عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

نجلاء عبد الجواد

كرة القدم بين سطوة السوق.. وضياع العدالة الرياضية

2026.07.11

كرة القدم بين سطوة السوق.. وضياع العدالة الرياضية

 

حين تحتفل الجماهير العربية والأفريقية بعد أي انتصار على قوة كروية كبرى، فإنَّ فرحتها لا تخلو غالبًا من قلق كامن في الصدر؛ لأنَّ التجربة علَّمتها أنَّ الفوز في الملعب شيء، والفوز في غرف صناعة القرار شيء آخر تمامًا. تدرك هذه الجماهير أنَّ هناك دائمًا مَن يقف خلف الستار جاهزًا لـ«تصحيح المسار» متى ما خرج عن الخط الذي رسمته المصالح التجارية الكبرى.

فكرة القدم اليوم لم تعد لعبة الشعوب البسيطة التي كانت يومًا مجرد كرة وملعب وحلم، بل تحوَّلت إلى صناعة تدر مليارات الدولارات سنويًّا عبر حقوق البث والرعاية والإعلانات. هذا التَّحوُّل الرأسمالي الجارف هو ما جعل قرارات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) رهينةً لحسابات السوق، أكثر من كونها محكومة بمبدأ العدالة الرياضية الذي تتغنى به اللوائح على الورق، بينما يغيب عن أرض الواقع في اللحظات الحاسمة.

 

فساد بنيوي.. من هافيلانج إلى بلاتيني

لعل أكبر دليل تاريخي على هذا الفساد البنيوي هو ما كشفته فضيحة «فيفا» الشهيرة عام 2015، حين اعتقلت السلطات السويسرية والأمريكية عددًا من كبار مسؤولي الاتحاد بتهم رشوة وغسل أموال مرتبطة مباشرة بحقوق البث والتسويق وتنظيم البطولات. أظهرت التحقيقات آنذاك أنَّ قرارات مصيرية - كاختيار الدول المضيفة لكأس العالم - كانت تخضع لصفقات مالية خفية بين مسؤولين، ورعاة، وشركات وسيطة.

هذه القضية لم تكن سوى حلقة في سلسلة طويلة من الفضائح التي رافقت الاتحاد منذ عقود. فقبل ذلك بسنوات طويلة، تفجَّرت فضيحة وكالة «ISL» للتسويق الرياضي، والتي كشفت عن رشى بلغت نحو 92 مليون يورو دُفعت خلال تسعينات القرن الماضي لمسؤولين كبار في «فيفا»، من بينهم الرئيس الأسبق جواو هافيلانج، وصهره ريكاردو تيكسيرا، مقابل الحصول على حقوق تسويق كأس العالم. ظلت هذه القضية طي الكتمان لسنوات طويلة قبل أنْ تتكشف تفاصيلها، لتؤكد أنَّ الفساد لم يكن استثناءً عابرًا، بل كان جزءًا من بنية الاتحاد نفسه على مدى أجيال متعاقبة من قياداته.

ثم جاءت فضيحة إسناد استضافة كأس العالم لعامَي 2018 و2022 إلى روسيا وقطر في اليوم نفسه من ديسمبر 2010، وسط اتهامات مباشرة بشراء أصوات أعضاء اللجنة التنفيذية. وقد اعترف الفرنسي ميشيل بلاتيني لاحقًا بحضوره غداءً سريًّا في قصر الإليزيه جمعه بالرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي ومسؤولين قطريِّين رفيعي المستوى، قبل أيام معدودة من التصويت الذي منح قطر شرف التنظيم.

كما كشفت وثائق صحفية عن عقد سري وقَّعته قناة «الجزيرة» القطرية مع «فيفا» بمبلغ 100 مليون دولار قُبيل التصويت مباشرة، وهو ما دفع القضاء الفرنسي لفتح تحقيق رسمي وصل إلى حدِّ توقيف بلاتيني نفسه للاستجواب بعد سنوات. وفي خضم هذه العاصفة، انكشف أيضًا أنَّ الرئيس الأسبق جوزيف بلاتر كان قد صرف لبلاتيني مبلغ مليونَي فرنك سويسري بصورة مثيرة للريب؛ وهو ما أدى إلى إيقاف الرجلين معًا لمدة ثماني سنوات عن أي نشاط كروي، واستقالة بلاتيني من رئاسة الاتحاد الأوروبي.

وقبل كل هذه الحقبة الحديثة، كان الحديث يدور منذ سنوات طويلة حول نهائيات كأس العالم 1978 التي استضافتها الأرجنتين في ظلِّ حكم عسكري دموي. حينها، احتاج المنتخب المضيف إلى فوز عريض بستة أهداف نظيفة على بيرو في مباراة حاسمة لضمان تأهله إلى النهائي على حساب البرازيل. وهي النتيجة التي رافقتها منذ ذلك الحين شبهات تلاعب لم تُحسَم حتى اليوم، لكنها ظلت وصمة عار في ذاكرة كرة القدم، تُستدعى كلما استضاف نظام سياسي أو مصلحة اقتصادية كبرى بطولةً وأرادها أنْ تنتهي بالشكل الذي يخدمه. هذا التاريخ أسقط إلى الأبد فرضية أنَّ «اللعبة الجميلة» تُدار بمنطق رياضي بحت؛ فالمال كان وما زال العنصر الخفي الذي يحرِّك الخيوط خلف كل قرار كبير، وكل تعيين تحكيمي، وكل قرعة تحدِّد مصير المنتخبات.

 

أساليب التوجيه: من التحكيم إلى صياغة اللوائح

تتعدَّد أساليب توجيه مصير الفرق داخل هذه الصناعة الضخمة؛ فمنها ما يظهر في شبهات التلاعب التحكيمي عبر أخطاء تقديرية غير مُبرَّرة في اللحظات الحاسمة، كإلغاء أهداف مستحقة، أو عدم احتساب ركلات جزاء واضحة، أو تجاهل مراجعة لقطات مثيرة للجدل بتقنية الفيديو. يحدث هذا رغم أنَّ الفلسفة المعلنة للتقنية هي القضاء على الأخطاء الفادحة، لا إضافة طبقة جديدة من الغموض والشك.

ومنها أيضًا ما يتعلق بتوجيه القرعة؛ بحيث تتجنَّب الفرق الكبرى مواجهة بعضها في الأدوار المُبكِّرة حفاظًا على قيمتها التسويقية أمام الرعاة وشركات البث. وصولًا إلى صياغة لوائح تنظيمية مُعقَّدة تسمح أحيانًا بتأهل منتخبات بعينها، أو تفتح مسارات مُحدَّدة في دور المجموعات تخدم في النهاية استمرار الفرق الجماهيرية الأكثر جذبًا للمعلنين وللمشاهدين حول العالم.

 

مونديال أمريكا الشمالية.. تناقضات مكثفة

قدَّمت بطولة كأس العالم الحالية المُقامة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا هذا العام، نموذجًا حيًّا ومكثفًا لكل هذه الإشكاليات في أقل من أسبوعين فقط.

فمباراة مصر والأرجنتين في دور الـ16، التي انتهت بفوز الأرجنتين حاملة اللقب (3 - 2)، تحوَّلت إلى واحدة من أكثر المباريات إثارةً للجدل في تاريخ البطولة الحديث.

تقدَّم الفريق المصري بهدفين نظيفين، قبل أنْ يُلغي الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسيير هدفًا ثالثًا سجَّله مصطفى زيكو بداعي مخالفة بسيطة جدًّا على مروان عطية. بينما مرَّت بعد ذلك بدقائق مخالفة أوضح وأقسى ارتكبها ليساندرو مارتينيز ضد محمد صلاح داخل منطقة الجزاء الأرجنتينية دون أنْ تتم مراجعتها أو الإشارة إليها، ثم جاء الهدف الثالث للأرجنتين عبر إنزو فرنانديز وسط مطالبات مصرية بركلة جزاء لم يلتفت إليها الحكم أو غرفة الفيديو.

هذا التناقض الصارخ في تطبيق المعيار ذاته على الملعب نفسه وفي المباراة ذاتها، هو ما دفع أسماء كبيرة في عالم الكرة - مثل جوزيه مورينيو، وبول سكولز، وريو فرديناند، وزلاتان إبراهيموفيتش - إلى وصف ما حدث بأنَّه «سرقة مبيتة في وضح النهار» وليس مجرد خطأ بشري عابر. فحين يكون الفريق المتضرر من أفريقيا أو العالم العربي، بينما يكون المستفيد هو بطل العالم ونجم يُدعى ليونيل ميسي، تتوجَّه الشكوك تلقائيًّا نحو الحسابات التسويقية للبطولة، إذ يعرف الجميع أنَّ اسم ميسي وحده يساوي ملايين المشاهدين الإضافيِّين.

وقبل مواجهة مصر بأيام قليلة، مرَّت الأرجنتين نفسها بامتحان صعب أمام منتخب الرأس الأخضر المشارِك للمرة الأولى في تاريخه. ورغم الأداء المتعثر، لم يحسم حامل اللقب المباراة إلا بهدف عكسي قاتل في الدقيقة 111. وهو ما دفع كثيرين للتساؤل عن مدى الحماس الحقيقي لدى القائمين على البطولة لرؤية مفاجأة أفريقية تطيح بأشهر لاعب في تاريخ اللعبة من الدور الأول، بينما تنجو منتخبات كبرى بأعجوبة من مآزق مماثلة أمام فرق أصغر، وكأنَّ هناك «يدًا خفية» تحرص على إبقاء النجوم الكبار في دائرة الضوء.

وفي الجانب الأوروبي، لم يكن الوضع أفضل حالًا. حين واجهت كرواتيا منتخب البرتغال في دور الـ32 وخسرت بهدفين مقابل هدف، ألغى حكم الفيديو هدف التعادل الكرواتي في الوقت بدل الضائع بحجة تسلل مشكوك فيه. استند القرار إلى تقنية «الكرة المتصلة» التي اعتبرت أنَّ المهاجم لمس الكرة قبل المدافع، رغم أنَّ اللقطة أظهرت ارتطامًا واضحًا برأس المدافع البرتغالي.

صرح مدرب كرواتيا بعدم وجود دليل يثبت صحة قرار الحكم، وأرسل الاتحاد الكرواتي خطابًا شديد اللهجة لـ«فيفا»، ملوحًا بشكوى رسمية بتهمة سوء استخدام التكنولوجيا.

إقصاء كرواتيا فتح الطريق أمام صاحب الجماهيرية الأوسع، كريستيانو رونالدو، ليواصل مشواره في بطولة يتوقع الجميع أنْ تكون الأخيرة له؛ مما يمثل قيمةً تسويقيةً هائلةً يصعب التفريط فيها.

 

السياسة تتدخل علنًا: ترامب يلغي بطاقة حمراء!

لكن الواقعة الأكثر فضحًا لحقيقة العلاقة بين السياسة والمال والرياضة كانت بلا منازع قضية اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون. طُرد اللاعب ببطاقة حمراء مباشرة أمام البوسنة والهرسك بعد تدخل عنيف، مما كان يعني غيابه التلقائي عن مواجهة بلجيكا في دور الـ16.

لكن قبل المباراة بساعات، أصدرت لجنة الانضباط قرارًا مفاجئًا بتعليق العقوبة.

كشفت تقارير صحفية موثوقة أنَّ هذا القرار جاء عقب اتصال مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالبيت الأبيض بجياني إنفانتينو، رئيس «فيفا»، يطالبه بمراجعة البطاقة الحمراء. ولم ينفِ ترامب الأمر، بل صرَّح علنًا بأنَّه تدخَّل لتصحيح «ظلم» لحق بلاعبه، وشكر «فيفا» عبر حساباته الشخصية.

هذا التدخل السياسي الفج دفع الاتحاد الأوروبي (يويفا) والاتحاد الألماني لإصدار بيانات غاضبة تصف ما جرى بأنه «تجاوز لخط أحمر»، مؤكدَين أنَّ اللوائح لا تحتمل التأويل. بينما اكتفى إنفانتينو ببيان باهت يتحدَّث عن «استقلالية الهيئات القضائية»، وهو تبرير يصعب تصديقه أمام واقعة غير مسبوقة تُلغَى فيها بطاقة حمراء بمجرد مكالمة هاتفية من رئيس دولة مستضيفة تمتلك نفوذًا ماليًّا وإعلاميًّا هائلًا.

لقد كشفت الواقعة أنَّ القرار الرياضي، حين يصطدم بمصلحة سياسية أو تجارية كبرى، يصبح القانون نفسه قابلًا للتفاوض.

 

نهاية وهم «العدالة الرياضية»

ما يجمع بين هذه الوقائع الأربع هو نمط متكرِّر يصعب تبريره بـ«الصدفة». فالفرق أو اللاعبون الذين يُمثِّلون قيمةً تسويقيةً أو سياسيةً أكبر يحصلون في اللحظات الحرجة على معاملة استثنائية. وحين تتكرَّر هذه الأنماط بشكل متقارب في بطولة واحدة، يصبح الحديث عن «الكيل بمكيالين» واقعًا مُوثَّقًا بالصوت والصورة والتصريحات الرسمية، وليس مجرد تنفيس جماهيري غاضب.

وبطبيعة الحال، يرفض مسؤولو «فيفا» اتهامات التَّحيُّز، متذرعين بأنَّ التحكيم يخضع لتقدير بشري قابل للخطأ، وأنَّ بعض القرارات كانت مبنيةً على قراءة فنية صحيحة للقانون وإن بدت قاسية. لكن حجم التناقضات، وارتباطها الدائم بمصالح الأطراف الأقوى ماليًّا وإعلاميًّا، يجعل هذه التبريرات عاجزةً عن إقناع جماهير باتت تدرك أنَّ كرة القدم توقَّفت عن كونها لعبة يحكمها القانون، لتصبح انعكاسًا لموازين القوى في العالم.

وهذا يفسر، ببساطة، لماذا يشعر الملايين في أفريقيا والعالم العربي بأنَّ انتصاراتهم الحقيقية على عشب الملعب، ستظلُّ دومًا مُهدَّدةً بقرار يصدر من مكتب بعيد، لا علاقة له بالكرة إطلاقًا.