عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

أشرف إبراهيم

المرأة والمدينة: أجسادٌ تتحرك بين الخوف والمقاومة

2026.05.16

المرأة والمدينة: أجسادٌ تتحرك بين الخوف والمقاومة

 

المدينة بوصفها تجربة جسدية

حين تسير امرأة في مدينة عربية كبيرة مثل القاهرة أو الدار البيضاء أو بيروت، فإنَّها لا تتحرَّك في الفضاء بالطريقة نفسها التي يتحرَّك بها الرجل.

الطريق ذاته، والرصيف ذاته، والحافلة ذاتها قد تحمل معاني مختلفة تمامًا. فالمدينة ليست مجرد مبانٍ وشوارع، بل شبكة من العلاقات الاجتماعية والنظرات والقواعد غير المكتوبة التي تحدِّد كيف يتحرَّك الناس في الفضاء العام.

بالنسبة لكثير من النساء، يصبح الجسد هو النقطة التي تتقاطع عندها كل هذه المعاني. الجسد الذي يتحرَّك في الشارع، ينتظر الحافلة، يدخل المترو، أو يجلس في مقهى، يجد نفسه في حوار دائم مع المدينة. أحيانًا يكون هذا الحوار مريحًا، وأحيانًا يكون مشحونًا بالخوف أو التوتر.

في المدن الحديثة، تبدو الحرية الحضرية وعدًا مفتوحًا للجميع، لكن الواقع أكثر تعقيدًا، فالمدينة التي تمنح الفرص الاقتصادية والتعليمية قد تكون في الوقت نفسه فضاءً يفرض على النساء حذرًا دائمًا في الحركة والتصرف.

 

المدينة كفضاء اجتماعي غير محايد

المدن ليست فضاءات محايدة اجتماعيًّا. فهي تتشكَّل عبر التاريخ من خلال علاقات القوة والثقافة والقيم الاجتماعية. ولهذا السبب تختلف تجربة النساء في المدينة عن تجربة الرجال.

تشير دراسات حضرية إلى أنَّ تصميم المدن الحديثة غالبًا ما قام على افتراضات تتعلق بحركة الرجال في الفضاء العام، سواء في العمل أو التنقل. لكن مع ازدياد مشاركة النساء في التعليم وسوق العمل، أصبحت المدينة مسرحًا لتفاعل أكثر تعقيدًا بين الجسد والفضاء.

في مصر مثلًا، ارتفعت نسبة النساء في التعليم العالي بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة.

وتشير بيانات وزارة التعليم العالي إلى أنَّ النساء يشكِّلن ما يقارب 48% من طلاب الجامعات.

هذا يعني أنَّ ملايين النساء يخرجن يوميًّا إلى الشوارع والجامعات ووسائل النقل.

لكن المشاركة المتزايدة في الفضاء العام لا تعني بالضرورة أنَّ تجربة المدينة أصبحت متساوية.

 

الخوف كرفيق يومي للحركة

في كثير من المدن العربية، تتحدَّث النساء عن إحساس دائم بالحذر خلال التنقل. هذا الحذر لا يعني بالضرورة وقوع حادثة محددة، بل يعني شعورًا عامًا بأنَّ الجسد في الفضاء العام مُعرَّض للمراقبة أو التعليق أو المضايقة.

تشير دراسات اجتماعية في مصر إلى أنَّ نسبة كبيرة من النساء تعرَّضن لشكل من أشكال التَّحرُّش اللفظي أو الجسدي في الفضاء العام.

ففي دراسة شهيرة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2013، أفادت أكثر من 99% من النساء المشارِكات في الاستطلاع بأنَّهن تعرَّضن لشكل من أشكال التَّحرُّش في حياتهن.

هذه الأرقام تعكس ظاهرةً اجتماعيةً واسعةً تتجاوز الحالات الفردية. فالتَّحرُّش أو المضايقات اليومية تخلق حالةً من التوتر المستمر لدى كثير من النساء خلال الحركة في المدينة.

ومع ذلك، فإنَّ الخوف لا يؤدي دائمًا إلى الانسحاب من الفضاء العام، بل قد يولِّد أشكالًا جديدة من التكيُّف والمقاومة.

 

استراتيجيات الحركة: كيف تتفاوض النساء مع المدينة؟

في مواجهة هذا الواقع، طوَّرت كثير من النساء استراتيجيات يومية للتعامل مع الفضاء الحضري: اختيار الطرق المزدحمة بدلًا من الشوارع الهادئة، تجنًّب أوقات معينة من الليل، استخدام وسائل نقل محددة، أو السير بسرعة أكبر في بعض الأماكن.

هذه الاستراتيجيات قد تبدو بسيطة، لكنها تعكس عملية تفاوض مستمرة بين الجسد والمدينة. فالمرأة لا تتحرَّك في الشارع بشكل عفوي بالكامل، بل تحسب خطواتها ضمن شبكة من الاعتبارات الاجتماعية والأمنية.

ومع ذلك، فإنَّ هذه الاستراتيجيات ليست دائمًا علامة ضعف. ففي كثير من الحالات، تُمثِّل نوعًا من الذكاء الاجتماعي الذي يسمح للنساء بالحفاظ على وجودهن في الفضاء العام رغم التحديات.

 

العمل والتعليم: توسيع حضور النساء في المدينة

شهدت العقود الأخيرة توسُّعًا ملحوظًا في مشارَكة النساء في التعليم والعمل في المدن العربية. في مصر مثلًا، تشير بيانات البنك الدولي إلى أنَّ نسبة مشارَكة النساء في القوى العاملة تبلغ نحو 18%، وهي نسبة أقل من المعدل العالمي لكنها تعكس وجود ملايين النساء في سوق العمل.

هذا الحضور المتزايد في أماكن العمل والجامعات يغيِّر تدريجيًّا طبيعة الفضاء الحضري. فكلما زاد عدد النساء في الشارع والمكاتب والمترو والمقاهي، أصبح وجودهن جزءًا طبيعيًّا من المشهد الحضري.

لكن هذا التَّغيُّر يحدث ببطء، وغالبًا ما يصاحبه صراع ثقافي حول أدوار النساء وحدود حركتهن في الفضاء العام.

 

وسائل النقل: المساحة الأكثر حساسية

من أكثر الأماكن التي تظهر فيها هذه التوترات بوضوح وسائل النقل العامة. فالحافلات والمترو والقطارات تُمثِّل فضاءات مكتظة يلتقي فيها أشخاص من خلفيات اجتماعية مختلفة.

في القاهرة مثلًا، يستخدم مترو الأنفاق أكثر من ثلاثة ملايين راكب يوميًّا وفق بيانات رسمية. وقد أدى ارتفاع أعداد الركاب إلى ظهور تحديات تتعلق بالازدحام والأمان.

في هذا السياق، ظهرت مبادرات مثل تخصيص عربات للنساء في المترو، وهي محاولة لتوفير مساحة أكثر أمانًا، لكن هذه الحلول تظلُّ جزءًا من نقاش أوسع حول كيفية جعل الفضاء الحضري أكثر شمولًا للجميع.

 

المدينة كمساحة للمقاومة

رغم كل التحديات، فإنَّ المدينة ليست فقط مكانًا للخوف، بل هي أيضًا مساحة للمقاومة وإعادة تعريف الأدوار الاجتماعية.

في السنوات الأخيرة ظهرت مبادرات عديدة تقودها نساء في المجالَين الثقافي والاجتماعي، مثل حملات التوعية ضد التَّحرُّش أو المشاريع الفنية التي تناقش تجربة النساء في الفضاء العام.

كما أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مهمًّا في تسليط الضوء على قضايا تتعلق بالأمان في الشارع. هذه المبادرات لا تغيِّر الواقع بين ليلة وضحاها، لكنها تفتح نقاشًا عامًّا حول طبيعة المدينة ومَن يملك الحقَّ في استخدامها.

 

المدينة والطبقة الاجتماعية

من المهم أيضًا الانتباه إلى أنَّ تجربة النساء في المدينة تختلف باختلاف الطبقة الاجتماعية. فالمرأة التي تمتلك سيارةً خاصةً أو تعيش في حي مُخطَّط قد تواجه تحديات مختلفة عن المرأة التي تعتمد على وسائل النقل العامة أو تعيش في مناطق مزدحمة.

تشير الدراسات الحضرية إلى أنَّ المدن الكبرى غالبًا ما تعكس التفاوتات الاجتماعية بشكل واضح؛ فالأحياء الراقية قد توفِّر مستوى أعلى من الأمان والبنية التحتية، بينما تعاني الأحياء الفقيرة من نقص الخدمات والإضاءة العامة.

هذا التفاوت يعني أنَّ تجربة المدينة ليست واحدة لجميع النساء.

 

إعادة تخيُّل المدينة

مع تزايد النقاش حول حقوق النساء في الفضاء العام، بدأ بعض المُخطِّطين الحضريِّين في التفكير في تصميم المدن بطريقة أكثر شمولًا. يشمل ذلك تحسين الإضاءة في الشوارع، وتوسيع الأرصفة، وتوفير وسائل نقل أكثر أمانًا.

هذه التغييرات قد تبدو تقنيةً، لكنها في الواقع تعكس فهمًا جديدًا للمدينة بوصفها فضاءً يجب أنْ يكون متاحًا للجميع.

فالمدينة التي تشعر فيها النساء بالأمان ليست أكثر عدلًا فقط، بل أكثر حيوية أيضًا.

 

الجسد والمدينة كقصة مستمرة

في النهاية، لا يمكن فصل قصة المرأة عن قصة المدينة نفسها، فالمدن تتغيَّر مع تغيُّر سكانها، ومع كل خطوة تخطوها امرأة في الشارع تعاد كتابة العلاقة بين الجسد والفضاء.

المدينة قد تكون مكانًا للخوف أحيانًا، لكنها أيضًا مكان للمقاومة اليومية. فكل امرأة تخرج إلى العمل أو الجامعة أو السوق تساهم، بطريقة ما، في إعادة تشكيل الفضاء العام.

وفي هذا التفاعل المستمر بين الحركة والحذر، بين القيود والرغبة في الحرية، تتشكَّل قصة جديدة للمدينة العربية، قصة لا تُكتَب في الخطط العمرانية فقط، بل في الخطوات اليومية لأجساد تتحرَّك بين الخوف والمقاومة.