هوامش
أشرف إبراهيمتشريح الانفجار الكبير وصراع الهيمنة في "اليوم الأول" للحرب العالمية المصغرة
2026.02.28
تشريح الانفجار الكبير وصراع الهيمنة في "اليوم الأول" للحرب العالمية المصغرة
لم يكن فجر هذا اليوم مجرد بداية لعملية عسكرية إقليمية عابرة، بل كان اللحظة التي اختار فيها النظام العالمي أن يفجر تناقضاته الكبرى في قلب الشرق الأوسط، معلناً نهاية مرحلة "الاستقرار الهش" وبداية عصر الصدام المباشر. مع دوي الانفجارات العنيفة التي هزت جبال "نطنز" ومنشآت "أصفهان" وكرج الحيوية، لم تكن الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية تستهدف فقط القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، بل كانت تطلق رصاصة البدء في عملية "إعادة هندسة" قسرية للخارطة الدولية. إننا اليوم أمام مشهد معقد يتداخل فيه أزيز الرصاص بصرير الأكواد البرمجية، وحركة برميل النفط بأسعار رغيف الخبز في أبعد قرى القارة الأفريقية، في صراع وجودي يعكس أزمة بنيوية عميقة في قلب المركزية الغربية الطامحة لتثبيت تفوقها المتآكل أمام صعود أقطاب جديدة.
الميدان المشتعل: صدام "التكنولوجيا المطلقة" واستراتيجية "الإنهاك الكتلي"
على الصعيد العسكري المباشر، نحن نتابع الآن ملامح مواجهة غير مسبوقة بين مدرستين قتاليتين متناقضتين في الجوهر والأسلوب؛ المدرسة الغربية التي تتبنى مفهوم "السيطرة الجوية المطلقة" والذكاء الاصطناعي، والمدرسة الإيرانية التي تعتمد على "الرد غير المتماثل" والإنهاك المستمر. العملية المشتركة التي انطلقت تحت مسمى "الأسد الهصور" اعتمدت في موجاتها الأولى على "الاستهداف الجراحي" فائق الدقة، حيث تم توظيف طائرات "إف-35" والجيل السادس من المسيرات الخفية المدعومة بنظام "إنجيل" للذكاء الاصطناعي، والذي يقوم بمعالجة آلاف الأهداف في أجزاء من الثانية وتحديث إحداثيات القصف لحظياً بناءً على رصد الأقمار الصناعية.
إلا أن الرد الإيراني، ضمن استراتيجية "الوعد الصادق 4"، كشف عن وجه جديد تماماً لحروب القرن الحادي والعشرين؛ وهي "حرب المسيرات الانتحارية الرخيصة" التي تستهدف استنزاف التكنولوجيا الغربية مادياً. فبينما تطلق الطائرات الغربية صواريخ تكلف الملايين، ترد طهران بإغراق الأجواء بآلاف المسيرات التي لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها بضعة آلاف من الدولارات، مما خلق حالة من "الإرباك الرقمي" لمنظومات الدفاع الجوي مثل "ثاد" و"آيجيس". هذا التباين في "القيمة المادية للدمار" يمثل التحدي الأكبر للمخطط الغربي؛ حيث تتحول المعركة إلى استنزاف مالي مرعب للميزانيات العسكرية التي باتت تضخ مليارات الدولارات في صواريخ اعتراضية لمواجهة أسلحة بدائية الصنع، مما يجعل من هذه الحرب عملية "نزيف اقتصادي" قبل أن تكون حسماً عسكرياً واضحاً على الأرض.
حرب الظل الرقمية: حين تتحول الأكواد البرمجية إلى قنابل عابرة للحدود
بالتوازي مع القصف المادي الجاري فوق الهضبة الإيرانية، اندلعت "حرب ظل" إلكترونية هي الأشرس والأوسع نطاقاً في التاريخ البشري. التقارير الفنية الموثوقة من مراكز الأمن السيبراني في فرانكفورت وسنغافورة تؤكد أن التحالف الغربي أطلق برمجيات خبيثة من جيل "ستوكسنت 3.0" المتطور، والذي لم يستهدف المفاعلات فحسب، بل تغلغل في "النخاع الشوكي" للبنية التحتية الإيرانية. النتيجة التي نراها الآن هي شلل تام في شبكات توزيع الكهرباء والمياه في طهران وتبريز وأصفهان، ليس بسبب القصف الجوي دائماً، بل نتيجة "هجمات رقمية" أدت لإيهام التوربينات بوجود أعطال، مما أجبرها على الإغلاق الذاتي.
وفي المقابل، لم يتأخر الرد السيبراني الإيراني، الذي يرجح الخبراء أنه مدعوم بتقنيات تشفير متطورة من قوى دولية حليفة، ليضرب "العصب المالي" للغرب في مقتل. لقد رصدنا اليوم هجمات "تسونامي رقمي" من نوع (DDoS) استهدفت منصات التداول الكبرى في "وول ستريت" وعطلت جزئياً نظام "سويفت" للتحويلات البنكية الدولية. الهدف الإيراني هنا استراتيجي بامتياز: تدمير "الثقة" في النظام المالي العالمي المتمركز حول الغرب. إن شلل البنوك في نيويورك وتل أبيب، وصعوبة وصول المواطنين لمدخراتهم الرقمية، يمثل الرد الأكثر إيلاماً لمركز النظام الرأسمالي، حيث تدرك طهران أن نقطة ضعف الخصم تكمن في هشاشة نظامه القائم على السيولة اللحظية والائتمان الرقمي، وهي ضربة تهدف لإثارة الرعب في الشارع الغربي وزعزعة الاستقرار الداخلي عبر بوابة الاقتصاد.
المحركات الاقتصادية العميقة: الحرب كضرورة لتجاوز أزمات النظام
خلف ستار الشعارات الرنانة حول "الدفاع عن الديمقراطية" أو "البرنامج النووي"، تظهر هذه الحرب كضرورة حتمية لنظام عالمي يعاني من أزمات بنيوية خانقة. من منظور التحليل الاقتصادي الكلي، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام تحدي "تآكل سيادة الدولار" نتيجة تزايد نفوذ تكتل "بريكس+" وتوجه إيران لبيع بترولها بعملات بديلة. إن تدمير البنية التحتية الإيرانية اليوم هو رسالة قسرية لإعادة فرض "الانضباط الدولاري" على أسواق الطاقة العالمية، ووأد أي محاولة للتمرد على الهيمنة المالية لـ "وول ستريت".
علاوة على ذلك، يلعب "المجمع الصناعي العسكري" دور المحرك الأساسي؛ حيث يجد الاقتصاد الرأسمالي في الحروب الكبرى "مُنفّساً" ضرورياً لتصريف فائض الإنتاج العسكري وتنشيط دورة رأس المال عبر صفقات السلاح التريليونية وعقود إعادة الإعمار المستقبلية. إن ارتفاع أسهم شركات السلاح الكبرى اليوم بنسب قياسية يوضح أن الدمار في الشرق الأوسط يترجم مباشرة إلى تراكم ثروات في جيوب القلة الحاكمة في مراكز القرار الدولي. الحرب هنا ليست خللاً في النظام، بل هي "وظيفة حيوية" تهدف لإعادة توزيع الثروة من المال العام لدافعي الضرائب إلى خزائن الشركات العابرة للقارات، تحت غطاء الضرورة القومية.
لعبة الأمم الكبرى: صراع المحاور فوق حطام الشرق الأوسط
في هذه المواجهة، لم تعد إيران تحارب وحدها، بل تحولت إلى "ساحة اختبار" لصراع الأقطاب الكبرى:
- الصين (الرئة الاقتصادية): تلتزم بكين بـ "صمت استراتيجي" مدروس، لكنها تعمل كـ "ظهير لوجستي" لطهران عبر استمرار شراء النفط وتوفير مظلة سيبرانية وتقنية. الصين ترى في استنزاف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فرصة ذهبية لتعزيز نفوذها في شرق آسيا وحسم ملف تايوان بعيداً عن التدخل الأمريكي المباشر.
- روسيا (الحليف العسكري): تجد موسكو في هذه الحرب مخرجاً من حصارها في أوكرانيا؛ فكلما اشتعل الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار الطاقة، مما ينعش الخزينة الروسية. التقارير تؤكد وجود تنسيق عالٍ المستوى لتزويد طهران بأنظمة رصد وتشويش متطورة، مما يحول الحرب إلى استنزاف طويل الأمد للقوة الأمريكية الأطلسية.
- الاتحاد الأوروبي (الضحية الممزقة): يجد الأوروبيون أنفسهم في وضع مأساوي؛ فهم ملزمون سياسياً باتباع واشنطن، لكنهم يدركون أن انفجار منطقة الخليج يعني "انتحاراً صناعياً" لأوروبا نتيجة انقطاع إمدادات الغاز والنفط وارتفاع تكلفة العيش، مما قد يؤدي لثورات اجتماعية داخلية لا تحمد عقباها.
كارثة "مضيق هرمز": حين يصبح الجوع سلاحاً استراتيجياً
إن التطور الأخطر في ساعاتنا الأخيرة هو الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وتحوله إلى "منطقة عمليات ميتة". هذا الإغلاق لم يضرب فقط أسواق الطاقة، بل أطبق "المشنقة" على الأمن الغذائي العالمي. القفزة الجنونية في أسعار النفط (التي لامست 250 دولاراً للبرميل) أدت فوراً لارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين بنسبة 400%، مما انعكس بزيادات مرعبة في أسعار القمح والذرة والزيوت النباتية في البورصات العالمية.
الأكثر فتكاً هو التأثير على "صناعة الأسمدة"؛ حيث تعد منطقة الخليج المورد الرئيسي للغاز الطبيعي اللازم لإنتاج الأسمدة النيتروجينية. توقف هذه الإمدادات يعني أن المواسم الزراعية القادمة في الدول النامية (مثل مصر، الهند، ودول أفريقيا) ستكون كارثية، مما ينذر بموجة "مجاعة منظمة" واسعة النطاق. إننا أمام عملية "إعادة هندسة للجوع العالمي"، حيث يتم التلاعب بلقمة عيش الفقراء لخدمة أهداف جيوسياسية، مما يضع الشعوب النامية في مواجهة مباشرة مع خطر الفناء الاقتصادي والانهيار الاجتماعي الشامل.
الخلاصة والآفاق: نحو عالم جديد وسط الرماد
إن ما نرصده اليوم في "اليوم الأول" لهذه الحرب هو تجسيد حي لأزمة نظام عالمي لم يعد قادراً على إدارة تناقضاته بالدبلوماسية، فلجأ إلى "القوة العارية". توازن القوى الميداني، رغم ميله التقني للغرب، يصطدم بحقيقة صلبة وهي أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها تأمين سلاسل التوريد أو استعادة الثقة في العملات الرقمية المنهارة.
نحن أمام مخاض عالمي عسير؛ فإما أن تنجح الهيمنة الغربية في تثبيت أركانها عبر القوة المسلحة، أو أننا نشهد لحظة التفكك النهائي للقطبية الواحدة وبروز عالم متعدد الأقطاب يقوم على أنقاض البورصات المحترقة. وفي كلتا الحالتين، تظل الشعوب والطبقات العاملة هي من يدفع الثمن الباهظ بدمائها وقوتها، وسط صمت دولي وتواطؤ من القوى التي تقتات على أزمات الشعوب.