هوامش
آرون رضا ميراتمقامرة ترامب الكبرى.. أبعاد وتداعيات الهجوم على طهران
2026.02.28
مقامرة ترامب الكبرى.. أبعاد وتداعيات الهجوم على طهران
بعد ساعات قليلة من موافقة طهران على التنازل غير المسبوق المتمثل في التخلص من مخزونها النووي، أعلن دونالد ترامب بدء حرب جوية أمريكية وإسرائيلية واسعة النطاق ومستمرة للإطاحة بالجمهورية الإسلامية. وفي تبريره لهذا التصعيد ادعى ترامب أنه أطلق عملية الغضب الملحمي لرفض إيران التفاوض ورغبتها فقط في ممارسة الشر، وتزامن ذلك مع إعلان قوات الدفاع الإسرائيلية بدء عملياتها العدائية عبر تغريدة تذرعت فيها بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
وتجسيدًا لهذا الإعلان، وفي تمام التاسعة والخامسة والأربعين صباحًا بالتوقيت المحلي لمدينة طهران، استخدمت إسرائيل والولايات المتحدة قاذفات عالية الارتفاع ومقاتلات وصواريخ كروز لضرب أهداف عسكرية ومدنية في جميع أنحاء البلاد الشاسعة. وقد استهدفت هذه الهجمات كلًا من المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان، لتضج وسائل الإعلام الإسرائيلية بتقارير تفيد بمقتل خامنئي الذي حكم إيران لقرابة ثلاثين عامًا، وهو ادعاء سارعت وسائل الإعلام الإيرانية إلى نفيه، في حين أفادت مصادر داخل إيران بمقتل نجل خامنئي وزوجته. ولم تقتصر الضربات على القيادة السياسية، فقد طالت أيضًا الجنرال في الحرس الثوري الإسلامي محمد باكبور ووزير الدفاع الإيراني ورئيس الاستخبارات، لتمتد نيرانها وتصيب مدرسة للفتيات في مدينة ميناب جنوبي إيران، لتصل حصيلة القتلى حتى الآن إلى خمسين شخصًا مع إصابة عدد مماثل، ووفقًا لوسائل الإعلام المحلية فإن أعمار بعض الضحايا لا تتجاوز سبع سنوات. وفي مؤشر واضح على النوايا السياسية، استُهدفت كذلك منازل محمود أحمدي نجاد الذي تولى الرئاسة من عام ألفين وخمسة إلى ألفين وثلاثة عشر، ورئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي الخاضع للإقامة الجبرية منذ سبعة عشر عامًا، مما يعكس رغبة الولايات المتحدة وإسرائيل، في أحسن الأحوال، في إزاحة أي طامحين في السلطة خارج سيطرتهم، أو في أسوأ الأحوال، خلق فراغ في قمة السلطة قد يعجل بنشوب حرب أهلية.
وأمام هذا الهجوم الواسع، جاء الرد سريعًا من طهران التي أطلقت موجة أولى من الصواريخ الباليستية ضد إسرائيل مستهدفة الأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة. وتأتي هذه الخطوة في ظل تطويق إيران بقواعد جوية وبحرية أمريكية تضم نحو أربعين ألف جندي، حيث وردت أنباء عن وقوع ضربات في محيط قاعدة علي السالم الجوية الأمريكية في الكويت، ومقر الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية في البحرين، وقاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة الظفرة الجوية الأمريكية في الإمارات العربية المتحدة. وتزامن ذلك مع تسجيل انفجارات في العاصمة السعودية الرياض ومحيطها التي تضم أصولًا عسكرية أمريكية مهمة، لتصعد إيران الموقف استراتيجيًا بإغلاق مضيق هرمز الذي يمثل عنق الزجاجة لخُمس إمدادات النفط العالمية.
ولا يعد هذا التصعيد المفاجئ غريبًا على الاستراتيجية الإسرائيلية التي جعلت من استخدام أفق السلام تكتيكًا لشن الحروب على أعدائها سمة مميزة لها. ففي شهر يونيو الماضي، وخلال الجولة الأخيرة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية بشأن الملف النووي، قتلت إسرائيل كبار مفاوضي طهران وحاولت الإطاحة برأس الحكومة المدنية في اليوم الأول من حربها التي استمرت اثني عشر يومًا على إيران، والتي انضمت إليها الولايات المتحدة في يومها الأخير. وتكرر هذا النهج في شهر سبتمبر، عندما كانت الجهود الدبلوماسية بشأن حرب غزة تقترب من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، لتهاجم إسرائيل الجناح السياسي لحركة حماس في الدوحة.
وإذا انتقلنا إلى المنظور الأمريكي، نجد أن المفاوضات مع إيران قد تأطرت برغبة ترامب في الفوز باتفاق أكثر فائدة للولايات المتحدة من الاتفاق المروع الذي تفاوض عليه باراك أوباما أخيرًا في عام ألفين وستة عشر بعد أكثر من عقد من الدبلوماسية بين طهران والقوى العالمية. وكان ترامب قد انسحب من الاتفاقية بشكل أحادي الجانب خلال ولايته الأولى، متخذًا منذ ذلك الحين موقفًا متشددًا في المفاوضات مع طهران يتوافق مع المطلب الإسرائيلي القديم المتمثل في حرمان إيران من حقها في تخصيب أي يورانيوم. وتجلت هذه العقلية في هفوة كاشفة وقعت في الحادي والعشرين من فبراير، حين صرح كبير مفاوضي ترامب ستيف ويتكوف بأن الرئيس تفاجأ بأن طهران لم تستسلم ببساطة للمطالب الأمريكية. وعقب هذا التصريح، بدا أن الجانبين يقتربان من التوصل إلى اتفاق، حيث أذعنت إيران لمطالب ترامب بنطق الكلمات السرية القائلة إننا لن نمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا، ووافقت على تخصيب اليورانيوم بالقدر الذي يلبي متطلبات إنتاج النظائر الطبية وتشغيل محطتها الفردية للطاقة النووية فقط.
ورغم هذا التقارب، وقف ترامب شأنه شأن أسلافه مقيد اليدين في المفاوضات، لأن الخيار الأمريكي لتقديم إعفاء كبير من العقوبات، وهو الشيء الوحيد الذي تريده إيران، يتطلب موافقة الكونجرس. وتصطدم هذه الموافقة بعقبة كبرى تتمثل في الدعم القوي الذي يحظى به الكونجرس من الحزبين للسياسات المتشددة ضد إيران، ويرجع ذلك لأسباب ليس أقلها النفوذ الطويل الأمد الذي يتمتع به اللوبي الإسرائيلي أيباك على السلطة التشريعية من خلال الدعم المالي لحملات المرشحين الودودين إذا صوتوا بما يتماشى مع مصالح إسرائيل.
وفي مواجهة هذه التعقيدات السياسية والعداء المستحكم، اتبع خامنئي على مدى عقود سياسة ما يسمى بالصبر الاستراتيجي المصممة لردع العنف الأمريكي والإسرائيلي أو على الأقل إبقائه داخل المنطقة الرمادية للعمليات السرية والتخريب والاغتيالات. وتغيرت هذه المعادلة منذ السابع من أكتوبر عام ألفين وثلاثة وعشرين، حين شنت إسرائيل بدعم أمريكي إبادة جماعية لا هوادة فيها ضد فلسطين، وحروبًا إقليمية ضد حلفاء إيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن، مما وفر الوسائل لطهران للحفاظ على عمقها الاستراتيجي ضد إسرائيل وبالتالي ضد الولايات المتحدة. والآن، وبعد أن تتعرض إيران لهجوم ثان غير مبرر، تشير جميع الدوافع إلى حتمية التصعيد، وهو ما يعني في الظروف الحالية تكثيف الهجمات المضادة وصولًا إلى حرب شاملة.
وتبرز هنا المعضلة الكبرى بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فبالرغم من قدرتهما على قتل الكثير من الناس وزرع الرعب بين السكان الإيرانيين، من المستبعد جدًا أن ينجح هدفهما الحربي المتمثل في قصف إيران لدفعها نحو الثورة، أو في أحسن الأحوال إحداث انقلاب عسكري. ويؤكد التاريخ هذه الحقيقة، فالحروب الجوية لم تنجح بمفردها قط في تحقيق تغيير النظام، ففي ألمانيا وكوسوفو خيضت الحروب الجوية جنبًا إلى جنب مع جيش احتلال، وفي عام ألفين وخمسة وعشرين تخلت الولايات المتحدة عن حربها الجوية ضد حكومة الأمر الواقع في اليمن. ولن تغيب عن ذاكرة طهران أحداث عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين عندما دعمت الميليشيات الشيعية اللبنانية خلال الحرب الأهلية اللبنانية في هجومها ضد القوات والشحن البحري الأمريكي، مما أدى في النهاية إلى سحب واشنطن لقواتها تحت النيران.
وما يزيد من قوة الموقف الإيراني هو الدعم غير المسبوق الذي تتلقاه طهران من روسيا والصين منذ شهر يونيو، حيث تعمل موسكو جنبًا إلى جنب مع طهران على إعادة بناء دفاعاتها الجوية، بينما توفر الصين صواريخ مضادة للسفن. وقد تجلى هذا الدعم بوضوح حين نشرت شركة صينية خاصة مقربة من الجيش صورًا التقطتها الأقمار الصناعية لمواقع الأصول البحرية الأمريكية، وهو تحرك فسره المراقبون على أنه إشارة جلية من الصين إلى قدرتها واستعدادها لتزويد إيران بمعلومات استخباراتية في الوقت الفعلي للدفاع عن نفسها.
وفي مقابل هذا التحالف الشرقي، لا تملك السياسة الداخلية الأمريكية المعاصرة بدورها قدرة تذكر على تحمل خسائر بشرية أمريكية كبيرة. وبناء على ذلك، يبدو أن إيران تمتلك استراتيجية محكمة، تعتمد على المدى القصير على استيعاب الضربات ومحاولة إلحاق أقصى تكلفة ممكنة وبسرعة بالولايات المتحدة وإسرائيل، على أمل أن تنجح الأطراف الإقليمية الفاعلة التي تخشى حدوث زعزعة أوسع للاستقرار في الضغط على الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار. أما على المدى الطويل، فقد استعدت إيران بشكل كامل لحرب دموية ومستمرة، إذ عين خامنئي خليفته وأصدر تعليمات بتعيين أربعة مستويات من المسؤولين العسكريين في حالة وقوع ضربات تستهدف القادة، لتصبح استراتيجية طهران النهائية متمركزة حول استهداف وقتل عدد كاف من الأمريكيين لإنهاء الحرب من خلال زعزعة استقرار ترامب في الداخل.
- نُشر في Jacobin بتاريخ 28 فبراير 2026.