفها أحد على الإطلاق، طوال ما يقرب من نصف قرنٍ من الزمان.
تمثّلت عبقرية ماني حقيقي كمخرج، في نجاحه في تحقيق هذا المزج الناجح بين الأفلام الثلاثة، دون التَّأثير على الخط الروائي للأحداث الأصلية، فكان القطع يتم دائمًا في توقيته، حينما كانت هناك الحاجة لذلك التَّوضيح، بالإضافة لاتّباع ماني حقيقي أُسلوبًا شديد التَّشويق، عن طريق سرد القصة من خلال تحقيق تم في مُنتصف الأحداث، وهو ما سينقلني للجزء الأهم، وهو قصة صناعة هذا العمل الغامض شديد التَّميُّز، والتي جاءت عن طريق السرد التَّسجيلي مُتفرقةً داخل أحداث هذا العمل.
ماني حقيقي هو حفيد المخرج الإيراني الكبير إبراهيم جولستان، أحد أهم المخرجين في إيران خلال عقد الستينات من القرن الماضي، ومن هنا بدأت قصة أحداث صناعة هذا العمل، عندما انفجرت في شتاء 2006، ماسورة مياه في منزل الجد المتوفى، فوق الغرفة التي تضم جميع أعماله، بما فيها أعماله غير المكتملة والتَّسجيلية، لتطلب والدة ماني منه مساعدتها في إخلاء جميع محتويات الغرفة أولًا، قبل حل مشكلة ماسورة المياه التي ستأتي في تلك الحالة الخاصة في المرتبة الثانية من الأهمية.
أثناء عملية إخلاء الغرفة من الأشرطة وجميع مقتنيات إبراهيم جولستان، عثر ماني حقيقي على علبة معدنية قديمة صدئة موصدة بقفل، لكن مفتاح القفل غير موجود، ليضطر ماني بطلبٍ من والدته لكسر القفل، لاكتشاف ما تحويه تلك العلبة. عند فتح العلبة اكتشف ماني أنَّها تمتلئ بمجموعة من الأشياء المتنافرة، التي لا علاقة لها ببعضها على الإطلاق، بداية من هيكل فك حيوان ابن آوي، لبعض مذكراتٍ باللُغة الألمانية، لكن كان أكثر ما جذب انتباه ماني، هي تلك المجموعة من الصور القديمة جدًّا، لثلاثة رجال في مرحلة العشرينات من العمر، ومعهم طفل رضيع، في منطقةٍ تبدو شبه صحراوية.
تعرفّت والدة ماني على أحد الرجال الثلاثة، إنه كيڨان حداد، مُهندس الصوت الذي كان يعمل مع والدها إبراهيم جولستان في فيلم «الطوب والمرآة» خلال سنة 1964، واختفى تمامًا في أثناء تصوير هذا العمل ولم يظهر من بعدها، ثُم فوجئ الجميع بأنه مطلوب للقبض عليه من قِبَلْ رجال البوليس السري، لتنقطع أي معلومات عنه منذ ذلك الحين، لتكون تلك المعلومات البسيطة جدًّا، شرارة البدء لماني حقيقي، لكي يبدأ رحلة بحثه، التي استمرت لمدة تقرب من العشر سنوات، حتى خرج فيلم «وصول تنين» للنور.
عن طريق إحدى معاونات ماني حقيقي، بدأت رحلة البحث في إدارة سجلات الدولة فقط بالصورة والاسم، خاصةً أنَّ سنة 1964 تعود لفترة حكم الشاة رضا بهلوي، آخر شاه في إيران قبل الثورة الإسلامية، لكن لم تصل محاولات ماني وفريق عملة لأي شيء يذكر، لكن تم إرسالهم لإدارة سجلات السجون قسم مكافحة الإرهاب، ليظهر أول خيط ساعد على الوصول لمعرفة حقيقة ما وراء تلك المجموعة من الصور الغامضة.
لقد تمَّ الوصول لمجموعة من الأشرطة تضم تسجيلات محاضر استجواب ثلاثة رجال تمت في جزيرة قشم خلال سنة 1964، أي خلال نفس السنة التي اختفى فيها كيڨان حداد، وبعد الحصول على حق سماع تلك الأشرطة، اتخذ ماني حقيقي قرارة بضرورة أنْ يتحوَّل ما حدث في جزيرة قشم خلال سنة 1964 لعمل سينمائي، يحكي تفاصيل تلك الأحداث شديدة الغرابة والإثارة، التي امتزج فيها كل شيء: الواقع بالمعتقدات والخرافات، السياسة بالفن والسينما، المشاعر الإنسانية المجردة بالعادات والتَّقاليد.
وبالفعل، وبعد الاستماع للاستجوابات التي تمَّت مع الرجال الثلاثة كشهود للأحداث، بدأ ماني حقيقي في كتابة السيناريو، ثم البدء في تنفيذ هذا العمل، والذي انقسمت أحداثه فعليًّا لقسمين.
الأول الخاص بما تعرفة السلطات متمثّلةً في إدارة مكافحة الإرهاب، والآخر ما لا تعرفة السلطات، المعلومات التي تمكّن ماني من التَّحصُّل عليها، بعيدًا عن أشرطة الاستجوابات، ولهذا الجزء قصة أكثر طرافة من كل ما سبق.
أشرطة الاستجوابات ضمت كثيرًا من المعلومات، لكنها لم تضم الجزء الأهم، نهاية القصة، مصير هؤلاء الثلاثة، فالاستجواب تمَّ فعليًّا في مرحلة وسيطة من الأحداث، ما وقع من أحداث على الجزيرة، وصولًا لاستجواب الرجال الثلاثة، الذين كان أحدهم ويدعي بابك حفيظي، من إدارة مكافحة الإرهاب ذاتها، ومن الخلية ذاتها، التي ينتمي لها المحقق، لكن تبقَّى الجزء الأهم، ما مصير الرجال الثلاثة بعد الاستجواب، فلا أحد منهم قد تمَّ اعتقاله، لأنه حتى لحظة الاستجواب، لم يكن هناك أي شيء يدين أيًّا من الرجال الثلاثة، فالاستجواب كان فقط نوعًا من شهادات الرجال الثلاثة على بعض الأحداث التي عايشوها خلال بضعة أيام على أرض تلك الجزيرة الغامضة، والتي كانت تستخدم كمنفى للمعارضين السياسيين، خاصةً أصحاب الفكر الشيوعي الاشتراكي الماركسي.
كانت أولى المفاجآت التي تلت ذلك، وصول فريق معاوني ماني حقيقي لأنَّ الضابط الذي قام بالاستجواب، لا يزال على قيد الحياة، وبالفعل تواصل معه ماني وفريق عمله، بل وأصبح هو بشخصه جزءًا لا يتجزأ من العمل السينمائي، لكن كل ذلك لم يكن كافيًا لاستكمال العمل، لأنَّ معلومات سعيد چاهنجيري، الضابط الذي قام بالتَّحقيقات، توقّفت أيضًا عند حدود التَّحقيق، ليبقى مصير الجزء الأخير من الأحداث غامضًا، وهو ما اضطر ماني حقيقي لوقف تصوير العمل لمدة وصلت لتسعة أشهر كاملة، وكان على وشك وقف المشروع بأكمله، حتى كانت تلك المفاجأة الجديدة.
رسالة من سيدة لماني حقيقي، تخبره بأنَّها قد علمت بأنَّه يقوم بتصوير فيلم عن الأحداث التي وقعت في جزيرة قشم خلال سنة 1964، وتعتقد أنه بإمكانها المساعدة.
لم يأخذ ماني حقيقي الأمر مأخذ الجد، لاعتياده على تلقّي مثل تلك الرسائل، لكنه اتخذ قراره بأن يقوم بإرسال فريق من معاونيه لتلك السيدة، حتى لا يترك فرصةً كان يمكنه استغلالها، ليذهب بالفعل فريق معاوني ماني حقيقي لتلك السيدة، التي تقوم بتسليمهم مظروفًا من أبيها بداخله شريط كاسيت، كان قد أعده قبل وفاته، لأي شخص سيهتم بأمر أحداث جزيرة قشم 1964، لتسلمه له، كإحدى وصاياه لها قبل وفاته، وهذه السيدة عندما علمت بأمر التَّجهيز لهذا العمل السينمائي، أدركت أنَّهم هم المعنيون بهذا الشريط، علمًا بأنَّ هذا الوالد - بالتَّبني - قد توفي خلال سنة 1987، من جرّاء إحدى الغارات العراقية، خلال الحرب العراقية - الإيرانية.
مَن تكون تلك السيدة، هذه هي إحدى مفاجآت هذا العمل التي ادخرها لنا لما يقرب من نهايته.
ومَن هو هذا الأب بالتَّبنّي، تلك مفاجأة أخرى أشد إثارةً، وأخيرًا، ما محتوى هذا الشريط، الذي كشف اللثام عن الجزء الخفي من الأحداث، عمّا وقع بعد التَّحقيق، عن مصير الرجال الثلاثة، عن سبب طلب كيڨان حداد للاعتقال، على الرغم من أنَّه كان غير مدان حتى وقت التَّحقيق، عن السر الغامض الذي يميل إلى الخرافة والأسطورة، الخاص بجزيرة قشم، تلك الجزيرة الصغيرة التي تقع ما بين إيران ودولة الإمارات - التَّي لم تكن قد أصبحت دولةً بعد خلال سنة 1964- والذي تمثّل ثقافة السكّان المحليين لتلك الجزيرة، مزيجًا ما بين الثقافات العربية والإيرانية والهندية.
وأخيرًا، فيلم «وصول تنين» هو تداخل رائع ما بين رحلتين، رحلة أحداث العمل، ورحلة صناعة العمل، في مزيج دقيق الصنع، نجح المبدع ماني حقيقي في صياغته بأسلوبه شديد التَّشويق، ليكون العمل الوحيد الذي أخرجه ماني حقيقي عن أحداث حقيقية، بعيدًا عن أفكاره التي دائمًا ما تتعدى حدود أي خيال، هو الأكثر خيالًا وإثارةً، ليحكي هذا العمل جزءًا من الفكر العام الذي ساد إيران، بل يمكن القول إنه قد ساد الغالبية العظمى من دول العالم، تجاه الفكر الشيوعي الاشتراكي، الذي كان قد بدأ في غزو العالم خلال عقد الستينات من القرن الماضي، وكيف مثّلت تلك الأعداد القليلة جدًّا من الاشتراكيين في كثير من الدول، هاجسًا لدى الأنظمة الحاكمة، وعلى الرغم من أنَّ هذا الجزء السياسي ليس هو محور أحداث العمل، فإنَّه مثّل المدخل لجميع تلك الأحداث الغامضة التي جرت في جزيرة قشم، خلال سنة 1964.