هوامش
أشرف إبراهيمأجساد على مذبح السوق: لماذا يمثل "التقنين" قواداً مؤسسياً، و"الوصاية الأخلاقية" عنفاً طبقياً؟
2026.07.18
أجساد على مذبح السوق
لماذا يمثل "التقنين" قواداً مؤسسياً، و"الوصاية الأخلاقية" عنفاً طبقياً؟
في خضم التردي الاقتصادي المتسارع والانسحاب العنيف لمؤسسات الرعاية الاجتماعية، عاد الجدل القديم ليتصدر المساحات النقاشية في مصر حول قضية الدعارة. ينقسم المشهد ظاهرياً بين تيارين يبدوان في حالة صراع، لكنهما في التحليل الأخير يقفان على أرضية واحدة تخدم بقاء البنية الاستغلالية ذاتها: تيار "ليبرالي" يطالب بتقنين الدعارة والاعتراف بها كـ "عمل جنسي" بحجة حماية العاملات وتوفير الغطاء الصحي، وتيار "محافظ" يطالب بتشديد القبضة الأمنية وتغليظ العقوبات حماية لـ "فضيلة المجتمع".
بين مطرقة التسليع وسندان الوصاية الأخلاقية، يتم تغييب القراءة المادية والتاريخية بشكل متعمد. إننا نرفض كلتا السرديتين؛ فالدعارة ليست "خياراً تعاقدياً حراً" يستوجب التقنين وحماية آليات السوق، وليست "انحرافاً أخلاقياً فردياً" يستوجب العقاب الجنائي. إنها التجسيد الأقصى والأكثر فجاجة للعنف الهيكلي؛ المساحة التي يتحالف فيها القهر الطبقي مع السلطة الأبوية لتحويل أجساد النساء المفقرات إلى "سلع" استهلاكية، تُهدر فيها إنسانيتهن لضمان استمرار دوران عجلة تراكم رأس المال.
خرافة "الاختيار الحر" تحت مقصلة الإكراه المادي
ينطلق دعاة التقنين من فرضية اقتصادية كلاسيكية تفترض أن المرأة التي تدخل هذا المجال تمارس "خياراً حراً" وتبرم "عقداً بالتراضي". لكن، عن أي تراضي نتحدث حين يكون الخيار الآخر هو الموت جوعاً أو التشرد في الشوارع؟.
في مجتمع يعاني من تضخم متوحش، وتفكيك ممنهج لشبكات الأمان الاجتماعي، وطرد لملايين الفلاحين والعمال من أراضيهم ومصانعهم، تفقد كلمة "الاختيار" كل معانيها. عندما تواجه المرأة المنتمية للطبقات المسحوقة خطر طردها من غرفتها، أو العجز عن توفير ثمن دواء لأطفالها، فإن دفعها لبيع جسدها لا يمكن تسميته اختياراً، بل هو "إكراه مادي" مطلق.
لقد أشار الكاتب والمفكر أوغست بيبل في دراساته المبكرة حول وضع المرأة، إلى أن الدعارة هي مؤسسة ضرورية للمجتمع الرأسمالي، حيث يُدفع بملايين النساء إلى هوة سحيقة من تدني الأجور وشح فرص العمل، ليصبح بيع الجسد هو الملاذ الأخير للنجاة. إن مساواة الدعارة بأي عمل مأجور آخر هو تدليس نظري فج؛ فالعامل في المصنع يبيع "قوة عمله" (وقته وجهده) للرأسمالي، أما في مؤسسة الدعارة، فإن المرأة تبيع ذاتها، وكرامتها، وتؤجر حدودها الجسدية المادية لانتهاك متكرر. إن تجميل هذا الاستغلال الوحشي بمصطلح "العمل الجنسي" هو محاولة بائسة لتبرئة النظام الاقتصادي من جريمته، وتحويل الضحية المكرهة اقتصادياً إلى "مقاول مستقل" يتحمل مسؤولية سحقه.
الاغتراب الأقصى.. اللحم البشري كأداة لتراكم الأرباح
لفهم جوهر هذه الممارسة، يجب تفكيكها من منظور "الاغتراب". في ظل علاقات الإنتاج السائدة، يتم تسليع كل شيء، من الأرض إلى المياه إلى الأفكار، لكن الدعارة تمثل ذروة هذا التسليع؛ إنها النقطة التي يتم فيها اختزال الكائن البشري بالكامل إلى مجرد أداة لإشباع غريزة من يمتلك "القدرة الشرائية".
في هذا السوق، المشتري (الزبون) يمتلك فائضاً مالياً يمنحه سلطة مطلقة لاستئجار جسد امرأة لا تمتلك سوى فقرها. ما يحدث في الغرفة المغلقة ليس تبادلاً لمنفعة، بل هو شراء مؤقت لحق ممارسة السلطة والعنف على جسد آخر. المرأة هنا تنفصل تماماً عن ذاتها وجسدها لتتحول إلى شيء، إلى آلة ميكانيكية مفرغة من المشاعر، تُستهلك تماماً كما تُستهلك أي سلعة في السوق، ثم تُلقى بمجرد انتهاء مدة الإيجار. هذا هو الاغتراب في أكثر صوره توحشاً، حيث تصبح حميمية الإنسان وجسده مجرد أصل رأسمالي يدر ربحاً للوسطاء.
التقنين كـ "قوادة مؤسسية".. دروس الفشل الأوروبي
ماذا يعني التقنين فعلياً على أرض الواقع بعيداً عن الرومانسية الليبرالية؟ التقنين في جوهره هو إدخال تجارة الأجساد ضمن الدورة الرسمية لرأس المال وللمحاسبة الضريبية.
عندما تُقنن الدولة الدعارة، فهي تتحول عضوياً إلى "قواد مؤسسي" كبير؛ حيث تستخلص حصتها من فائض القيمة (عبر الضرائب، الرسوم، وتراخيص بيوت البغاء الكبرى) من عرق وأجساد هؤلاء النساء. التقنين لا ينهي الاستغلال، بل يجعله قانونياً ومُداراً ببيروقراطية باردة، خاضعاً لقوانين العرض والطلب.
لدينا معطيات مادية موثقة من تجارب الدول التي طبقت هذا النموذج (مثل ألمانيا وهولندا). في ألمانيا، التي سُميت بـ "ماخور أوروبا" بعد قانون عام 2002، ظهرت المجمعات العملاقة مثل مبنى "باشا" في كولونيا، حيث تدفع النساء رسوماً يومية ثابتة للإدارة سواء حصلن على زبائن أم لا، ما يدخلهن في دوامة ديون لا تنتهي.
لم يحمِ التقنين النساء، بل أدى إلى انفجار مرعب في معدلات الاتجار بالبشر. فالطلب على الأجساد الرخيصة تضاعف بعد تطبيعه، ولم يكفِ العرض المحلي، فتم استيراد مئات الآلاف من النساء من دول أوروبا الشرقية المنهارة اقتصادياً ومن إفريقيا. أصبح السوق يدار بواسطة كارتيلات منظمة تتعامل مع الدولة كمستثمر شرعي. التقنين يحمي "المشتري" لأنه يعفيه من المساءلة، ويحمي "المستثمر/القواد" لأنه يضمن أرباحه بقوة القانون، بينما تظل المرأة في قاع السلم، تُعامل كبضاعة يتم تكهينها متى ما فقدت صلاحيتها للاستهلاك البصري والجسدي.
عورات المقاربة المحافظة.. شرطة الآداب وحماية النظام
على النقيض الوهمي، يقف التيار المحافظ ومؤسسات الدولة الأمنية للمطالبة بـ "تطهير المجتمع" عبر القبض على هؤلاء النساء وسجنهن بتهم "ممارسة الرذيلة" أو "التحريض على الفسق". هذا الحل القمعي والأخلاقوي يمثل الوجه الآخر لعملة الاستغلال.
الشرطة وقوانين مكافحة الآداب تستهدف دائماً وبشكل حصري الحلقة الأضعف: المرأة المشتغلة بالدعارة في الشوارع والأحياء الشعبية المتردية، بينما يُترك المشترون (الزبائن) أحراراً في معظم الأحيان ليعودوا إلى منازلهم، وتفلت الرؤوس الكبيرة وشبكات الاتجار المنظمة التي تحتمي بالفنادق ذات الخمس نجوم والمجتمعات المخملية من أي عقاب حقيقي.
لماذا يحدث ذلك؟ لأن النظام لا يرى في المشتري جرماً، فالمشتري يمتلك المال ويمثل الطبقة المهيمنة والسلطة الذكورية. أما المرأة الفقيرة التي تقف في الشارع، فهي تمثل الإعلان الفاضح والمرئي لفشل هذا النظام الاقتصادي في توفير حياة كريمة لأفراده.
كما كتبت المفكرة ألكسندرا كولونتاي في كراساتها المبكرة، فإن المرأة التي تبيع جسدها ليست مجرمة ولا ساقطة أخلاقياً، بل هي ضحية مباشرة لخلل في هيكل توزيع الثروة ولنظام يرفض الاعتراف بقيمة العمل الإنجابي والرعائي للنساء. إن تجريم هذه المرأة ومطاردتها أمنياً هو "عنف طبقي مزدوج"؛ فالدولة التي جوعتها وصادرت حقوقها، تعود لتعاقبها بالسجن على محاولتها البائسة للنجاة. السجن لا يعالج الفقر، بل يراكم الوصم، لتخرج المرأة بعد انقضاء عقوبتها إلى بيئة أكثر وحشية، فلا تجد أمامها سوى العودة لنفس الدائرة المغلقة.
التقاطع الحتمي.. البطريركية في خدمة رأس المال
لا يمكن تفكيك بنية الدعارة دون قراءة التقاطع العضوي بين السلطة الذكورية (البطريركية) والنظام الاقتصادي التراكمي. من هن النساء اللاتي يمارسن الدعارة؟ ومن هم المشترون؟
الدعارة هي ضريبة حصريّة تدفعها نساء الطبقات المسحوقة، اللاتي حُرموا من أدوات الإنتاج، وفرص العمل اللائقة، والسكن الآمن. في المقابل، يمثل المشتري امتيازاً ذكورياً صريحاً مدعوماً بقدرة شرائية. النظام الاقتصادي القائم يفقر المرأة بشكل ممنهج، ويدفعها إلى الهوامش، بينما يعلم النظام الأبوي الرجل أن جسد المرأة هو "خدمة" متاحة يمكن استئجارها إذا امتلك الثمن.
التقنين يطبع مع هذه الهيمنة ويعتبرها حقاً طبيعياً لمن يملك المال، بينما التجريم الأمني يلقي بتبعات هذه الهيمنة على الضحية وحدها. كلاهما يحمي بقاء العلاقات الاستغلالية كما هي دون مساس.
تفكيك البنية لا تجميلها
إن موقفنا الفكري يرفض الاصطفاف مع ليبرالية التسليع التي ترى في كل تفاعل إنساني فرصة للربح، ويرفض كذلك سلطوية المحافظين التي تستخدم الأخلاق كعصا لضرب الضحايا. الحل لا يكمن في تنظيم سوق النخاسة ولا في حشد السجون بالنساء الفقيرات.
الاستراتيجية الوحيدة القادرة على مواجهة هذه الجريمة هي استراتيجية الاستئصال الجذري للبنية المادية التي تنتجها، والتي ترتكز على مبادئ واضحة:
- إلغاء تجريم النساء ضحايا الاستغلال: يجب التوقف الفوري عن ملاحقة وسجن النساء اللاتي دُفعن لهذا المجال. هؤلاء لسن مجرمات، بل ناجيات من حرب طبقية شعواء، ويجب توفير الحماية القانونية والنفسية لهن دون وصم.
- تجريم الشراء ومصادرة أرباح الوساطة: توجيه سيف القانون بصرامة نحو من يمتلك القدرة على الاختيار الحقيقي: المشتري (طالب الخدمة) والمستفيد المالي (القوادون، شبكات الاتجار، والفنادق المتواطئة). يجب تجريم شراء الوصول لجسد الآخر، واعتباره تعدياً مدفوع الأجر.
- نسف الشروط المادية لإنتاج الدعارة: وهو حجر الزاوية؛ فلا يمكن القضاء على الاستغلال بنصوص القانون وحدها. تفكيك مؤسسة الدعارة يبدأ بإعادة توزيع الثروة، توفير السكن اللائق، خلق فرص عمل حقيقية بأجور تضمن حياة كريمة، تأسيس شبكات حماية اجتماعية مجانية ومستدامة، والاعتراف المادي بعمل النساء الرعائي.
إن أجساد فقيراتنا ليست أصولاً رأسمالية للدولة لتنظم بيعها وتجني ضرائبها، وليست ساحة استعراض أخلاقي لشرطة الآداب لتمارس عليها سلطتها. إن التحرر الحقيقي لا يبدأ بتقنين الاستغلال وتنظيم أوراقه الرسمية، بل يبدأ بامتلاك الجرأة على الإطاحة بالشروط المادية التي تجبر إنساناً على بيع لحمه في سوق نخاسة لا يعرف سوى لغة الأرباح.