عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

أشرف إبراهيم

صناعة التضليل: تفكيك الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران

2026.03.21

صناعة التضليل: تفكيك الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران

 

منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026، والمنطقة تعيش تحت وطأة ما يُصدِّره الخطاب الرسمي في واشنطن وتل أبيب بوصفه «ضرورة استراتيجية لحفظ الاستقرار العالمي»، وهو في الواقع ليس سوى حلقة جديدة ومروعة في مسلسل «الهيمنة الإمبراطورية» الذي يسعى لإعادة صياغة الخريطة الجيوسياسية بالقوة العارية. إن هذه المواجهة، التي دخلت أسبوعها الثالث، لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية العميقة للنظام الدولي الذي يمنح القوة العظمى حقًّا حصريًّا في تفسير القوانين الدولية وخرقها متى استدعت الحاجة، حيث يتمُّ تحويل العدوان السافر إلى «دفاع وقائي»، وتصوير الضحايا كـ«عناصر مُهدِّدة»، في مفارقة أخلاقية ومنطقية تستحق التشريح الدقيق بعيدًا عن ضجيج الآلة الإعلامية المهيمنة.

 

عقيدة الدمار الجراحي: الميدان معملًا للتجارب العسكرية

تتجاوز العمليات العسكرية الجارية حاليًا في العمق الإيراني مفاهيم الحروب التقليدية، إذ نرى بوضوح تحوُّلًا نحو ما يمكن تسميتها «العسكرة الخوارزمية»، حيث تُدار المعارك عبر أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة لا تكتفي بتحديد الأهداف، بل تسعى لتفكيك أسس الحياة المدنية تحت مسمى «تحييد القدرات العدائية». 

إنَّ الاعتماد المكثف على أسراب الطائرات المسيَّرة ذاتية القيادة من طراز«X-47C» ، والجيل المُطوَّر من صواريخ «فرط صوتية» استهدف بشكل مباشر مراكز الطاقة في بوشهر، وشبكات الربط الكهربائي في أصفهان، وموانئ التصدير في بندر عباس. وبحسب تقرير فني مسرب من «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام»، صدر في العاشر من مارس، فإنَّ حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية غير العسكرية يتجاوز بمراحل ما تتطلبه «الأهداف الاستراتيجية المعلنة»، مما يوحي بأنَّ الغاية الحقيقية هي شلُّ المجتمع الإيراني وجعله غير قادر على العمل لسنوات مقبلة.

وفي هذا السياق، يبرز التناقض الصارخ في تصريحات القادة العسكريين؛ فبينما يؤكد المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية أن «ضرباتنا موجهة بدقة متناهية لضمان عدم المساس بالمدنيين الذين نعتبرهم رهائن لهذا النظام»، نجد أن الواقع على الأرض يشير إلى تدمير محطات تحلية مياه رئيسية؛ مما أدى لتعطيش ملايين السكان في المناطق الجنوبية. إن هذه «الدقة الجراحية» المزعومة هي في الحقيقة أداة للعقاب الجماعي الممنهج، حيث يتمُّ استخدام التكنولوجيا المتطورة ليس لتقليل الضحايا، بل لتطوير سبل خنق الدول وتدمير قدرتها على المقاومة دون الحاجة لغزو بري واسع النطاق في المراحل الأولى، وهو ما يخدم استراتيجية «الإرهاق البنيوي»، التي تتبناها العقيدة العسكرية الأمريكية الجديدة لعام 2026.

 

المسرح السياسي: الدبلوماسية ملحقًا للآلة الحربية

على الصعيد السياسي، نرى مشهدًا عبثيًّا تُمارَس فيه الدبلوماسية بوصفها نوعًا من أنواع «إدارة التوقعات»، وشرعنة القوة، حيث تُستخدَم أروقة الأمم المتحدة لتوفير الغطاء الزمني اللازم لاستكمال الأهداف العسكرية.

إنَّ ممارسة حق النقض «الفيتو» ضد أي قرار يدعو لوقف فوري لإطلاق النار، كما حدث في جلسة مجلس الأمن بتاريخ 5 مارس، يعكس بوضوح أنَّ «النظام العالمي القائم على القواعد» هو في الحقيقة نظام قائم على قواعد الأقوياء.

لقد صرَّح أحد كبار المستشارين في الإدارة الأمريكية لصحيفة «وول ستريت جورنال»، قائلًا: «إن العودة للحديث عن الدبلوماسية لا يمكن أن تتم إلا بعد أن نلمس تغييرًا حقيقيًّا وملموسًا في موازين القوى على الأرض»، وهو اعتراف صريح بأن التفاوض ليس وسيلة لإنهاء النزاع، بل هو أداة لجني ثمار الدمار العسكري.

أما الموقف الأوروبي، فيبدو كأنه صدى باهت لمصالح واشنطن، حيث سارعت العواصم الأوروبية بفرض «حزمة عقوبات ذكية» استهدفت في الواقع القطاعَين المصرفي والدوائي؛ مما أدى إلى انهيار متسارع في قيمة العملة الإيرانية ومنع وصول المستلزمات الطبية الأساسية لمرضى السرطان.

إنَّ هذه العقوبات، التي توصف في الخطاب الرسمي بأنها «غير موجهة للشعب»، تمثل سلاح دمار شامل صامتًا يهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإثارة الفوضى الداخلية. وفي الوقت ذاته، يتم تفعيل «الدبلوماسية القسرية» مع القوى الإقليمية لضمان بقائها داخل المدار الأمريكي، عبر التلويح بعقوبات مماثلة أو تقديم وعود بـ«ترتيبات أمنية جديدة»، تضمن تفرد إسرائيل بالهيمنة المطلقة في المنطقة، مما يجعل من العملية السياسية برمتها مجرد آلية لتثبيت نتائج القصف الجوي.

 

تكنولوجيا التضليل: الإعلام مصنعًا لإنتاج الحقيقة البديلة

لا تقلُّ الحربُ الإعلامية والمعلوماتية ضراوةً عن القصف الجوي، بل هي العمود الفقري الذي يمنح العدوان شرعيته في عيون الرأي العام العالمي. إن ما نشهده اليوم هو «توليد الموافقة» عبر تقنيات رقمية فائقة التطور، حيث يتم استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج فيض من الأخبار والمقاطع التي تخدم الرواية العسكرية.

لقد رصدت منظمات حقوقية مستقلة استخدام مقاطع فيديو بتقنية «التزييف العميق» تظهر قادة عسكريين إيرانيين وهم يدعون للاستسلام، كما تمَّ بث لقطات مفبركة لاحتفالات في شوارع طهران بسقوط الصواريخ، وهي مواد صُمِّمت بعناية لاختراق الوعي الشعبي العالمي وإقناعه بأن الحرب هي «فعل تحريري» يرحِّب به الضحايا أنفسهم.

إنَّ الإعلام المهيمن لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يمارس دور «المصفي» الذي يمنع وصول الحقائق المزعجة؛ فبينما يتم الاحتفاء بـ«بطولة الطيارين» و«براعة الأنظمة الدفاعية»، يتم تهميش أخبار النازحين الذين تجاوز عددهم مليونَي شخص بحسب تقديرات أولية.

إنَّ لغة التغطية الإعلامية بحد ذاتها هي أداة للحرب، حيث يتمُّ وصف القتلى الإيرانيين بـ«العناصر» أو «الأهداف المحيدة»، بينما يوصف أي رد فعل إيراني بـ«الإرهاب العابر للحدود»، أو «العدوان غير المُبرَّر على المصالح العالمية».

هذا التأطير المتعمد يحوِّلُ الحقيقة إلى مسألة «وجهة نظر» تفرضها القوة، مما يجعل من الصعب على المواطن الغربي العادي أن يدرك حجم الكارثة الإنسانية التي تُموِّلها ضرائبه، وهو ما صرَّح به مسؤول إعلامي في وزارة الخارجية الإسرائيلية حين قال: «إن المعركة على الوعي هي نصف الانتصار، ونحن نتحكم في السردية بشكل كامل».

 

هندسة العدو: إعادة صياغة الأوهام لتبرير الهيمنة

يرتكز الخطاب التبريري لهذا العدوان على ركيزة أساسية وهي «صناعة العدو الوجودي»، حيث يتم تصوير إيران ليس كدولة قومية لها مصالح جيوسياسية طبيعية، بل كـ«فكرة شريرة» تهدِّد بقاء العالم المتحضر. هذه الآلية تهدف إلى تجريد الخصم من إنسانيته، وجعل عملية إبادته تبدو كـ«واجب أخلاقي». ففي الخطابات الرسمية المتكرِّرة منذ 28 فبراير، يتم الربط بشكل قسري بين التطور العلمي الإيراني وبين «الرغبة في تدمير الديمقراطية»، وهي ذريعة مكررة تاريخيًّا تم استخدامها في كل التدخلات الإمبراطورية السابقة. إن خلق «أعداء وهميين» يسمح للسلطة الحاكمة في واشنطن وتل أبيب بصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية، عبر توجيه الغضب الشعبي نحو «خطر خارجي دائم» يتطلب زيادة مستمرة في ميزانيات الدفاع.

علاوة على ذلك، يتم الترويج لفكرة «الحتمية الأخلاقية»؛ للتدخل العسكري، حيث يتم تصوير الولايات المتحدة وإسرائيل كـ«حراس للقيم الكونية» الذين اضطروا مكرهين لخوض هذه الحرب.

إنَّ إعادة صياغة الأحداث التاريخية، وتجاهل عقود من الحصار والاستفزازات، يهدفان إلى تصوير الحرب كـ«فعل أخلاقي منعزل» يبدأ من لحظة إطلاق أول صاروخ، مع طمس المقدمات كافة التي أدت إليه. وهذا ما أكده رئيس الوزراء الإسرائيلي في تصريح له بتاريخ 12 مارس حين قال: «العالم سيشكرنا يومًا ما؛ لأننا امتلكنا الشجاعة لفعل ما عجز الآخرون عنه في مواجهة قوى الظلام»، وهي لغة تعيدنا إلى عصور الاستعمار القديم، حيث كان «عبء الرجل الأبيض» هو الذريعة لنهب موارد الشعوب وتدمير حضاراتها.

 

التوثيق والحقيقة المُرَّة: ما وراء غبار المعارك

إنَّ الاعتماد على البيانات الموثَّقة يكشف الهوة العميقة بين الادعاءات والواقع؛ فوفقًا لإحصائيات «منظمة مراقبة الحقوق الاقتصادية» (مارس 2026)، تسبب إغلاق الطرق الملاحية والضربات الجوية في ارتفاع جنوني بأسعار المواد الغذائية عالميًّا بنسبة 25%، مما يثبت أنَّ هذه الحرب هي عدوان على الاستقرار العالمي الحقيقي وليس حماية له. إنَّ الحقيقة التي يرفض الخطاب الرسمي الاعتراف بها هي أنَّ الهدف الحقيقي ليس «منع الانتشار النووي» أو «حماية الملاحة»، بل هو ضمان بقاء المنطقة تحت الهيمنة الأحادية، ومنع أي تقارب اقتصادي أو سياسي بين القوى الآسيوية الصاعدة ومنطقة الشرق الأوسط.

إنَّ الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران لعام 2026 هي اختبار لمدى قدرة المجتمع الإنساني على مقاومة «صناعة الجهل»، التي تمارسها القوى الكبرى. إنَّ مسؤولية الملاحظ الصادق هي تفكيك هذه السرديات الرسمية، وتقديم رؤية قائمة على تحليل هياكل السلطة ومصالح النخب، بعيدًا عن الشعارات الجوفاء حول «الحرية» و«الديمقراطية».

إنَّ دماء المدنيين في طهران وشيراز، والدمار الذي يلحق بأسس الحياة في تلك المنطقة، هما الثمن الباهظ الذي تدفعه البشرية لاستمرار نظام عالمي يقدِّس القوة فوق الحق، ويحوِّل التضليل إلى علم، والعدوان إلى ضرورة.

إنَّ فهم هذه الآليات هو الخطوة الأولى نحو مقاومة هذا الانحدار نحو بربرية تقنية جديدة لا تعرف الرحمة.