عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

أشرف إبراهيم

يوميات مواطن في طابور الخبز: الفلسفة تبدأ من رغيف العيش

2026.05.09

يوميات مواطن في طابور الخبز:

الفلسفة تبدأ من رغيف العيش

 

أنطولوجيا الفجر.. والكائنات الواقفة

في الخامسة صباحًا، وقبل أنْ تستيقظ المدينة لتعلن عن ضجيجها المعتاد، ثمة مجتمع كامل يتشكَّل بصمتٍ تحت أضواء الشوارع الصفراء الباهتة. إنَّه ليس مجتمع «القائمين» للصلاة، ولا عشاق السهر العائدين من حفلات صاخبة، بل هو «مجتمع الانتظار». هنا، أمام المخبز البلدي الكائن في ناصية شارع جانبي في إمبابة أو شبرا أو المرج، يبدأ الدرس الفلسفي الأول لليوم: «أنا أنتظر، إذن أنا موجود».

البرد في هذا التوقيت يمتلك قسوةً خاصةً، يتسلل من تحت المعاطف المهترئة، ويقرص أصابع الأيدي القابضة بلهفة على «البطاقة الذكية». تلك البطاقة البلاستيكية الخضراء ليست مجرد أداة لصرف الدعم؛ إنَّها صكُّ الاعتراف الرسمي بوجودك البيولوجي. في هذا الطابور، تسقط الألقاب، وتتلاشى الفوارق الطبقية الطفيفة بين الموظف المحال للمعاش، والعامل باليومية، والأرملة التي تعول ثلاثة أطفال. الجميع هنا متساوون أمام «شباك الحديد»، والجميع خاضعون لسلطة عليا غيبية تُسمى «السيستم».

الرائحة التي تنبعث من فتحات التهوية - رائحة الخميرة والعجين المحترق قليلًا - ليست مجرد رائحة طعام. إنَّها رائحة البقاء. إنَّها الرائحة الوحيدة القادرة على تخدير عقول الواقفين وجعلهم يتحملون وقوف ساعة أو ساعتين للحصول على حصة لا تتجاوز خمسة أرغفة للفرد. في هذا الطابور، نكتشف أنَّ رغيف العيش ليس مجرد كربوهيدرات؛ إنَّه العملة الحقيقية التي لم يفلح التعويم في خفض قيمتها المعنوية، وإن تآكل حجمها الفيزيائي.

 

جغرافيا الطابور.. الدولة المصغرة

إذا أردت أنْ تفهم الديناميكيات السياسية والاجتماعية في مصر، لا تذهب إلى البرلمان، ولا تقرأ الصحف القومية، بل قف في طابور الخبز. الطابور هو الكائن الحي الوحيد الذي يفرض النظام في فوضى المدينة. إنَّه خط مستقيم (نظريًّا) في عالم متعرج. لكن داخل هذا الخط، تدور حروب صغيرة.

هناك دائمًا ذلك الشخص الذي يحاول التذاكي، مدعيًّا أنَّه «سيسأل فقط»، ثم يحشر جسده خلسة. وهناك «المناضل الشعبي» الذي يتنصَّب حارسًا للأخلاق، يصرخ في وجه المتسللين بصوت جهوري، مفرغًا كبتًا سياسيًّا متراكمًا في وجه جاره المخالف. وهناك النساء اللواتي يشكِّلن «تكتلًا» دفاعيًّا، يتبادلن فيه أطراف الحديث عن أسعار البصل والطماطم، وعن خيبات الأمل المتجدِّدة في الأبناء والأزواج والحكومات.

في هذا الحيز الضيق، يتجلَّى «العقد الاجتماعي» في صورته البدائية. نحن نتنازل عن حريتنا، وعن وقتنا، وعن جزء من كرامتنا أحيانًا، مقابل «الأمن الغذائي».

الدولة هنا ممثلة في «الفرَّان» الجالس خلف القضبان الحديدية؛ إنه الحاكم بأمره في هذه اللحظة، بيده سلطة المنع والمنح، بيده أنْ يقول «السيستم واقع» فيصيب الجموع بالشلل، وبيده أنْ يمرِّر البطاقة فتسمع صفارة الماكينة كأنَّها موسيقى الخلاص.

الواقفون في الطابور لا يكرهون بعضهم بعضًا، لكنهم ينظرون لبعضهم بريبة، كل شخص إضافي يعني تأخيرًا لدقيقة، ويعني احتمالية نفاد الدقيق، أو تعطل الماكينة قبل أن يأتي دورك.

إنها «فلسفة الندرة» التي تحوِّل الجار إلى منافس محتمل على أسباب الحياة.

 

الميتافيزيقا الرقمية.. «السيستم»

لعل أعظم تحوُّل فلسفي في حياة المواطن المصري المعاصر هو علاقته بـ«السيستم».

قديمًا، كان الناس يخافون من غضب الطبيعة، من الفيضان أو الجفاف. اليوم، انتقل الخوف الميتافيزيقي إلى كائن غير مرئي، يسكن في خوادم وزارة التموين، ويتحكَّم في مصائر الملايين عبر أسلاك الإنترنت المتهالكة.

حين يقترب دورك من الشباك، تتسارع دقات قلبك ليس حبًّا، بل رعبًا من تلك الجملة القاتلة: «البطاقة واقفة» أو «السيستم مهنج».

في تلك اللحظة، تشعر بضآلة الكائن البشري أمام التكنولوجيا البيروقراطية. الشاشة الصغيرة التي تومض بالأرقام هي الحكم العدل. إذا قالت إنَّك «صرفت حصتك»، فلا مجال للجدال، حتى لو كانت أمعاؤك خاوية.

الحقائق المادية (جوعك) لا قيمة لها أمام الحقائق الرقمية (البيانات المسجلة).

هذا الاعتماد الكلي على «الوسيط الرقمي» خلق نوعًا من الاغتراب. المواطن لا يتعامل مع الدولة ككيان راعٍ، بل كـ«خوارزمية». خوارزمية تحدِّد مَن يستحق الدعم ومَن يُستبعَد لأنَّه يمتلك سيارة موديل 2010 أو فاتورة هاتف مرتفعة.

الطابور، إذن، هو طقس عبادة يومي في محراب هذا الإله الرقمي الجديد، حيث القرابين هي الوقت، والصلوات هي التمتمات الغاضبة والدعوات المكتومة بأنْ «تعدي على خير».

 

هندسة الرغيف.. الفيزياء السياسية

لننتقل من الطابور إلى المنتَج ذاته: الرغيف. إذا أمسكت بالرغيف المدعم وتأملته بعين فاحصة، فستجد أنَّه وثيقة تاريخية تسجِّل تقلبات الاقتصاد السياسي.

قُطرُه الذي ينكمش مليمترًا تلو الآخر عبر السنوات، وسُمكُه الذي يرقُّ حتى يكاد يصبح شفافًا، ولونه الذي يتأرجح بين البياض والسمرة بحسب جودة القمح المستورد (روسي، أوكراني، أو روماني).

الرغيف هو «ترمومتر» الاستقرار.

الدولة تعلم جيدًا، والمواطن يعلم أنَّها تعلم، أنَّ المساس بسعره (الخمسة قروش التي صارت عشرين قرشًا، ثم ربما أكثر في المستقبل القريب) هو لعب بالنار. لذا، يتم اللجوء إلى «الهندسة الخفية»؛ تقليل الوزن بدلًا من رفع السعر. إنَّه تلاعب بالفيزياء لتفادي الانفجار الاجتماعي.

في الطابور، تجد خبراء في «علوم الخبز». رجل مسن يمسك الرغيف ويضغط عليه بإصبعه ليرى سرعة ارتداده (اختبار الطزاجة)، وآخر يفركه ليرى إنْ كان سيتفتت (دليل على خلط الذرة بالقمح أو رداءة الطحن).

هذه المعرفة التجريبية ليست ترفًا؛ فالرغيف السيئ يعني وجبة بائسة، والوجبة البائسة تعني يومًا طويلًا من عسر الهضم والمزاج المتعكر.

يتحوَّل الرغيف في يدِّ المواطن إلى «قيمة استعمالية» مطلقة. لا أحد هنا يفكر في القيمة التبادلية. هذا الخبز ليس للبيع، إنَّه للعيش. والفرق بينهما هو الفرق بين السلعة والحياة.

 

الوقت المهدور.. ضريبة الفقر

لنتحدَّث عن «اقتصادات الوقت». لو افترضنا أنَّ هناك 70 مليون مواطن مستحق للدعم، وأنَّ ربَّ الأسرة يقف في المتوسط 30 دقيقة يوميًّا (في أفضل الأحوال) للحصول على الخبز. بحسبة بسيطة، هناك ملايين الساعات البشرية التي تُحرَق يوميًّا في «الانتظار».

هذا الوقت المقتطع من العمر هو «ضريبة خفية» يدفعها الفقراء. الغني يشتري وقته بالمال (الدليفري، السائق، الخدمات الخاصة). الفقير يدفع من وقته ليحصل على المال (أو ما يعادله من دعم). في الطابور، الوقت لا يمر، بل يزحف. ولكي يقتل الناس الوقت، يمارسون نشاطًا إنسانيًّا قديمًا: «النميمة السياسية»:

* «سمعت إنهم هيغلوا الكهرباء تاني؟».

- «يا عم هي جت على الكهرباء؟، ده كيلو البصل بقى بسعر التفاح».

* «بيقولك بيعملوا كباري جديدة عشان البلد تنور.. طب وإحنا؟».

هذه الحوارات المبتورة، الهامسة، هي «المجال العام» الحقيقي في مصر. ليست برامج التوك شو، ولا مقالات الرأي، بل دردشة طوابير الخبز.

إنَّها استطلاعات رأي حقيقية، غير مدفوعة، وصادقة بحدتها وعفويتها.

السلطة قد تغلق الميادين، وتراقب «فيسبوك»، لكنها لا تستطيع وضع ميكروفون في كل طابور خبز. هنا، وفي هذه الدقائق الضائعة، يتشكَّل الوعي الجمعي، أو بالأحرى «اللاوعي الجمعي» الساخط واليائس والساخر.

 

الطقس الصباحي للمذلة والكرامة

ثمة مفارقة عجيبة في طابور الخبز. إنَّه مكان للإذلال، لكنه أيضًا مكان لانتزاع الحق.

المشهد متكرر: الموظف المحترم الذي يرتدي بدلته القديمة المكوية بعناية، يقف في الطابور محاولًا الحفاظ على مسافة وقار تفصله عن التدافع. يمسك كيس القماش (لأنَّ الأكياس البلاستيكية ضارة ومكلفة) وينظر في ساعته بتوتر خوفًا من التأخر على بصمة الحضور في الوزارة.

هذا الرجل يمثل الطبقة الوسطى التي سُحقت، والتي باتت تقف كتفًا بكتف مع المهمشين. نظراته تحمل خليطًا من الخجل والانكسار. هو لا يريد أنْ يكون هنا، لكن الراتب لا يكفي لشراء «العيش السياحي». وجوده هنا هو اعتراف صامت بالهزيمة الاقتصادية، لكن حصوله على الخبز وعودته به إلى البيت هو انتصار صغير للأب الذي «دبَّر قوت عياله».

وعلى النقيض، تجد «الست أم محمد»، التي تتعامل مع الطابور كساحة معركة. صوتها عالٍ، تضحك وتتشاجر وتفرض وجودها. بالنسبة لها، الطابور هو فرصتها اليومية للخروج من سجن المنزل، هو نافذتها الاجتماعية. هي لا تشعر بالعار، بل تشعر بالاستحقاق. «ده حقنا ودافعين تمنه دم قلبنا».

بين خجل الموظف وجرأة أم محمد، تكمن قصة مصرية كاملة عن الكرامة. هل الكرامة هي أنْ تشتري خبزك بالسعر الحر وتترفع عن الطابور؟ أم الكرامة هي أنْ تقف وتطالب بحصتك من ثروة البلد التي تقلصت لتصبح خمسة أرغفة؟.

 

حين ينتهي الطابور

عندما تصل أخيرًا إلى الشباك، وتضع البطاقة، وتسمع الصفارة، وتتلقى الأرغفة الساخنة تشعر بنوع غريب من «الإنجاز». لقد نجحت المهمة، لقد تغلبت على البرد، والوقت، والسيستم، ومزاج الفرّان. تحمل الأرغفة كأنَّها جواهر ساخنة. رائحتها الآن تختلف. لم تعد رائحة الانتظار، بل صارت رائحة «الإفطار».

في طريق العودة، يمشي المواطن بخطوات أسرع. لقد تحرَّر من قيد الانتظار. الآن سيعود ليمارس دوره كأب، أو كزوج، أو كموظف. لكن رائحة العجين العالقة في ملابسه ستظلُّ تذكِّره طوال اليوم بأنَّه، وقبل أي شيء آخر، كائن بيولوجي هش، يعتمد بقاؤه على رضا «السيرفر» وكفاءة «الفرن».

يعود إلى البيت، يضع الخبز على المائدة. ربما يغمسه في القليل من الفول، أو الجبن القديم. ومع أول قضمة، ينسى الفلسفة، وينسى السياسة، وينسى المهانة. ففي النهاية، الجسد لا يفهم الكرامة، الجسد يفهم الشبع. وتلك هي المأساة، وتلك هي الملهاة. الفلسفة تبدأ من رغيف العيش، لكنها للأسف، تنتهي عنده أيضًا. عندما تمتلئ البطون، يتوقَّف العقل عن التساؤل للحظات، ليدخل في غيبوبة الرضا المؤقت، استعدادًا لطابور الغد.

 

دائرة لا تنتهي

غدًا، في الخامسة صباحًا، سيتشكَّل الطابور مرة أخرى. الوجوه نفسها، البرد نفسه، الأحاديث نفسها. إنَّه «سيزيف» المصري، الذي لا يحمل صخرةً، بل يحمل «بطاقة تموين». يصعد بها كل يوم إلى قمة جبل الانتظار، ليحصل على خبزه، ثم يهبط ليأكله، ليعاود الصعود في اليوم التالي. هل هو عقاب أبدي؟ أم هو مجرد روتين حياة في مدن العالم الثالث؟ الإجابة ليست في كتب الفلسفة، ولا في نظريات العقد الاجتماعي لروسو أو هوبز. الإجابة موجودة فقط في نظرة العين الزائغة لمواطن يقف الآن في آخر الصف، يعدّ الدقائق، ويحسب القروش، ويأمل - فقط يأمل - ألا يسقط «السيستم» قبل أنْ يصل.