هوامش
شريف حسينلماذا ظهرت الواقعية في السينما العالمية؟ ج 1
2026.05.30
لماذا ظهرت الواقعية في السينما العالمية؟ ج 1
عندما كشف الأخوان لوميير عن اختراعهما المُذهل المُسمى «آلة السينماتوغراف»، في الثالث عشر من فبراير سنة 1895، لم يدُر بخُلدهما كيف سيقوم هذا الاختراع بتغيير وجه العالم، لكنهما هما نفسهما أسهما في هذا التغيير، عندما قاما بعد هذا الحدث المُدوي بشهر واحد فقط، باستخدام آلتهما في تصوير الحياه اليومية للبُسطاء.
كانت البداية من مدينتهما؛ مدينة ليون الفرنسية، عندما قاما في التاسع عشر من شهر مارس سنة 1895، بتصوير أول فيلم تسجيلي لهما، والذي كانت مُدته 50 ثانيةً فقط، مثله مثل جميع أفلامهما الأُخرى، لكون هذا الزمن هو الذي يسمح به طول بَكَرة الفيلم، وقاما بتسمية فيلمهما الأول «La Sortie de l'Usine Lumière à Lyon» أو «خُروج العُمَّال من مصنع لوميير بمدينة ليون»، وهو المصنع الذي قام بإدارته الأخوان لوميير، بعد قرار والدهما مؤسِّس المصنع بالتقاعُد، وكان المصنع خاصًا بإنتاج الألواح الحساسة، التي كانت تُستخدَم في كاميرات التصوير الفوتوغرافي في تلك الفترة.
كان هذا الفيلم الذي لم تزد مُدته عن 50 ثانيةً، إعلانًا عن أنَّ آلة التصوير السينمائي السينماتوغراف، تمَّ اختراعها في الأساس لتوثيق مظاهر الحياه الإنسانية، لتكون تلك المواد الفيلمية، وثائق مرئية عن شكل وطبيعة ونمط الحياة، في كُل مكان على ظهر كوكب الأرض، وأن الاهتمام بالتوثيق سيكون للطبقات الكادحة، أكثر منه للطبقات العُليا أو المُتيسرة.
قام الأخوان لوميير بجوله عالمية بآلة السينماتوغراف، وخلال سنوات قليلة جدًّا، قاما بتصوير عشرات الأفلام القصيرة من جميع الدول التي قاما بزيارتها، والرائع أنَّ جميع تلك المواد الفيلمية، لا تزال باقيةً حتى يومنا هذا، بل وتمَّ تجميعها خلال سنة 2016، في فيلم تسجيلي فرنسي حمل عُنوان «Lumiere l’aventure commence» أو «لوميير، وتبدأ المغامرة»، الذي ضمَّ العشرات من تلك الأفلام من فئة الخمسين ثانية، المُصوَّرة في جميع أنحاء الكرة الأرضية.
كانت مصر من بين الدول التي شملتها زيارات الأخوين لوميير، حيثُ زار الأخوان لوميير الإسكندرية، وقاما بعرض بعض أعمالهما المُصوَّرة في قهوة زواني بالإسكندرية، خلال شهر يناير من سنة 1896، كما قام مُمثلهما، مسيو بروميو، بتصوير أول مادة فيلمية في الإسكندرية أيضًا، في العاشر من مارس سنة 1897، وكانت عن وصول القطار لمحطة الرمل.
خلال سنوات لم تتعدَّ الثلاثين، تطوَّرت صناعة السينما الصامتة من أفلام قصيره مُدتها أقل من دقيقة واحدة خلال عقد التسعينات من القرن التاسع عشر، إلى أفلام ملحمية ضخمة، وصلت مُدة بعضها إلى ثلاث ساعات كامله، في مُنتصف العقد الثاني من القرن العشرين.
وبينما ركز صُنّاع السينما الأمريكيون على الأفلام ذات السمات التُجارية، مثل أفلام الكوميديا الڨودڨيل، وأفلام الغرب الأمريكي، أولت السينما الأوروبية الأهمية للإبداع الفني، من خلال حركات فنية مثل التعبيرية الألمانية والمونتاچ السوفيتي.
كانت مُدة الأفلام الصامتة في البداية مُحددة إلى حد كبير بكمية الفيلم (البكرات)، حيث استمرت من سنة 1896، وحتى سنة 1906، خمسين ثانيةً فقط، وكانت نلك الأفلام مُقتصرة على تصوير الحياة اليومية، فيما عُرفت باسم «المشاهد الواقعية».
من سنة 1906، وحتى سنة 1914، ظهر التوحيد القياسي حول الفيلم ذي البكرة الواحدة، والتي كانت في حُدود 15 دقيقة، لتبدأ نوعية من الأفلام السينمائية القصيرة، والتي كان طولها لا يتعدَّى تلك الدقائق الـ15.
من سنة 1915 بدأ عصر الأفلام الروائية الطويلة، حيثُ ظهرت فكرة العمل السينمائي المُصوَّر على أكثر من بَكرة، لتتجاوز الأفلام السينمائية 60 دقيقة، ليصل زمن فيلم «Birth of a nation» أو «مولد أمة» إنتاج سنة 1915، لأكثر من 3 ساعات من الطول.
في الولايات المُتحدة الأمريكية، تأسَّست الغالبية العُظمى من استوديوهات السينما الأمريكية الكُبرى، على يد مهاجرين يهود قادمين من أوروبا الشرقية، سعوا إلى إيجاد فرص جديدة لهم، في فترة كانوا مُستبعدين فيها من أغلب الصناعات القائمة في الولايات المُتحدة الأمريكية.
هاجرت هذه المجموعة من رواد الأعمال اليهود، الذين يُطلق عليهم حاليًا لقب «أقطاب السينما» للولايات المتحدة الأمريكية غربًا، هربًا من مُعاداة السامية في أوروبا، واحتكارات الصناعة في الساحل الشرقي من الولايات المتحدة الأمريكية، ليقوم هؤلاء بتحويل هوليوود، إلى أكبر قوة سينمائية على مُستوى العالم، على الرغم من أنَّ بداية الفكرة كانت أوروبية فرنسية، وكان أبرز تلك الشركات:
«Warner Bros» أو «الأخوة وارنر»، التي تأسَّست في الرابع من أبريل سنة 1923، على يد الأخوة هاري، ألبرت، سام، وجاك وارنر، أبناء مُهاجرين يهود بولنديين، وكانوا أول مَن خاطر باستخدام تقنية الصوت المُتزامن، من خلال أول فيلم سينمائي ناطق وهو «The jazz singer» أو «مُغنى الجاز»، إنتاج سنة 1927.
«Paramount pictures» أو «پارامونت»، والتي تأسَّست في الثامن من مايو سنة 1912، على يد أدولف زوكور، مُهاجر يهودي مجري، وكان رائد «نظام الاستوديوهات»، والشركة هي مُنتجة أولى الأفلام الروائية الطويلة.
«Metro Goldwyn Mayer» أو «مترو جولدوين ماير»، والتي تأسست في السابع عشر من شهر أبريل سنة 1924، عن طريق اندماج شمل بعض القادة اليهود وهم: ماركوس لوي، صموئيل جولدوين، لويس بي. ماير، وهو مُهاجر أوكراني، والذي أصبح فيما بعد، أحد أهم أباطرة صناعة السينما في هوليوود.
«Universal pictures» أو «يونيڨرسال»، التي أسَّسها اليهودي الألماني كارل ليميل في الثلاثين من أبريل سنة 2012، الذي كان أحد رواد صناعة السينما المستقلة، وهي أقدم تلك الشركات جميعًا.
«Columbia pictures» أو «كولومبيا»، التي أسَّسها هاري وجاك كوهين، وهما رجلا أعمال يهوديان من مدينة نيويورك، في العاشر من يناير سنة 1924.
نبع الرابط الوثيق بين اليهود وهوليوود في البداية ومرحلة التأسيس، إلى عدة عوامل تاريخية حاسمة، كان أهمها:
1- الإقصاء من السُلطة التقليدية: في أوائل القرن العشرين، كانت قطاعات راسخة، كالبنوك والقانون، مُغلقةً إلى حد كبير أمام المُهاجرين اليهود، كنتيجة للتمييز المُنتشر، أما صناعة السينما، فكانت حديثة العهد، وتمَّ التعامُل معها على كونها «صناعة شعبية»، وبالتالي، كانت فُرص اقتحامها أفضل كثيرًا، بالنسبة للمُهاجرين الأوربيين من اليهود.
2- الجذور في مهن ذات صلة: حيثُ انتقل لصناعة السينما العديد من المؤسِّسين من قطاعات كانت تتطلب فهمًا عميقًا لأذواق الجمهور، مثل تجارة الملابس أو مسرح الڨودڨيل.
3- السعي خلف «الحلم الأمريكي»: كان هؤلاء المُهاجرون مدفوعين برغبة قوية في الانخراط داخل المُجتمع الأمريكي، لذا، فمن خلال صناعة السينما، استطاعوا تحديد وتجسيد رؤية جديدة لولايات مُتحدة أمريكية شامله، تُرحب بجميع «الغُرباء».
4- التحرُر من الاحتكارات: على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، حاولت شركة توماس إديسون لبراءات اختراع الصور المتحركة، وكانت شركة احتكارية، السيطرة على صناعة السينما هناك، لذا، انتقل المنتجون اليهود المستقلون إلى كاليفورنيا؛ هربًا من هذه المعارك القانونية، وللاستفادة من أشعة الشمس هُناك طوال العام.