عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

قضايا

محمد سليمان

تاريخ الإعلام الصهيوني: من اختراع الأمة إلى معركة تعريف إسرائيل

2026.09.19

تاريخ الإعلام الصهيوني:

من اختراع الأمة إلى معركة تعريف إسرائيل

 

لم يكن الإعلام في الظاهرة الصهيونية مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تغطية الأحداث، بل كان جزءًا من المشروع السياسي نفسه؛ أداةً لتشكيل الهوية، وصناعة الوعي، وبناء صورة الدولة قبل أن توجد الدولة ذاتها. 

  نناقش في هذا المقال كيف تحوّل الإعلام الصهيوني، منذ صحف هرتزل الأولى وحتى قنوات اليمين الشعبوي في عهد نتنياهو، من أداة لتأسيس الدولة وصناعة الهوية الإسرائيلية إلى ساحة صراع على إعادة تعريف إسرائيل نفسها وهويتها السياسية والاجتماعية.

اليمين القومي–الديني، تحوّل هذا الصراع من معركة على النفوذ السياسي إلى مواجهة أعمق حول تعريف  الدولة نفسها ومستقبل هويتها .

 

الاعلام الصهيوني المبكر ..في البدء كانت الكلمة ثم جاءت البندقية :

 ففي عام ١٨٩٧ أسّس تيودور هرتزل في فيينا صحيفة دي فيلت (Die Welt) لتكون المنصة التي تفكك الولاءات القديمة وتعيد تجميع الشتات حول فكرة قومية واحدة. أما في وارسو، صاغ ناحوم سوكولوف عبر صحيفة هتسفيراه (Ha-Tsfirah) لغة إعلامية تربط العبرية الحديثة بمشروع قومي ناشئ، بينما حوّل إليعزر بن يهودا صحيفته هاتسفي (Ha-Tzvi) إلى مختبر لغوي يعيد تشكيل المفردات ويُدخل العبرية إلى الحياة اليومية.

ثم ظهرت هآرتس عام 1918، في فلسطين الانتدابية والتي أنشأها مثقفون ألمان–يهود من التيار الليبرالي.

انتقلت هآرتس عام 1935 إلى الناشر سلمان شوكن الذي أعاد صياغتها كصحيفة النخبة الليبرالي، والى جانب هاارتس كانت هناك صحافة صهيونية متنوعة تمثّل التيارات الكبرى داخل الييشوف (مجتمع الصهيونية قبل الدولة في فلسطين )، مثل دافار العمالية، وهامشكيب اليمينية، وهتسوفيه الدينية، وPalestine Post الموجّهة للغرب.

هكذا، وقبل أن تُعلن الدولة بأكثر من نصف قرن، كان هناك ما يشبه شبكة إعلامية صهيونية مبكّرة: ببناء صورة “وطن لم يولد بعد”، وتُربّي قرّاءها على تخيُّل دولة يهودية كحقيقة سياسية قادمة، لا كحلم ديني مؤجل.

 

اعلام الدولة صوت واحد لبناء أمة واحدة .. من العدم

بعد إعلان الدولة سنة 1948، لم يكن دور الإذاعة الصهيونية دورًا تقليديًا لدولة طبيعية ومجتمع طبيعي، بل كان عليها أن تلعب دورًا استثنائيًا في مجتمع لا يشترك في لغة ولا ذاكرة واحدة. ولهذا أسّس بن غوريون “سلطة البث الإسرائيلية” (IBA) عام 1948 لتكون أداة لصهر موجات الهجرة في ثقافة عبرية موحّدة عبر برامج اللغة والدراما والأغاني الوطنية.

في الوقت نفسه أُدرج البث الإذاعي داخل منظومة الهاسبارا، وهي كلمة عبرية معناها؛ الشرح والتوضيح، وتشير اصطلاحًا إلى الدعاية الإسرائيلية الموجّهة للخارج لتبرير سياسات الدولة وصياغة روايتها أمام العالم.

 أما أكثر الظواهر غرابة في تاريخ الإعلام الحديث فكانت في عام 1950 حيث ظهرت إذاعة الجيش الإسرائيلي (غالي تساهال): مؤسسة عسكرية تتحدث بلسان الدولة وتبث من قلب المجتمع المدني، معبّرة عن بنية إسرائيل نفسها كدولة لا تفصل بين المدني والعسكري. ورغم مظهرها الليبرالي - برامج موسيقية وثقافية وشبابية - ظل جوهرها تطبيع الحضور العسكري في الوعي العام؛ فالمذيع جندي نظامي، والنشرات تُقرأ بلهجة الانضباط، والموسيقى الوطنية تتسلل إلى البرامج الصباحية.

وهو ما قال عنه الباحث الإسرائيلي أورين سوفر وهو أستاذ الإعلام في جامعة بار-إيلات في دراسته " الظاهرة الشاذة لغالي تساهال" تجليا لظاهرة اسرائيل نفسها وشذوذ بنيتها السياسية - الإجتماعية التي تميل إلى دمج العسكري بالمدني وامتدادًا لمنطق يمزج الجيش بالحياة المدنية ويجعل الأمن خلفية دائمة للصوت والخطاب

 

مواجهة عبد الناصر: لحظة التحوّل نحو ظهور التلفزيون الاسرائيلي

لم يظهر التلفزيون في إسرائيل إلا منتصف الستينيات بلا تلفزيون وطني لأسباب سياسية - اجتماعية ارتبطت بهيمنة التيار العمّالي اليساري على الدولة في الخمسينيات والستينيات. فقد عارض دافيد بن غوريون، رمز اليسار الصهيوني ورئيس الوزراء الأول، إدخال التلفزيون بدعوى أنه “أداة ترفيه تُضعف الأمة” وتغذّي النزعة الاستهلاكية بين الشباب، وهو ما وافقه فيه ليفي إشكول - وزير المالية ثم رئيس الوزراء لاحقًا إضافة إلى موقف الالدوائر الدينية الأرثوذكسية المعارض بحجة أنه سيُدخل محتوى «غير محتشم» إلى البيوت.

لكن أزمة ما قبل حرب 1967 ضغطت على الحكومة لتغيير موقفها، إلا أن قرار الإطلاق لم يكن تحديثًا تقنيًا بقدر ما كان خطوة دفاعية ضد التفوق الإعلامي الناصري، إذ كانت خطابات جمال عبد الناصر تُتابَع بكثافة في المقاهي في تل أبيب وحيفا وغيرها من مدن إسرائيل، إضافة إلى القرى والبلدات العربية، وهو ما أثار قلقًا أمنيًا واضحًا، إلى جانب الرغبة في إعادة تشكيل صورة إسرائيل بعد حرب 1967 في أذهان الجمهور العربي والعالمي، ليس كدولة عسكرية فقط، بل كدولة تمتلك تفوقًا مدنيًا أيضًا.

ومع انطلاق التلفزيون الرسمي، أصبحت النشرة الإخبارية المسائية «مَبّات» (Mabat – نظرة) الواجهة الإخبارية المركزية للدولة لعقود طويلة. كانت تُبثّ من القناة الأولى كل مساء في الثامنة، وأصبحت منذ الستينيات وحتى أوائل الألفية المصدر الرئيسي لتحديد الأجندة الوطنية.

 

إعلام الثمانينات من صوت الدولة لصدى السوق ..

مع نهاية الثمانينيات دخل الإعلام الإسرائيلي طوراً جديداً بالكامل، إذ قادت سياسات التحرر الإقتصادي التي بدأت عام 1985 إلى فتح سوق الإعلام أمام الرأسمال الخاص ، فظهر التلفزيون التجاري لأول مرة بإطلاق القناة الثانية في نوفمبر 1993 والتي انفصلت لا حقا الى قناتين 12 (Keshet 12) والقناة 13 (Reshet 13). وفي الوقت نفسه، اكتمل انتشار شبكات الكابل مثل HOT و yes ، ما خلق سوقاً جديدة بالكامل تعتمد على الاشتراكات والإعلانات، وغيّر عادات المشاهدة جذرياً؛ فبعدما كانت نشرة «مَبّات» من القناة الأولى تحدد وحدها “الأجندة الوطنية”، أصبح الجمهور يتجه نحو تنوّع غير مسبوق في المحتوى والترفيه، وتحوّل المعلنون إلى القوة المحركة للبرامج، بينما كشفت تقارير Israel Democracy Institute وبيانات المشاهدة التي تُنشر عبر Nielsen Israel وN12 أن القناة 12 أصبحت المصدر التلفزيوني الأول للأخبار منذ التسعينيات المتأخرة و إلى الأن .. هذا التحوّل التجاري أنهى عصر “صوت الدولة الواحد” ..

ورغم هذا الانفتاح الظاهر وتنوّع المنابر بعد ولادة التلفزيون التجاري، ظلّ الفلسطينيون غائبين فعلياً عن الشاشة الإسرائيلية؛ فالتعددية التي أتاحتها القنوات الجديدة لم تُترجم إلى تنوّع سردي، بل اتسع نطاقها دون أن يتغيّر محتواها البنيوي. وقد أظهر دانييل دور في كتابه “The Israeli Press and the Second Intifada” (2004) كيف أنتجت القنوات التجارية - خصوصاً في الانتفاضة الثانية- نموذج تغطية يقوم على “تأطير الصراع بوصفه تهديداً أمنيًّا شخصيًّا للإسرائيليين”، مع إقصاء شبه كامل للرواية الفلسطينية .. بما في ذلك أيضا الصحف الرئيسية كيدعوت احرنوت ومعاريف وحتى هاارتس منبر اليسار للحركة الصهيونية ..

 

 البحث عن إسرائيل الحقيقية معركة اليمين مع الاعلام الصهيوني 

مع توسّع التلفزيون التجاري منذ منتصف التسعينيات، بدأ جمهور اليمين القومي والديني يشعر بأنّ “التعددية الجديدة” لم تُنتج تمثيلًا حقيقيًا لرؤيته، إذ ظلّت غرف الأخبار- حتى داخل القناة الثانية والقنوات الكابلية- تحمل إرث الليبرالية العلمانية التي طبعت الإعلام الحكومي لعقود، ما دفع قيادات في اليمين، مثل شولاميت ألونِي وناشطين من المستوطنين، لاتهام القنوات الكبرى بأنها “تخدم نخبة مركزية لا تعبّر عن إسرائيل الحقيقية” وكان بن يامين نتنياهو على رأس هذه الحملة ضد الاعلام منذ ظهوره على الساحة السياسية ..

 

يسرائيل هيوم : صعود إعلام اليمين الشعبوي

يذكر الكاتب إيتان نيتشين في مقالته «المسيرة الطويلة لليمين الإسرائيلي عبر وسائل الإعلام» (New Lines Magazine، 2025) أنّ اختراق اليمين الصهيوني للمشهد الإعلامي لم يكن عملية عفوية، بل مشروعًا سياسيًا- ثقافيًا بدأ منذ أواخر السبعينيات. فقد شعرت حركة المستوطنين أن الإعلام السائد “يعادي مشروعها”، فظهرت مبكرًا منظمة «الشعب ضد الإعلام المعادي» التي اتهمت القنوات والصحف الكبرى بـ“تحقير الهوية القومية-الدينية”. وفي عام 1987 كتب أوري أورбаخ في صحيفة المستوطنين Nekuda مقالًا دعا فيه شباب الصهيونية الدينية إلى غزو غرف الأخبار كما يغزون الوحدات القتالية، معتبرًا أن “الميكروفون أصبح أهم من البندقية”. ومع مرور الوقت ظهر جيل إعلامي جديد ينتمي إلى مشروع المستوطنين نفسه، من أبرزهم عاميت سيغال - المحلل السياسي الأهم في القناة 12 - وهو ابن الإرهابي الصهيوني حاغاي سيغال ونشأ في مستوطنة عوفرا، وأصبح أحد أقوى الأصوات المؤثرة في دفع الخطاب العام نحو اليمين القومي.

وإلى جانب سيغال، يبرز ياكوف باردوجو بوصفه المثال الأكثر وضوحًا لنجاح سياسة اليمين في إدخال كوادره إلى قلب الإعلام. فمن خلال إذاعة الجيش - المؤسسة التي يفترض أنها وطنية غير حزبية - صعد باردوجو ليصبح أحد الأصوات الأشد تأثيرًا في صياغة “خطاب يميني تعبوي”، قبل أن ينتقل إلى قناة 14 ويقود نافذتها السياسية. وتشير دراسة أكسفورد “تأثير الوطنيين” (Lerner, 2024) إلى أن حضوره الإعلامي يمثّل اختراقًا مؤسسيًا غير مسبوق للتيار اليميني داخل مؤسسات البث الرسمية. ويخلص نيتشين إلى أنّ هذا الاختراق بلغ ذروته مع بنيامين نتنياهو الذي، بعد خسارة انتخابات 1999، أدرك أن مواجهة الإعلام لم تعد تكفي، وأنه — كما ينقل عنه مقرّبون — “سيعود في المرة القادمة ومعه وسيلته الإعلامية الخاصة”، وهو ما تحقق لاحقًا عبر صحيفة إسرائيل هيوم وقنوات اليمين الجديدة.

قبل ظهور إسرائيل هيوم عام 2007 كانت خريطة الصحافة الإسرائيلية شبه ثابتة: يديعوت أحرونوت هي الجريدة الأكثر انتشارًا وتمثل يمين الوسط، وتليها معاريف، بينما تقف هآرتس كمنبر اليسار الليبرالي. هذا التوازن تَحوَّل جذريًا عندما أسّس الملياردير شيلدون أديلسون صحيفة إسرائيل هيوم كمشروع سياسي كامل التمويل لا يخضع لمنطق السوق ويُوزّع مجانًا في كل أنحاء البلاد. وخلال عامين فقط أصبحت الأعلى توزيعًا، ومهّدت بشكل مباشر لعودة نتنياهو إلى السلطة في انتخابات 2009. وبحسب الباحث غاي غروسمان—أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنسلفانيا ومؤلف الدراسة التحليلية الأشهر حول أثر إسرائيل هيوم على التصويت أن التعرّض للصحيفة ارتبط بزيادة التصويت لليمين، وأنها منحت المعسكر اليميني مقعدين إضافيين عبر انتخابات 2009 و2013 و2015—وليس عبر رفع نسبة المشاركة، بل عبر تغيير قناعات الناخبين المترددين الذين انتقلوا من يديعوت إلى الجريدة المجانية الجديدة.

 

القناة 14: من قناة تراث يهودي هامشية إلى ذراع إعلامي لليمين الشعبوي

بدأت القناة 14 حياتها باسم القناة 20 عام 2014، كقناة صغيرة متخصصة في “التراث اليهودي” وفق الترخيص الذي منحته لها “مجلس البث”. كانت قناة هامشية، تبث محتوى ديني–ثقافي، وتلتزم بقيود صارمة تمنعها من بث أخبار أو برامج سياسية مباشرة. لكن خلال سنوات قليلة فقط ستتغير هويتها بالكامل.

مع صعود موجة اليمين الشعبوي وصراع حكومة نتنياهو مع الإعلام التقليدي، بدأت القناة 20 تتحول تدريجيًا إلى منصة سياسية يمينية، متخطّية القيود القانونية، ومعتمدة على ثغرات تنظيمية ودعم سياسي واضح. وبحلول 2021 حصلت على ترخيص رسمي كقناة إخبارية، مع تغيير اسمها إلى “القناة 14”—وهي لحظة مفصلية نقلتها من الهامش إلى قلب النقاش العام في إسرائيل.

ورقة Davide Lerner – Reuters Institute, Oxford (2024) توضّح أن التحول لم يكن مجرد “تطوير طبيعي” للقناة، بل جزءًا من استراتيجية إعلامية يمينية تهدف لخلق “إعلام بديل” يواجه القناة 12 و13 وHaaretz، ويمنح معسكر نتنياهو منصة لا تنافسها معايير المهنية التقليدية. وتصف الورقة القناة 14 بأنها تحوّلت إلى “مركز الخطاب القومي–الشعبوي”، خصوصًا عبر برنامجها الأشهر الوطنيون – Hapatriotim الذي أصبح منبرًا يوميًا لمقدمي الرأي الأكثر تطرفًا، مع خطاب هجومي ضد القضاء، واليسار، وخصوم نتنياهو، وتغطية تعبويه للحرب على غزة.

هذا التحوّل جاء مدعومًا بعوامل إضافية:

• تسهيلات تنظيمية غير مسبوقة من وزارة الاتصالات، أعفت القناة من التزامات مالية كانت مفروضة على منافسيها.

• زيادة ضخمة في الإعلانات الحكومية على شاشتها بعد 2020. فقد زادت الإعلانات الحكومية على القناة 14 بنسبة 280% في ظل إدارة نتنياهو، وهو ما لا يتماشى مع نسبة المشاهدة، كما جاء في شكوى جمعية الصحفيين الإسرائيلية حسب تقرير بي بي سي مونيتورينغ – الاستقطاب السياسي وملكية وسائل الإعلام في إسرائيل (2024).

• تحالف سياسي مباشر سمح لنتنياهو أن يجعل القناة منصة حصرية لمقابلاته.

• استقطاب صحفيين من خلفية الاستيطان ونشطاء يمينيين، لتشكيل “صف جديد من الإعلاميين المقاتلين”.

كل هذا نقل القناة 14 من قناة تراثية صغيرة إلى الثانيــة في ترتيب المشاهدة في مجال الأخبار، متجاوزة قناة 13 أحيانًا، ومكرّسة حضورها كمنصة اليمين القومي المتشدد.

وبحلول حرب غزة 2023–2024، أصبحت القناة- وفق دراسة أكسفورد- “غرفة صدى” لخطاب الحرب الصلب، حيث تتصدر فيها عبارات نزع إنسانية الفلسطينيين، واتهام القضاء والإعلام التقليدي بالخيانة، وتبرير كل تحركات الجيش والسياسيين.

 

انتخابات ٢٠١٥و حرب نتنياهو على اعلام الأعداء "الإسرائيلي" ..

كانت انتخابات 2015 لحظة فارقة في المشهد الإعلامي في إسرائيل فقد أعلن نتنياهو ومعه اليمين الصهيوني الديني الحرب ضد ما أسماه اعلام الأعداء والذي لم يكن الاعلام الفلسطيني او العربي ولكن المؤسسات الإعلامية اليسارية الليبرالية.

يصف تقرير نيمان أن نتنياهو لم يعد يرى هآرتس ويديعوت خصومًا مهنيين، بل “عقبة يجب تفكيكها”، فاستُخدمت أدوات الدولة — التشريع، والميزانيات، والضغوط المباشرة — لإعادة هندسة الساحة الإعلامية بالكامل.

وفي هذا المناخ تصاعد خطاب اليمين المتطرف الذي قدّم الإعلام الليبرالي باعتباره “عدو الدولة”، فاتهم سموتريتش الصحافة النقدية بأنها “خطر أمني”، وقال بن غفير إن قنوات الأخبار “شركاء للعدو”، مهددًا بإيقاف التمويل العام عنها.

ومؤخرًا—وفق تقارير The Times of Israel (2024) وHaaretz—اتُّهمت القناتان 12 و13 بأنهما «أذرع إعلامية للمعسكر المعادي»، واتهمهما نواب اليمين بأنهما «تُبثان روح الهزيمة» و«تخدمان أعداء إسرائيل»، في استمرار لنفس الخطاب التعبوي.

هذه الهجمة شملت أيضًا هيئة البث العام والقناة 11 التي وُصفت بأنها “معقل اليسار”، وتعرّض صحفيوها لحملات تخوين ومحاولات إقصاء، فيما سعت الحكومة مرارًا لخصخصة الهيئة وتقليص صلاحياتها.

وفي 24 نوفمبر 2024 صوّتت الحكومة بالإجماع على مقاطعة صحيفة هآرتس وسحب الإعلانات منها، في خطوة غير مسبوقة اعتبرتها منظمات الصحفيين “أوسع تدخل حكومي في تاريخ الإعلام الإسرائيلي”.

 

من صوت الدولة إلى إذاعة الأعداء .. نهاية إذاعة الجيش غالي تسهال

فب قلب هذه الحرب كانت إذاعة الجيش – غالي تساهال، التي كانت لعقود رمزًا للصوت الرسمي، لكنها تحولت في عهد نتنياهو إلى ساحة صراع بين المعسكرين. فقد أصبحت برامج مثل برنامج يعقوب باردوغو منابر تروّج لخط الليكود وتهاجم خصومه، وكشفت تحقيقات The Marker وTimes of Israel (2020–2021) عن تدخلات مقربة من مكتب رئيس الوزراء في الخط التحريري للمحطة.

وفي المقابل، هاجم التيار الديني–القومي الإذاعة باعتبارها “علمانية وغير ممثلة”، فقاطعها نفتالي بينيت عام 2017، ثم عادت كتلة اليمين لمقاطعتها عام 2022 بعد إبعاد باردوغو، ووصفت القرار بأنه “كتمّ للأصوات الوطنية”.

وتراكم هذا الضغط حتى نوفمبر 2025 عندما أعلن وزير الدفاع إسرائيل كاتس نيته إغلاق الإذاعة نهائيًا بحلول مارس 2026 بدعوى أنها “حالة شاذة — محطة مدنية تحت إدارة الجيش”. أثار القرار انقسامًا واسعًا: اليمين احتفى به، بينما اعتبرته المعارضة والمستشارة القانونية “تدخّلًا سياسيًا مباشرًا في البث العام”.

لم تكن هذه الحرب هي مجرد صراع سياسي او حزبي او حتى صراع على السردية والحقيقة.. ولكن يبدو أنها حرب اليمين الصهيوني بقيادة نتنياهو على تعريف اسرائيل نفسها وهويتها القادمة ..

 

المصادر

Nieman Reports – Netanyahu vs. the Israeli Media

Harvard – Nieman Foundation for Journalism

https://niemanreports.org/articles/netanyahu-vs-the-israeli-media/

Eitan Nechin – The Israeli Rights Long March Through the Media

New Lines Magazine (2025)

https://newlinesmag.com/reportage/the-israeli-rights-long-march-through-the-media/

Guy Grossman, Yotam Margalit, Tamar Mitts – Media Exposure and Voting Behavior (Israel Hayom Study)

University of Pennsylvania / Tel Aviv University / Columbia University

https://www.972mag.com/israel-hayom-voters-netanyahu/

Oren Persico – The Seventh Eye coverage on Israel Hayom influence

https://www.the7eye.org.il/ (مجمّع تقارير Israel Hayom 2007–2021)

BBC Monitoring – Political Polarization and Media Ownership in Israel (2024)

Davide Lerner – The Patriots Effect: Israels Shifting Civil Discourse Under Netanyahu

Reuters Institute for the Study of Journalism – University of Oxford (2024)

https://reutersinstitute.politics.ox.ac.uk/journalist-fellowship-papers/patriots-effect-israels-shifting-civil-discourse-under-netanyahu

The Marker investigations on Galei Tzahal editorial interference (2020–2021)

https://www.themarker.com

Times of Israel investigations on Galei Tzahal & political influence

https://www.timesofisrael.com

Haaretz political-media coverage (2024–2025)

https://www.haaretz.com

Zvi Reich – Making an Israeli Television: Discussions Prior to the Establishment of Television in Israel, 1948–1968

International Journal of Communication (2011)

Daniel Dor – The Israeli Press and the Second Intifada (2004)

Oren Soffer – The Anomaly of Galei Tzahal (2012)