عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

آن ألكسندر

الهجمات على إيران: الإمبريالية والقمع والمقاومة

2026.03.07

تمت الترجمة بواسطة: المرايا

الهجمات على إيران: الإمبريالية والقمع والمقاومة

 

آن ألكسندر تجادل بأن علينا أن نتطلع إلى القوة الاجتماعية للطبقة العاملة في الشرق الأوسط بوصفها القوة القادرة على تحقيق تغيير حقيقي.
دعت منظمتا «أوقفوا الحرب» و«حملة نزع السلاح النووي» إلى احتجاجات ضد الهجوم الإسرائيلي - الأمريكي على إيران.
إنَّ هجوم دونالد ترامب على إيران هو أحدث جولة في «الحرب الأبدية لإنهاء كل الحروب» التي يعد بها أتباعه. ونحن نعلم الآن أنَّ «تغيير النظام» عبر قنابل خارقة للتحصينات هو استراتيجيته المُفضَّلة.
هذا مغامرة إمبريالية من أعلى المستويات. لكنه أيضًا اعتراف بالقيود الحقيقية على قوة الولايات المتحدة في عصر الأزمات، كما يؤكد أوهام ترامب بأنَّه قادر على الهروب من هذه القيود بمجرد قوة الإرادة.
إنَّ التنسيق بين إسرائيل والولايات المتحدة يعكس الثقة الكبيرة لدى الجنرالات الإسرائيليين في قدرتهم على الاستمرار في تقرير مصير المنطقة.
وهم يعتقدون أنَّ قدرتهم على الإفلات من العقاب بعد الإبادة الجماعية في غزة قد أعادت ضبط ميزان القوى في المنطقة، بما يسمح لهم بفرض عملية «قطع الرأس» لقيادة إيران.
استؤنفت الهجمات الإسرائيلية على لبنان، صباح الاثنين، في استمرار للصراع المتقطع مع جماعة المقاومة «حزب الله» على الحدود الشمالية للدولة الصهيونية.
لقد انتقل مخططو الحرب في إسرائيل من ضرب خصومهم الإقليميين - حماس وحزب الله والحوثيين وإيران - بالتتابع، إلى شنِّ هجمات متزامنة على جبهات متعددة.
وتوجد الطائرات الحربية والقواعد البريطانية في قلب هذه الجرائم، كما أنَّ الأسلحة المُصنَّعة في بريطانيا تشارِك فيها أيضًا. ومن المرجح أنَّ يتزايد الضغط على رئيس الوزراء كير ستارمر لتقديم دعم مباشر لقصف إيران انطلاقًا من بريطانيا.

لكن أين وكيف يمكننا الوقوف في وجه هذا المظهر المرعب الجديد للاندفاع العالمي نحو الحرب؟
الإمبريالية اليوم تتميَّز بالتنافس بين القوى الإمبريالية الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا، وكذلك بالصراعات بين القوى الإقليمية.
وفي صدام بين قوى كبرى ومتوسطة، هل نقف إلى جانب النظام الذي تتعرَّض له حكومتنا بالهجوم، متناسين الجرائم التي ترتكبها الجمهورية الإسلامية في إيران ضد شعبها؟.
أم نرفض ببساطة الاختيار «بين الطاعون والكوليرا» - كما يقول المثل العربي - وندين دول الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا وإيران على حد سواء؟
إنَّ نقطة البداية بالنسبة لنا في بريطانيا يجب أنْ تكون أن حكومتنا شريكة في فظائع على نطاق هائل. وللشعب الإيراني الحق في الدفاع عن منازله وبلاده من التدخل الأجنبي، بما في ذلك من خلال المقاومة المسلحة.
فالخصوم الذين يواجهونهم لا يبدون أي اعتبار لحياة المدنيين الإيرانيين أكثر مما أبدوه لحياة الفلسطينيين في غزة. وأساليب القتل هي نفسها: قنابل تزن ألفَي رطل تسوِّي الأحياء بالأرض بذريعة استهداف مواقع عسكرية.
ويواصل عدد الضحايا في الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على مدرسة ابتدائية للبنات في ميناب جنوب إيران الارتفاع، وكما في غزة فإن الغالبية من الأطفال.
لكن قول ذلك وحده لا يكفي.

لقد أظهرت السنوات الأخيرة ضعف الاستراتيجيات التي تزعم مواجهة الإمبريالية عبر مجرد دعم سيادة القوى الإقليمية المتوسطة مثل إيران.
فقد فَقَدَ حكامُ إيران منذ زمن طويل شرعيتهم السياسية، التي استنزفتها الأزمات العميقة والاحتجاجات المتكررة.
بلغت دورة التمرد في إيران ذروتها الدامية الأخيرة مع المظاهرات في يناير من هذا العام، حين اندلعت احتجاجات ضخمة. وقد امتزج الارتفاع الحاد في التضخم مع غضب أعمق ضد الدولة.
لكن بداية هذه الدورة تعود إلى عام 2009، حين اندلعت الاحتجاجات بسبب تلاعب سياسيين محافظين بنتائج الانتخابات الرئاسية.
وشكَّلت تلك التعبئة الجماهيرية في الشوارع قطيعةً عميقةً مع الماضي. فقد بدأت الاحتجاجات كخلافٍ بين نخب السلطة حول أفضل طريقة لإدارة المجتمع بما يخدم مصالحهم، لكنها تلاقت مع ثقة متزايدة لدى الناس في أسفل المجتمع بأنَّ عليهم ألا يتحمَّلوا القمع بعد الآن.
وشهد العقد التالي تكرار هذه العملية مع احتدام التناقضات بين الأبعاد العالمية والإقليمية والداخلية لأزمة النظام. وكانت هناك ثلاثة عناصر أساسية:
أولًا، الموازنة الهشة التي تقوم بها الطبقة الحاكمة الإيرانية في السياسة العالمية، خاصة التذبذب عالي المخاطر بين عقد الصفقات وفسخها بشأن برنامجها النووي.
ثانيًا، استراتيجية النظام لتوسيع نفوذه داخل منطقة هزتها كارثة هزيمة الولايات المتحدة في العراق بعد غزوه واحتلاله عام 2003.
وثالثًا، إفقار قطاعات واسعة من السكان الإيرانيين مع تحول النمو الاقتصادي إلى الانكماش.

لقد شدَّدت آليات الحرب الاقتصادية - مثل نظام العقوبات المشدد الذي أعاد ترامب فرضه - الضغط الجيوسياسي على قادة إيران. لكن ذلك لا يروي القصة كاملة. فالطبقة الحاكمة الإيرانية تدفع أيضًا ثمن فشل السياسات النيوليبرالية التي تبنتها بحماس خلال العقود الماضية.
فقد سعى النظام الإيراني، بلا رحمة، إلى خصخصة الخدمات، ووسَّع نظام التعاقدات الخارجية للوظائف، وخلق قوة عمل من مستويين يعمل فيها الموظفون الجدد في ظروف أسوأ من زملائهم القدامى. كما موَّل توسُّع البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات وإنشاء الأسواق الرقمية.
ونشأ اليوم نظام رقمي معقد يدمج تطبيقات ومنصات أجنبية مع أخرى محلية خاضعة لإشراف الدولة. وقد منح ذلك الشباب الإيرانيين لمحات عن عالم من الإمكانات يريد قادتهم الآن إغلاقه تمامًا.
وقد عبَّرت انتفاضة 2022 جزئيًّا عن غضب هذا الجيل. فقد اندلعت بعد مقتل جينا مهسا أميني على يد الشرطة، عقب اعتقالها بزعم عدم ارتداء الحجاب وفق المعايير الحكومية.
وبشكل مأساوي، لم تلتحم الاحتجاجات في الشوارع مع نضالات يقودها العمال المنظمون، وتمكَّن الجهاز الأمني من سحق الحركة، لكن النظام اضطر أيضًا إلى تقديم تنازلات، تمثَّلت أساسًا في التراجع عن فرض قواعد اللباس بشكل صارم.
إنَّ القنابل الأمريكية والإسرائيلية لن تُسرّع عملية الثورة الشعبية، بل ستؤخرها. فهي أولًا ستدفع كثيرًا من الناس العاديين إلى العودة إلى أحضان النظام، وثانيًا ستمنح القوة لأكثر عناصر المعارضة رجعية.
ويتجلى ذلك في الملكيين الذين يلوّحون بالأعلام الإسرائيلية ويهتفون للقنابل، إذ يريدون إسقاط واستبدال «الحرس الثوري» الإسلامي، لتحل محله الشرطة السرية المخيفة لنظام الشاه السابق، «السافاك».
كما يجب إدراك أنَّ شريحة من الإيرانيين، خاصة الشباب، لم يعرفوا سوى حكم النظام الحالي القمعي، وقد ينجذب بعضهم إلى فكرة أنَّ تدمير النظام القديم عبر تدخل خارجي قد يفتح الباب لمستقبل مختلف.
وقد حمل كثير من العراقيين آمالًا مشابهة في بداية الغزو الأمريكي عام 2003.
لكن تلك الكارثة أبرزت التراجع النسبي للقوة العسكرية الأمريكية في المنطقة وعلى مستوى العالم. وقد خلق ذلك فراغًا توسعت فيه قوى إقليمية صاعدة مثل إيران وإسرائيل. واستفاد حكام إيران من الاحتلال الأمريكي الفاشل للعراق لتعزيز تحالفاتهم الإقليمية.
أما الإبادة الجماعية في غزة فكانت، من بين أمور أخرى، محاولة من حكام إسرائيل لفرض هيمنتهم على هذا النظام الإقليمي. وطموحهم هو ضمان بقاء الدولة الصهيونية في موقع «الحارس» لمصالح الإمبريالية الأمريكية على رأس هرم إقليمي لا يستطيع أي منافس تحديه.
إنَّ الإشارة إلى طريق للخروج من هذا الكابوس تتطلب استراتيجية تعبّئ القوة الوحيدة القادرة على إيقاف آلة التدمير، وهي القوة الاجتماعية للناس الذين يجعل عملهم هذه الآلة تعمل.
ففي الماضي لعب عمال النفط والغاز داخل إيران مثل هذا الدور.
خلال الثورة الإيرانية عام 1978-1979 دفعت الإضرابات الجماهيرية حدود سيطرة الإدارة والدولة داخل أماكن العمل إلى الخلف. وبحلول سقوط الملكية في أوائل عام 1979 لم يعد الإنتاج في أجزاء واسعة من قطاع النفط تحت سيطرة الشاه ووزرائه، بل أصبح تحت إدارة مجالس عمالية منتخبة ديمقراطيًّا عُرفت باسم «الشورى».
بل وحتى قبل ذلك، شهدت أربعينات وأوائل خمسينات القرن العشرين موجات من التنظيم، قادتها الحركات الشيوعية والقومية في صناعة النفط في المنطقة، هزَّت سيطرة شركات النفط الأجنبية وأرعبت الأنظمة الاستبدادية.
شارك عشرات الآلاف في إضرابات تحدَّت ظروف العمل العنصرية، الشبيهة بنظام الفصل العنصري التي فرضتها شركات النفط الغربية على العمال العرب والإيرانيين.
وفي هذا السياق قام رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق بتأميم حقول النفط المملوكة لبريطانيا عام 1951. كما أطلق عمال النفط في مدينة البصرة العراقية إضرابات جماهيرية في أغسطس 1952 مستلهمين برنامج التأميم الذي أعلنه مصدق، وهو ما أدى إلى اندلاع انتفاضة وطنية بعد أشهر.
وفي الوقت نفسه كانت الأحداث في إيران تتجه سريعًا نحو انقلاب مدعوم من الولايات المتحدة وبريطانيا أطاح بمصدق في أغسطس 1953. لكن ذلك لم يوقف انتشار حركة عمال النفط، إذ أطلق نحو 13 ألف عامل إضرابًا تاريخيًّا ضد شركة «أرامكو» في السعودية بعد اعتقال منظمي النقابات في أكتوبر 1953.

ولا يزال عمال الخليج اليوم منقسمين بجوازات سفرهم ومجزّئين بلغاتهم وأديانهم. ويواجه الناطقون بالعربية في جنوب إيران القمع والتهميش من الدولة، بينما تعاني المجتمعات الشيعية في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط في السعودية من اضطهاد طائفي.
لكن عبر الخليج كله، يتحد الناس الذين يقوم عملهم بتشغيل اقتصاد المنطقة بانتمائهم الطبقي. فهم يشتركون في تجربة العمل تحت حرارة قاتلة، وفي أماكن عمل مليئة بالحوادث، وفي الخوف الدائم من البطالة.
إنهم يراقبون المولدات المتعبة والأضواء المرتعشة وهم يخشون أن يقتل الهواء الرطب الخانق أطفالهم عندما يتعطل التكييف.
لقد أصبحوا مجندين اقتصاديًّا في حرب ضد تغير المناخ تجعل المنطقة التي يعيشون فيها غير صالحة للسكن بسرعة مع ارتفاع درجات الحرارة. والآن حوَّلت الإمبريالية السماء فوق رؤوسهم إلى ساحة معركة.
ويمكن رؤية لمحات من وحدة مشابهة في الإضرابات العامة والتحركات العمالية المنسقة في موانئ البحر المتوسط خلال العام الماضي.
فمن اليونان إلى إيطاليا والمغرب وقف العمال ورفضوا أنْ يكونوا شركاء في جرائم الحرب والإبادة الجماعية في فلسطين.
وكثير ممَّن يقودون هذه الحركة في إيطاليا هم عمال مهاجرون يواجهون تهديدًا مزدوجًا: الحروب التي قد تبتلع بلدانهم الأصلية، والعنصرية المتصاعدة من اليمين المتطرف.
إننا بحاجة إلى التعلم من هذه الأمثلة الناجحة لعمل العمال في تعطيل آلة الحرب الإسرائيلية في غزة وتطبيقها هنا في بريطانيا. فالمصانع ومختبرات البحث الجامعية والموانئ والمطارات في هذه الجزر قد أُقحمت الآن في صراع يهدد حياة الملايين.
ولا شك أنَّ هناك بالفعل جنودًا وعمال موانئ وعمال مصانع وسائقي شاحنات وباحثين وعلماء حاسوب يتساءلون إلى متى يمكنهم الاستمرار في المشاركة في هذه الجرائم.
ويقع على عاتقنا بناء حركة مناهضة للحرب على نطاق يمنح بعضهم الشجاعة لتحويل شعار «ليس باسمنا، وليس بعملنا»
إلى صرخة تعبئة تصل إلى الملايين.