عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف إمام

حياة أونلاين… ووجود أوفلاين

2026.05.30

حياة أونلاين… ووجود أوفلاين

 

في هذا العصر المدهش -أو المربك على نحوٍ أدق- نجح الإنسان أخيراً في تحقيق حلمه القديم: صار بإمكانه أن يكون في كل مكان، في كل وقت، مع كل الناس… إلا في مكان واحد فقط: داخل نفسه. لقد اختصرنا المسافات، وسرّعنا الزمن، وربطنا القارات بأسلاك غير مرئية، حتى بدا العالم كقرية صغيرة… قرية مزدحمة، صاخبة، لكنها -لسبب غامض- مليئة بأفراد يعيش كلٌّ منهم في غرفته المغلقة. نحن نكتب أكثر من أي وقت مضى، نتحدث أكثر، ننشر أكثر، نعلّق أكثر… لكننا، على نحوٍ غير مريح، نشعر أقل. كأن اللغة نفسها فقدت عمقها، واكتفت بأن تصبح وسيلة لتأكيد أننا ما زلنا هنا… حتى لو لم نكن متأكدين من ذلك.

ليست هذه المفارقة طارئة، بل لها تاريخ طويل. فمنذ أواخر القرن الثامن عشر، بدأ مفهوم "الاغتراب" يتسلل إلى الفكر الفلسفي، كتشخيص مبكر لحالة إنسان بدأ يفقد علاقته بالعالم وبنفسه في آنٍ واحد. ومع الوقت، صار هذا المفهوم أشبه بمرآة واسعة تعكس كل أشكال الانفصال الممكنة: عن العمل، عن المجتمع، عن الذات، بل وعن المعنى ذاته الذي يجعل للحياة طعماً يُذكر.

وحين جاء كارل ماركس، لم يكتفِ بوصف المرض، بل حاول تحديد أسبابه. رأى أن الإنسان، في ظل النظام الرأسمالي، لم يعد فاعلاً في العالم، بل ترساً في آلة. العامل لا يملك ما يصنع، ولا يتحكم في عمله، بل يعمل داخل منظومة لا تسأله من هو، بل ماذا ينتج. بهذا المعنى، لم يعد العمل تعبيراً عن الذات، بل وسيلة لإنكارها. الإنسان يذهب إلى عمله كما يذهب إلى شيءٍ خارج عنه، يستهلكه ببطء، ويعيده في نهاية اليوم أقلّ مما كان. وقد لخص ماركس هذه الحالة بمرارة واضحة: العامل لا يحقق ذاته في العمل، بل يفقدها.

ثم جاء العصر الرقمي ليضيف لمسته الخاصة على القصة. لم يعد الإنسان مضطراً للذهاب إلى المصنع ليشعر بالاغتراب؛ يكفي أن يفتح هاتفه. ففي عالم الإنترنت، لم يعد الاتصال مشكلة، بل فائض الاتصال هو المشكلة. نحن متصلون طوال الوقت، ومع ذلك نشعر وكأننا خارج الشبكة… الإنسانية هذه المرة. كما يلاحظ زيغمونت باومان، لم تعد الهوية ثابتة، بل أصبحت "سائلة"، قابلة للتغيير حسب المنصة والمزاج والجمهور. نحن لا نعيش حياة واحدة، بل عدة نسخ منها، نحسن تنسيقها، وننشرها بعناية، ونراقب ردود الفعل عليها كما لو كانت تقييماً لوجودنا نفسه. وهنا تتحول الذات إلى مشروع عرض دائم؛ لا نعيش اللحظة بقدر ما نوثّقها، ولا نختبر التجربة بقدر ما نفكر كيف ستبدو، كأن الحياة لم تعد تُعاش، بل تُنشر.

وفي هذا السياق، يصف بيونغ-تشول هان واقعنا بأنه "مجتمع الإرهاق"؛ حيث لا يأتي التعب من القمع، بل من كثرة ما نظنه حرية. كل شيء متاح، كل شيء ممكن، وكل شيء مرهق. أما المعنى، فيبدو أنه لم يعد يواكب السرعة. كما يشير بول ريكور، يحتاج الإنسان إلى سردية متماسكة ليبني هويته، لكن كيف يمكن بناء قصة في عالم يتغير كل ثانية؟ حتى اللغة لم تسلم؛ فكما يرى جاك دريدا، تفكك المعنى أصبح سمة العصر. الكلمات تُختصر، الجمل تُبتَر، والمشاعر تُستبدل برموز صغيرة تبتسم أكثر مما ينبغي. وفي زاوية أخرى، يظهر ما وصفه جان بول سارتر بـ"النظرة"، ولكن بنسخة رقمية أكثر قسوة: جمهور لا نراه، ولكنه يرانا، يقيّمنا، يمنحنا لحظات من الاعتراف، أو يتركنا في صمت أثقل من الرفض.

أمام كل هذا، يبدو الإنسان المعاصر كأنه يؤدي دور البطولة في مسرحية لا يتذكر أنه وافق على المشاركة فيها. حاضر في كل مكان، ولكنه غائب عن نفسه. ومع ذلك، لا يزال هناك احتمال للمقاومة؛ ليس في الهروب من التكنولوجيا، بل في إعادة ترتيب العلاقة بها: أن نستخدمها دون أن نُستخدم، وأن نتصل دون أن نذوب، وأن نعود -ولو قليلاً- إلى التجربة التي لا تحتاج إلى نشر.

في النهاية، قد لا تكون المشكلة أننا وحدنا… بل أننا تعودنا على الوحدة حتى بدت طبيعية. وقد لا يكون السؤال: لماذا نشعر بالاغتراب؟ بل: متى بدأنا نعتبره أسلوب حياة؟ نحن نعيش أونلاين… لكن وجودنا -على ما يبدو- ما زال يبحث عن إشارة