هوامش
نجلاء عبد الجوادزوهار ريغيف: حين تتحوَّل الهوية إلى مقاومة
2026.06.06
زوهار ريغيف: حين تتحوَّل الهوية إلى مقاومة
وُلدت زوهار ريغيف عام 1972 في قلب التناقض الذي يعيشه الشرق الأوسط، وتحديدًا في كيبوتس «كفار هاحورش»، وهي مستوطنة زراعية إسرائيلية تقع على مقربة من مدينة الناصرة. هناك، حيث الأرض خضراء والسياج مرئي، يحكم السرد التأسيسي قبضته على كل طفل يولد.
كانت البيئة التي نشأت فيها تُرضع أبناءها حكايةً واحدةً عن الأرض، وحقًّا واحدًا في امتلاكها، ورُسمت الحدود بين العالم اليهودي والعالم الآخر بعناية؛ ليس بالأسلاك وحدها، بل بالتربية والذاكرة والخوف المُصنع. غير أنَّ زوهار كانت تحمل في داخلها شيئًا لم تستطع البيئة تشكيله على هواها؛ حساسية مُفرطة تجاه ما يُقال وما لا يُقال، وتجاه ما يُرى وما يُخفى خلف الرواية الرسمية.
عبور الجدار الداخلي
لم تكن عائلة زوهار تُشبه كثيرًا نظيراتها من العائلات الإسرائيلية في اتجاهاتها الفكرية؛ إذ كانت نظرتها إلى الاحتلال تتسم برفض واضح.
هذا المناخ رسَّخ في وجدان زوهار، منذ نعومة أظفارها، إحساسًا بظلم يجري على مرأى من الجميع، مما دفعها لاحقًا لاتخاذ قرار جريء بالانتقال إلى مدينة بيت لحم حينما استطاعت ذلك.
مثَّل هذا الاختيار، بكل ما يحمله من رمزية وشجاعة، نقطة التحوُّل الحقيقية في مسيرتها. وحين انتقلت للإقامة هناك، لم تعبر خطًّا جغرافيًّا فحسب، بل حطَّمت ذلك الجدار الداخلي الذي بنته عقود من التلقين.
أقامت زوهار في بيت لحم قرابة عامين، أفضيا إلى تحوُّل جوهري في مسارها الشخصي. التقت هناك وجوهًا لم تكن مُصنَّفة في خانة «العدو»، بل في خانة البشر؛ أناسًا لهم أسماء وذكريات، ويحتفظون بمفاتيح بيوتهم العتيقة كما يحتفظ غيرهم بالأوسمة.
في تلك المدينة، اكتشفت أنَّ القصة التي تعلمتها كانت ناقصة بشكل مقصود، وأنَّ هذا النقص ليس مجرد خطأ في الرواية، بل هو جوهرها الأساسي.
لم يكن الاحتكاك بالمجتمع الفلسطيني مجرد تجربة اجتماعية عابرة بالنسبة لزوهار، بل كان صدمةً معرفيةً بالمعنى الحرفي للكلمة. فقد رأت بعينيها طفلًا يُفتَّش أمام الحواجز، وسمعت امرأة تروي كيف انتظرت ساعات لتوصل مريضًا إلى المستشفى دون جدوى. لمست يوميًّا تلك الفجوة الهائلة بين ما تملكه بحكم هويتها، وما يُحرم منه الآخرون بحكم هويتهم، لتبدأ الأسئلة في قرع أبواب ضميرها بإلحاح لا يقبل التأجيل.
تفكيك منظومة الامتيازات
رغم أنَّ زوهار لم تكن يومًا يهوديةً متدينةً أو مُمارِسةً لأي طقس ديني، فإنَّها وجدت في قيم الإسلام ما ينسجم مع ميولها العميقة نحو العدالة، فاعتنقت الإسلام اعتناقًا صحيحًا.
لم يكن قرارها نزوةً عابرةً، أو استفزازًا، أو تأثرًا عاطفيًّا آنيًّا، بل كان في جوهره قرارًا عميقًا نابعًا من إعادة تعريف ذاتي شامل. وبما أنَّها نشأت في منظومة دينية وعرقية وقومية متراصة، فقد قرَّرتْ التخلِّي عن التصنيف الذي وُلدت فيه.
لم يكن اعتناقها للإسلام مجرد تخلٍ عن هوية، بل كان تخليًا عن «حصانة»؛ ففي السياق الإسرائيلي، ينتمي اليهودي إلى المجموعة الحاكمة وينتفع من منظومة الامتيازات حتى وإن رفضها ذهنيًّا. أما حين أصبحت مسلمة، فقد تنازلت طوعًا عن هذا الحصن، ووقفت في الجانب الذي يُنظَر إليه بالشك والريبة وتُفرَض عليه القيود.
يطرح موقف زوهار تساؤلًا جوهريًّا: ما الذي يدفع إنسانًا نشأ في منظومة امتيازات إلى تفكيكها بيديه؟
تجسِّد حياة زوهار هذه الحالة الإنسانية؛ فالنشأة في مستوطنة زراعية لا تعني فقط الترعرع على أرض مصادرة، بل تعني أيضًا تلقي تعليم مبني على ثنائية صارمة: «نحن وهم»، «الأمن والخطر»، «الحضارة والفوضى».
هذا التعليم يُبنى بصبر على مدى سنوات، ويُعزز بالإعلام والذاكرة الجماعية والطقوس الوطنية، ليغدو جزءًا من البنية النفسية للفرد لا مجرد معتقد قابل للمراجعة.
عن ذلك تقول زوهار: «كبرت لأدرك أنَّ الجذور أعمق بكثير من مجرد احتلال عام 1967، وأنَّ المشروع الصهيوني بأكمله قائم على منح امتيازات لجماعة على حساب أخرى، وهذه وصفة لحرب لا تنتهي».
وفي علم النفس الاجتماعي، تُعرَف هذه الحالة بظاهرة «خروج المجموعة»، حيث يشعر الفرد بأنَّ انتماءه لمجموعته الأصلية يكلفه كثيرًا على صعيد الضمير والكرامة الأخلاقية. هذا التعارض بين الهوية الجمعية والتكامل الداخلي يجعل بعض الأفراد يختارون ما يبدو للآخرين «خيانة»، بينما هو في الواقع أعمق أشكال الوفاء للقيم التي يؤمنون بها فعلًا، لا للجماعة التي انتسبوا إليها بالصدفة.
من إسبانيا إلى أساطيل الحرية
في عام 2004، غادرت زوهار بيت لحم مهاجرةً إلى إسبانيا، لتبدأ فصلًا جديدًا وخطوةً إضافيةً في مسيرة التَّحرُّر من السياق الضاغط. فالمسافة الجغرافية لا تعني الابتعاد عن القضية، بل تمنح الرؤية وضوحًا أكبر؛ ومن خارج دوامة الهوية الإسرائيلية اليومية، استطاعت ريغيف أنْ تؤطِّر موقفها بوصفه خيارًا واعيًا وليس اضطرارًا. لم يكن اختيارها لإسبانيا عشوائيًّا لمناضلة ضد التمييز والاحتلال؛ فهي بلد يحمل في ذاكرته الجماعية أثر الفاشية والمقاومة معًا، ويُمثِّل تربةً خصبةً للنشاط الحقوقي الدولي.
هناك، انخرطت زوهار في أساطيل كسر الحصار عن غزة، في ترجمة عملية لمسيرتها الفكرية والروحية. لم يكن تواجدها في «أسطول الحرية» و«أسطول الصمود» مجرد مبادرة إنسانية، بل كان فعلًا سياسيًّا مدروسًا يتحدَّى شرعية الحصار الإسرائيلي المفروض. والمشاركة في هذه الأساطيل تعني قبول مخاطر جسدية حقيقية، تجلَّت في مجزرة «أسطول مرمرة» عام 2010، حين قتل الجنود الإسرائيليون تسعة ناشطين في المياه الدولية.
إنَّ ركوب زوهار هذه السفن، مع إدراكها التام لهويتها وما قد تواجهه من دولتها السابقة، يُعدُّ نوعًا من الشهادة الأخلاقية التي نادرًا ما يُقبل عليها الإنسان إلا إذا كان قد حسم صراعه الداخلي.
الاعتقال.. وانهيار القبة الأخلاقية
منذ أيام قليلة، اعتُقلت زوهار ضمن أكثر من 420 ناشطًا ومتضامنًا من أربعين دولة، أثناء محاولتهم كسر الحصار عن غزة التي تئن من ألم الإبادة في المياه الدولية للبحر الأبيض المتوسط. اعترضت سلطات الاحتلال الأسطول واستولت على القوارب، لتجد زوهار نفسها مُجدَّدًا في قبضة الجنود الإسرائيليين.
مثلت زوهار أمام محكمة الصلح في عسقلان لتواجه اتهامات وصفتها بـ«الملفقة». ولعجز السلطات عن إثبات عدم قانونية وجودها في المياه الدولية، وُجِّهت إليها تهمة محاولة التسلل لمنطقة عسكرية دون تصريح، وهو ما نفته بشكل قاطع.
انتهت المحاكمة بقرار الإفراج عنها مع إبعادها عن غزة لمدة ستين يومًا؛ قرار حمل أصداءً محلية ودولية، خاصة أنَّ قضيتها كإسرائيلية مسلمة وناشطة ضد بلدها الأصلي تُمثِّل حالةً استثنائيةً لا تمرُّ مرور الكرام.
لا تُعدُّ زوهار ريغيف ظاهرةً فرديةً معزولةً؛ فإسرائيل تفرز باستمرار أقليةً تأبى الانصياع للسردية الرسمية. هؤلاء «المتمردون الضميريون» يُشكِّلون تيارًا متناثرًا لكنه حاضر؛ يضم جنودًا رفضوا الخدمة وذهبوا إلى السجن، وأكاديميين قاطعوا مؤسساتهم، وصحفيين كشفوا المكتوم، ومواطنين تظاهروا مناهضةً لجيشهم رغم علمهم بالأثمان الاجتماعية والقانونية.
ما يجمع هؤلاء هو «انهيار القبة الأخلاقية»، وهي المنظومة التبريرية التي تقنع الفرد بمشروعية أفعال دولته. وحين تتصدَّع هذه القبة ويصبح العنف غير قابل للتبرير، ينشطر الإنسان بين انتمائه ونزاهته؛ فيفضِّل الكثيرون الصمت لغلاء الثمن، بينما يختار قلة، مثل زوهار، الكلام وتجاوزه إلى الفعل.
وتشير دراسات علم النفس الأخلاقي إلى أنَّ هذا التَّمرُّد ينبع من «التعاطف التجاوزي»؛ أي القدرة على الشعور بألم الآخرين كألم أبناء المجموعة الأصلية.
وقد تبلور هذا التعاطف لدى زوهار عبر معايشتها للفلسطينيين في بيت لحم كأفراد لا كتصنيف، وهو ما يُحوِّل التعاطف من شعور مجرد إلى مُحرِّك للموقف.
امتحان الشاهد العادل
لا يمكن إغفال البُعد الديني في قصتها؛ فاعتناقها للإسلام لم يلغِ يهوديتها الثقافية والعائلية، بل أعاد رسم خريطتها الروحية والأخلاقية.
في الإسلام، وجدت زوهار منظومة قيم تقوم على العدل ومناهضة الاستضعاف كمبدأ مركزي، لتبرز المفارقة الرهيبة التي تعيشها؛ فالدولة التي وُلدت فيها وتُعرِّف نفسها بالهوية اليهودية، تمارس اليوم بحق الآخرين ما حُكي لهم دومًا أنَّه ارتُكب بحقهم في التاريخ، في جرح أخلاقي نازف وتناقض فكري صارخ.
في النهاية، قصة زوهار ليست قصة امرأة غيَّرت رأيها، بل هي تجربة إنسانة خضعت لامتحان «الشاهد العادل» مع ذاتها. نظرتْ إلى أفعال جماعتها بالعين ذاتها التي تنظر بها لأفعال الآخرين، وحين لم تستطع التبرير، اختارت الوقوف حيث يقف الضمير، لا حيث يقف الانتماء.
في عالم يكافئ الولاء ويعاقب المراجعة، يُعدُّ هذا النوع من الشجاعة نادرًا وثمينًا ومزعجًا، وهو بالتحديد ما يجعله ضروريًّا.