هوامش
أشرف إبراهيمأصوات لم تُسمع: يوميات عمال التراحيل في أرشيف الصحافة المصرية
2026.05.30
أصوات لم تُسمع:
يوميات عمال التراحيل في أرشيف الصحافة المصرية
في زوايا الصفحات الداخلية للصحف المصرية، وتحديدًا في المساحات الضيقة المُخصَّصة لأخبار الحوادث أو القضايا العُمَّاليِّة الهامشية، يقبع تاريخ موازٍ لمصر. ليس تاريخ الزعماء والحروب وقرارات التأميم والانفتاح، بل تاريخ الأجساد التي مهَّدت الأرض لكل هؤلاء، ثم طواها النسيان.
إنَّه تاريخ «عُمَّال التراحيل»؛ تلك الكتلة البشرية الهائلة التي تتحرَّك كأشباحٍ في خلفية المشهد المصري منذ أكثر من قرن، تحمل الفأس والمقطف، وتبني السدود والمدن، وتستصلح الأراضي، لتعود في نهاية اليوم - أو لا تعود - إلى المجهول.
هذا المقال هو محاولة لنفض الغبار عن أرشيف الصحافة المصرية، ليس لقراءة الأخبار كما كُتبت، بل لقراءة ما بين السطور، واستنطاق الصمت الذي يلف حياة ملايين الفلاحين الذين تحوَّلوا إلى وقود حيوي لماكينة التحديث المصرية، من الملكية إلى الجمهورية، دون أنْ يعترف بهم أحد كـ«مواطنين» كاملي الحقوق.
من «السُّخرة» إلى «التراحيل».. هندسة الشقاء
لكي نفهم موقع عامل التراحيل في الأرشيف، يجب أنْ نفهم موقعه في التاريخ.
تشير القصاصات الصحفية العائدة لثلاثينات وأربعينات القرن العشرين إلى أنَّ نظام التراحيل لم يكن سوى «الابن الشرعي» لنظام السُّخرة الذي ألغاه الخديوي سعيد نظريًّا، لكنه استمرَّ فعليًّا تحت مسميات اقتصادية جديدة.
في الأرشيف، لا نجد اسمًا للعامل، بل نجد دائمًا اسم «المقاول». المقاول هو سيد المشهد.
يصف أحد التحقيقات الصحفية في مجلة «المصور» في الأربعينات مشهد ترحيل العُمَّال من قرى الصعيد إلى الدلتا وكأنَّها عملية شحن للمواشي. يتم الاتفاق مع «الأنفار» (لاحظ استخدام كلمة «نفر» بدلًا من عامل أو موظف، وهي كلمة عسكرية توحي بالتجرُّد من الفردية) عبر وسيط محلي، ليتم شحنهم في عربات بضائع مكشوفة أو قطارات الدرجة الثالثة.
يكشف الأرشيف أنَّ بنية الاستغلال كانت - ولا تزال - قائمةً على مبدأ «التجويع الممنهج». العامل يتقاضى «السلف» قبل السفر ليترك شيئًا لأهله، مما يجعله مدينًا للمقاول قبل أنْ يضرب أول فأس في الأرض. هذا الدين هو القيد غير المرئي الذي يحل محل السلاسل الحديدية القديمة.
الصحافة في العهد الملكي كانت تتعامل مع هذه الظاهرة تارةً باعتبارها «ضرورةً اقتصاديةً» لاستصلاح أراضي البشوات، وتارةً بنوع من الشفقة الإحسانية الموسمية حين تقع كارثة، لكنها نادرًا ما ساءلت النظام الاقتصادي الذي ينتج هذا البؤس.
كانت التراحيل هي الحل السحري للرأسمالية الزراعية المصرية: قوة عمل رخيصة، متنقلة، مرنة، بلا حقوق، بلا تأمينات، وبلا صوت. هم موجودون حين نحتاجهم للحصاد أو الحفر، ويختفون (أو يُفترَض بهم ذلك) بمجرد انتهاء المهمة.
مفارقة «السد العالي».. بناة الأهرام الجُدد وحقوقهم الضائعة
مع قيام ثورة يوليو 1952، وتصدُّر خطاب «العدالة الاجتماعية» و«إنصاف الفلاح»، قد يتوقَّع الباحثُ في الأرشيف أنْ يجد تغيُّرًا جذريًّا في وضع عمال التراحيل. الحقيقة التي تكشفها الصحف في الستينات أكثر تعقيدًا ومرارة.
امتلأت الصحف (الأهرام، الأخبار، الجمهورية) بصور السواعد السمراء التي تبني السد العالي، وتحفر الترع، وتُشيِّد المصانع. تمَّ الاحتفاء بـ«العامل» كرمزٍ للنظام الجديد. لكن عند التدقيق في التفاصيل، نجد أنَّ «عامل التراحيل» ظلَّ في منزلة أدنى من «العامل الدائم» أو الموظف الحكومي.
تشير تحقيقات صحفية نادرة وجريئة في تلك الفترة (كتب بعضها صحفيون يساريون حاولوا تسليط الضوء على التناقض) إلى أنَّ عمال التراحيل الذين بنوا السد العالي كانوا يعملون غالبًا عبر مقاولين من الباطن، وليس بتعيين حكومي مباشر يضمن لهم المعاش أو التأمين الصحي. كانت الدولة تبني اشتراكيتها بأدوات رأسمالية بدائية فيما يخص العمالة الموسمية.
في أرشيف الستينات، نلمح شكاوى خجولة في بريد القراء من عمال أُصيبوا بالعجز أثناء العمل في مشاريع قومية، ولم يجدوا مَن يعالجهم لأنَّهم «عمال يومية» غير مقيدين في دفاتر الحكومة.
هنا تظهر المفارقة الكبرى: الدولة تحتفي بـ«صورة» العامل كأيقونة دعائية، لكنها تتجاهل «جسد» العامل ككيان مادي له احتياجات وحقوق.
كان عامل التراحيل هو «الجندي المجهول» الذي طُلبت منه التضحية من أجل معركة التنمية، لكنه تُرك ينزف وحيدًا في أرض المعركة بعد انتهاء الاحتفالات.
«الموت على الإسفلت».. الخبر الوحيد المسموح به
إذا أجريت مسحًا كميًّا لأرشيف الصحافة المصرية بحثًا عن كلمة «عمال التراحيل»، فستجد أنَّ 80% من النتائج مرتبطة بكلمة أخرى: «مصرع».
· «مصرع 12 عاملًا في انقلاب سيارة نقل بطريق الإسكندرية الصحراوي».
· «السرعة الجنونية تنهي حياة 20 من عمال التراحيل بالمنيا».
· «اختلاط الدماء بالأسمنت في حادث مروع».
هذا هو «النوع الأدبي» الوحيد الذي يُسمَح فيه لعُمَّال التراحيل باحتلال العناوين الرئيسية: الموت الجماعي. لكن، كيف تُكتب هذه الأخبار؟
تحليل الخطاب الصحفي لهذه الحوادث يكشف عن «تطبيع» مرعب مع الموت. اللغة المُستخدَمة دائمًا لغة «قدرية». الحادث قضاء وقدر، أو خطأ سائق متهور، أو انفجار إطار. نادرًا ما تشير التغطية الصحفية إلى «الجريمة الهيكلية»: لماذا يتم نقل 50 إنسانًا في صندوق سيارة نقل مخصص للبضائع أو المواشي؟.
في الثمانينات والتسعينات، مع تزايد حوادث الطرق، تحوَّل موت عمال التراحيل إلى مجرد إحصائية رقمية. يذكر الخبر عدد القتلى، وأعمارهم (غالبًا شباب وأطفال)، وقريتهم، ثم ينتهي الأمر. لا توجد متابعة صحفية لما حدث للأسر التي فقدت عائلها الوحيد. لا توجد مساءلة لوزير القوى العاملة أو الداخلية عن قوانين النقل التي تُنتهك جهارًا نهارًا.
الأرشيف هنا يعمل كـ«ثلاجة موتى»؛ يحفظ الأرقام، لكنه يطمس القصص. الموت المُتكرِّر لعُمَّال التراحيل في الصحافة المصرية ليس خبرًا، بل هو طقس من طقوس الحداثة المُشوَّهة في مصر؛ قربان بشري يُقدَّم يوميًّا على طرقات السفر السريع من أجل أنْ تستمرَّ عجلة المعمار والزراعة في الدوران بأقل تكلفة ممكنة.
سوسيولوجيا «الغربة».. ماذا يأكلون وأين ينامون؟
بعيدًا عن أخبار الموت، نجد في بعض التحقيقات الصحفية الاستقصائية (خاصة في صحافة المعارضة أو التحقيقات الاجتماعية في مجلتَي صباح الخير وروز اليوسف في فترات معينة) تفاصيل مذهلة تعيد بناء الحياة اليومية لهؤلاء «الغرباء».
1- «العشة» و«الجورة»: تصف التقارير أماكن مبيت عمال التراحيل بأنَّها بؤر لا تصلح للحياة الآدمية. في مواقع استصلاح الأراضي، ينامون في حفر في الأرض تُسمى «الجورة» ليحتموا من الرياح، أو في عشش من القش.
الأرشيف يمتلئ بقصص عن حرائق التهمت هذه العشش ليلًا وهم نيام، أو عن عقارب وثعابين هاجمتهم. «الكامب» (Camp) الخاص بهم هو دائمًا على هامش المشروع، بعيدًا عن سكن المهندسين والمشرفين، مما يرسِّخ الفصل الطبقي المكاني.
2- «الغموس» والمرض: ماذا يأكل عامل التراحيل؟ تتكرَّر في التحقيقات مفردات: «العيش الناشف»، «المش»، «البصل»، و«الشاي الثقيل».
هذا النظام الغذائي الفقير، مع شرب مياه الترع الملوثة، جعلهم فريسةً تاريخيةً للبلهارسيا والأنكيلوستوما.
الصحافة الطبية في السبعينات كانت تربط دائمًا بين انتشار الأمراض المتوطنة وحركة عمال التراحيل، لكنها كانت أحيانًا تلومهم على «قلة وعيهم الصحي» بدلًا من لوم الدولة التي لم توفر لهم مياهًا نظيفة في مواقع العمل.
3- الطفولة المسروقة: جانب آخر مؤلم يكشفه الأرشيف، هو عمالة الأطفال.
«الأنفار الصغار» الذين يتم شحنهم مع آبائهم، تظهر صورهم في الخلفية، بوجوه مغطاة بالغبار، يحملون قصاعًا (أوعية نقل الرمل) أكبر من رؤوسهم.
الصحافة كانت تتعامل مع هذا الأمر كـ«واقع اجتماعي» مقبول في الريف، ونادرًا ما تمَّ التعامل معه كجريمة انتهاك طفولة إلا في سياق حملات التوعية المدرسية، وليس في سياق منع الاستغلال الاقتصادي.
يوسف إدريس و«الحرام».. حين أنقذ الأدب الحقيقة
لا يمكن الحديث عن عمال التراحيل في الذاكرة المصرية دون التوقُّف عند المحطة الأهم: رواية «الحرام» ليوسف إدريس، والتي تحوَّلت لفيلم شهير. على الرغم من أنَّ هذا عمل أدبي/سينمائي، فإنَّ تغطية الصحافة له وقت صدوره، والنقاشات التي فجَّرها، تُعدُّ جزءًا من الأرشيف الذي نحن بصدده.
لأول مرة، يرى المجتمع المصري «الغرابوة» (عمال التراحيل الغرباء عن القرية) ليس كتهديد أمني أو وبائي، بل كبشر. قصة «عزيزة» وسر الروث، وجوع العُمَّال، وخوفهم من «التراحيل» (الشرطة/السلطة).
الصحافة الفنية والنقدية التي تناولت العمل وقتها، فتحت بابًا نادرًا للحديث عن بؤس هذه الطبقة. الأدب هنا قام بما عجزت عنه الصحافة الخبرية؛ لقد منحهم «وجهًا» و«صوتًا» ومعاناة فردية يمكن التعاطف معها.
«الحرام» وثيقة تاريخية اجتماعية أصدق من ألف تقرير حكومي محفوظ في دار الوثائق، لأنَّه رصد نظرة الريف المستقر (الفلاح المالك) المتعالية والعدائية تجاه الريف المتنقل (عامل التراحيل المعدم).
في ظل النيوليبرالية.. من «الفأس» إلى «الصاروخ»
بالانتقال إلى أرشيف التسعينات والألفينات، وصولًا إلى اللحظة الراهنة، نلاحظ تحوُّلًا في طبيعة عمل التراحيل، لكن الجوهر الاستغلالي واحد. مع تراجع الزراعة وتغوُّل التوسُّع العمراني، تحوَّل «فلاح التراحيل» إلى «عامل معمار». تغيَّرت الأداة من الفأس إلى «الصاروخ» وحمل الأسمنت.
الصحافة اليوم تطلق عليهم مسمى «العِمَالة غير المنتظمة». ظهر هذا المصطلح بقوة خلال أزمة «كورونا»، حين اكتشفت الدولة فجأة أنَّ هناك ملايين لا يمكنهم «العمل من المنزل» لأنَّ عملهم في الشارع، وقوتهم يومي. المنحة التي قُرِّرت لهم (500 جنيه) كانت اعترافًا رسميًّا بوجودهم، لكنها كشفت أيضًا عن هشاشة وضعهم.
في الأرشيف الحديث، تظهر تحقيقات عن «مواقف العُمَّال» في ميدان المؤسسة، والحي العاشر، والتجمع الخامس. يجلسون على الأرصفة في انتظار سيارة نصف نقل تتوقَّف لتنتقي منهم مَن «صحته كويسة».
المشهد لم يختلف كثيرًا عن «سوق النخاسة» القديم، إلا في الديكور العمراني الحديث. المقاول لا يزال هو السيد، واليومية لا تزال لا تكفي، والتأمين الاجتماعي حلم بعيد المنال.
كما يرصد الأرشيف الحديث ظاهرة جديدة: دخول خريجي الدبلومات والمعاهد المتوسطة إلى سوق التراحيل؛ بسبب البطالة. لم يعد الأمر مقتصرًا على الأميِّين، بل أصبح مصير قطاع واسع من شباب الأقاليم الذين تلفظهم المدن الكبرى ولا تستوعبهم الوظائف الرسمية.
المرأة في عالم التراحيل.. القهر المضاعف
إذا كان عامل التراحيل يعاني من القهر، فإنَّ «عاملة التراحيل» تعاني منه مضاعفًا. تشير تقارير حقوقية وصحفية (خاصة في العقد الأخير) إلى تزايد ظاهرة «تأنيث التراحيل»، خاصة في مواسم الحصاد الزراعي (جمع القطن، الياسمين، البطاطس).
الفتيات والنساء يُنقَلن في ظروف أسوأ، ويتعرَّضن لمخاطر التحرُّش والاستغلال الجنسي من قبل «الملاحظين» والمقاولين، وغالبًا ما يحصلن على أجر أقل من الرجل عن العمل نفسه.
قصص «بنات التراحيل» التي غرقت معدياتهن في النيل (مثل حادثة معدية منشأة القناطر) تظهر في الصحافة كلمحات مأساوية خاطفة.
«عرايس الجنة» هو العنوان المُفضَّل للصحافة الصفراء، وهو عنوان يختزل المأساة في رومانسية الموت، ويغطي على قسوة الحياة التي دفعت طفلةً في الثالثة عشرة للعمل 12 ساعة يوميًّا مقابل حفنة جنيهات لتجهيز نفسها للزواج، أو لإعالة أسرتها.
الأرشيف هنا يحتاج إلى قراءة جندرية واعية تُفكِّك طبقات القهر المركب (الطبقي والنوعي) الواقع على هؤلاء النساء.
الأرشيف كشاهد إثبات
في الختام، إنَّ تصفح أرشيف الصحافة المصرية بحثًا عن «يوميات عمال التراحيل» ليس رحلةً في الماضي، بل هو مواجهة مع «ضمير الدولة والمجتمع».
هذا الأرشيف يقول لنا بوضوح: إنَّ مصر الحديثة، من محمد علي إلى المدن الذكية، بُنيت على أكتاف هؤلاء. هم الذين شقوا القناة، وبنوا السد، وشيَّدوا المدن الجديدة، وزرعوا الصحراء.
لكن الأرشيف يقول أيضًا إنَّ الثمن الذي دُفع كان فادحًا، وإن «العقد الاجتماعي» بين الدولة وهؤلاء العُمَّال لم يُكتب أبدًا. ظلوا دائمًا في المنطقة الرمادية؛ ضروريون للإنتاج، وفائضون عن الحاجة عند توزيع الحقوق.
إنَّ أهمية إعادة قراءة هذه القصص اليوم لا تكمن في البكاء على الأطلال، بل في فهم آليات الاقتصاد السياسي الذي لا يزال يعيد إنتاج «نظام التراحيل» بأشكال جديدة. سواء كانوا عمال دليفري، أو عمال نظافة بعقود مؤقتة، أو عمال بناء في العاصمة الجديدة، فإنَّ جوهر «التراحيل» - كعلاقة عمل هشة ومجحفة - لا يزال حيًّا.
لعل الخطوة الأولى لإنصافهم هي أنْ نراهم، أنْ نحرِّرهم من خانة «أخبار الحوادث» ونعيدهم إلى خانة «البشر»، أنْ نكتب تاريخهم من أسفل، ونعترف بأنَّ الإسفلت الذي نسير عليه، والجدران التي تحمينا، والخبز الذي نأكله، كلها ممهورة بعرق ودماء «أصوات لم تُسمَع».
مراجع ومصادر مقترحة للقراءة المتعمقة:
1- رواية «الحرام» - يوسف إدريس: الوثيقة الأدبية الأهم.
2- كتاب «عمال التراحيل» - د. عطية فليمون: دراسة سوسيولوجية نادرة.
3- أرشيف مجلة «الطليعة» (الستينات): لمتابعة النقاشات اليسارية حول العمالة الزراعية.
4- أغنية «بقرة حاحا» للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم: التعبير الفني عن قهر الفلاح والعامل.
5- تقارير «دار الخدمات النقابية والعمالية»: لرصد أوضاع العمالة غير المنتظمة حديثًا.
6- أفلام تسجيلية: مثل فيلم «صيد العصاري» لعلي الغزولي، الذي وثق حياة صيادي وعمال التراحيل ببراعة بصرية.