عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

كارولين كامل

الإناث تقتل الذكور بعد الجنس.. عندما تحمي الطبيعة نفسها

2026.05.09

الإناث تقتل الذكور بعد الجنس.. عندما تحمي الطبيعة نفسها

 

شهر مايو هو موسم انطلاق حشرات الـ«Love Bugs»، وهي نوع من الذباب الصغير، ويعيش في المنطقة المحيطة بخليج المكسيك، خاصة في ولاية فلوريدا وأجزاء من أمريكا الوسطى، والاسم الرومانسي الذي يُترَجم إلى «حشرة الحب» ليس اسمها العلمي، إنما هو تسمية أطلقها العلماء لأنَّها تقضى أطول فترة من حياتها كحشرة بالغة تمارس الجنس، أو هكذا تَصوَّر العلماء في البداية.

هذه الحشرة مفيدة للأرض الزراعية؛ لأنَّها تتغذَّى على النباتات الميتة بالفعل وتُعيد تسميد التربة.

 تعيش دورة حياتها على مرحلتين، الأولى وهي الأطول لمدة تسعة أشهر تعيشها يرقة، ثم دودة أسفل التربة، ثم تخرج في الربيع تطير وتبلغ في عدة أيام.

فور البلوغ وبشكل غريزي يلتصق الذكر بالأنثى في وضعية ممارسة الجنس، يحتاج إلى ساعة متصلة من التخصيب، وعندما تتأكد الأنثى من إتمام العملية، تقبض على الذكر وتطير به مدة 55 ساعة حتى يلفظ أنفاسه، وما إن تضع الأنثى البالغة البيض في التربة حتى تلفظ هي الأخرى أنفاسها الأخيرة بعد وقت قصير.

من خلال سلسلة مقالات نشرت الأول منها بعنوان «لا مؤاخذة.. الأسرة المصرية» ، أحاول فيها مناقشة الواقع الكريه الذي وصل إليه مجتمعنا، خاصة فيما يتعلق بديناميكية العلاقات بين الرجال والنساء، استقواء فصيل بعينه مدعومًا بسلطته وترأسه للمنظومة بأكملها، فهو الرجل والحاكم والمُشرِّع والمُفسِّر والمخول له تطبيق القانون من عدمه وفقًا للأهواء.

الفصيل الثاني، هن النساء، للأسف ضحية لتواطؤ بنات جنسهن مع هذه المنظومة الذكورية، لأنَّهن يُشكِّلن الراعي الأول للفاسدين من الذكور، بداية من الأم التي تميِّز بين أطفالها بناءً على النوع الجندري، ويكبر هذا الذكر منتظرًا من النساء كافة أنْ يكن أمهات بديلات، يقبلن نزواته بصدر رحب، بل ويطيِّبن خاطره كطفل لا نية لديه للفطام لأنَّ أمه بالذات بدورها لا ترغب في التخلي عن هذا الطفل لامرأة أخرى، أي الزوجة التي تراها الأم - غير السوية للأسف - غريمتها ومنافستها.

أنوي أنْ يكون هذا المقال، عن دور الأنثى في الإنجاب بالذات، ثم الرعاية والتنشئة، خاصة في ظلِّ غياب وعي عام عن اختلاف الأدوار البيولوجية بين الذكر والأنثى في تكوين الإنسان جسديًّا ولاحقًا معنويًّا، حيث اختُزل دور الإناث في كونهن أوعيةً، وتم إعلاء دور الذكر، تحت مسميات القوامة وغيرها من الأدوار الاجتماعية التي لا تؤثر في حقيقة الدور البيولوجي.

قررَّتْ أنْ أتطرق إلى درس الأحياء الذي لم تتضمَّنه المناهج الدراسية، وهو فعل التكاثر عند الإنسان، ولكن مراعاة لحياء «الأسرة المصرية» لجأت إلى عدسة تستهدف ممارسة الجنس بيولوجيًّا لدى الكائنات الحية بشكل عام، وتسليط الدور على الفرق الجوهري بين ما يلعبه الذكر من دور شهم وبطولي في استمرار الكائنات الحية، يصل إلى حد الموت الطوعي بعد إتمام تلقيح الأنثى، وبين ما تبذله الإناث بفطرتهن للدفاع عن صغارها إلى حد قتل الذكور.

 

توريث العنف!

قضى العلماء عقودًا يختبرون فيها تعامل الحيوانات مع محيطها، واكتشفوا أنَّ غالبية الحيوانات عندما تقف أمام المرآة لا تُدرك أنَّها تنظر إلى انعكاسها، وأوضحوا أنَّ القدرة على تَبيُّن الذات تُمثِّل ميزةً فارقةً تفصل بين عالمين من الحيوانات، عالم قليل العدد والأنواع من الحيوانات التي تُدرك ذواتها، وعالم آخر كثير من الأنواع والأعداد التي لا تعرف ذواتها.

يقول الدكتور مدحت مريد صادق في كتابه «كواليس الحب»: «الحيوان الذي يُدرك ذاته يكون مؤهلًا للتعامل مع أذهان وعقول، وليس فقط مع سلوكيات ظاهرة»، موضحًا أنَّ الإنسان حتى عمر الثالثة لا يختلف عن الحيوانات عندما يتطلع إلى ذاته في المرآة، ويتشكَّل الوعي والإدراك وهو ما يجعل أقدم ذكرى في عقل الإنسان مرتبطة بعمر الثالثة وليس قبلها.

هنا الغرض من الطرح الذي اعتمدت عليه، هذا الوعي والإدراك لدى الإنسان ليس فقط بيولوجيًّا، بل إنَّ تنمية القدرات العقلية مرتبطة بالتنشئة، أي إنَّه ببساطة رجال اليوم سواء كانوا صالحين أم قتلة هم أطفال الأمس، أين كانت الأمهات من فساد النبتة، حتى تستنكر أمهات المجرمين قائلات: «ابني مش ممكن يعمل كده».

تحت عنوان «إساءة معاملة الأطفال» توضح «منظمة الصحة العالمية» أنَّ إساءة معاملة الأطفال تحدث عادة في الخفاء، ولا يحصل سوى القليل من الضحايا على الدعم، ما ينتج عنه بنسبة كبيرة أنَّ الطفل الذي يتعرَّض للإساءة سيمارِس الإساءة ذاتها أو في شكل مختلف ضد غيره عندما يكبر، حيث ينتقل العنف من جيل إلى جيل.

تُشير المنظمة إلى أنَّ أهم الدوافع التي ينتج عنها العنف ضد الأطفال هو تفكك الأسرة، ونشوب العنف بين أفرادها، أي إنَّ هؤلاء الأطفال ببساطة نشأوا في منزل يُبيح العنف ويُطبِّع مع ممارسته دون رادع، يرى فيه الأطفال، ذكورًا وإناثًا، أمهاتهم يُضرَبن أو يعنفن لفظيًّا، ويصل العنف ليطال الأطفال ذاتهم، وتستمر تلك المنظومة المعروفة بـ«الأسرة» في الحياة في هذا الحيز العنيف.

استكمالًا لتحليلها لممارسات العنف ضد الأطفال وخطورتها على مستقبل المجتمعات، يأتي ارتفاع مستويات البطالة والفقر، وتدهور السياسات الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتعليمية، وغياب شبكات الدعم الواجب على الدول والأنظمة توفيرها لأفرادها وحمايتهم على قمة إخفاقات الأنظمة والحكومات مما يؤدي إلى هذا التدهور ونشوب العنف بين أفراده.

جدير بالذكر أنَّ قطاعَي الصحة والتعليم في مصر لا ينالان حصتيهما من الدعم، وفقًا لـ الموازنة العامة لعام ٢٠٢٦/ ٢٠٢٧ ، حيث جاءت نسبة التعليم من الموازنة العامة ١.٧% بينما ينصُّ «الدستور المصري» على أنْ تكون النسبة ٦%، وحصلت الصحة على نسبة ١.٥% من الموازنة العامة بينما ينصُّ الدستور على أنْ تكون نسبتها ٣%.

عودة أخيرة إلى «الصحة العالمية» فإنَّ تفشي العنف في مجتمعات بذاتها، يستند بقوة إلى قواعد اجتماعية وثقافية تشجّعه وتحتفي به، بل وتمجِّد ممارسته ضدّ الغير، وتدعم هذه المجتمعات أيضًا اللجوء إلى العقوبة البدنية ولكنها ضمن أدوار تفرضها على كلا الجنسين، أي إباحة ممارسة العنف لفصيل بذاته أي الذكر/ الرجل، على حساب الأنثى/ النساء.

نعود مرة أخرى إلى عالم الحيوان، ونرى أنَّ الحيوان المُدرك لذاته يحسُّ بمشاعر الآخرين، لأنَّه يقيس هذه المشاعر اعتمادًا على خبرته الذاتية، فيشعر بألم أقرانه مثلًا لأنَّه قد خبر الألم من قبل، وهو ما يُسمى «التقمص العاطفي»، وانعدام هذه الميزة لدى الحيوانات، أي عدم إدراكهم لألم أقرانهم ليس لتحجُّر مشاعرهم، بل لأنَّهم من الناحية العلمية لا يُدركون ذواتهم، مهما بدا عليهم من ذكاء، ولا يعون وجوده، كما يقول الدكتور مدحت مريد صادق.

 

أين الأم!

لا مجال هنا للوم الضحية، ولكن السؤال الذي لا مفرَّ منه، أين كانت الأمهات من هذه الأجيال من الذكور العنيفة والإناث الراضخات بلا نقاش، حيث إنَّ المنزل هو المسكن الأول والتربة الخصبة التي ينهل منها الإنسان مفاهيمه وسلوكياته، وإما أن تحميه هذه البيئة إن كانت آمنة من تشوهات المجتمع، أو فاسدة تضخِّم لديه الميل للانحراف، أسوة بالمحيط الخارجي الفاسد.

الزوجات والأمهات ضحايا العنف المنزلي، هل أورثن الذكور من أولادهن هذه الممارسة كحقٍّ مشروعٍ لهم في إطار ملكيتهم للإناث من الشقيقات وغيرهن، أم همست الأم لأطفالها بعيدًا عن مسامع زوجها العنيف، أنَّ ما يمارسه والدهم غير مقبول ولكن لا حيلة لمقاومته، موضحة لهم أنَّ استمرارها في هذا الهوان لأن لا حيلة لها، ولكنها ترفضه جملة وتفصيلًا، وتحثهم على ألا يعتمدوا سلوكيات والدهم العنيفة في حياتهم إن كانوا ذكورًا، وألا يسمحن أن يكنَّ ضحايا مثلها إن كنَّ إناثًا.

عندما طال عنف الآباء أبدان الأبناء، أين كانت الأم حينها، هل حالت دون تكراره، أم عندما علق الأب ابنه وانهال عليه بالحزام الجلدي وصوره الجيران واستنجدوا بالشرطة دافعت الزوجة عن زوجها بأنه «بيربي العيل الشقي»، هذا السلوك ذاته من الأم هو ضد الطبيعة ذاتها.

عودة إلى السلوك الفطري لدى الطبيعة، حيث يلعب الذكر والأنثى أدوارًا محددة بهدف استمرار النوع، وهذه الأدوار تُحتِّم على فصائل بذاتها أنْ يموت الذكر وهو يسعى للحاق بالأنثى ولدينا في مملكة النحل نموذج، بينما تسمم ذكور «ذبابة الفاكهة» الإناث في حالة دفاع استباقي بعد ممارسة الجنس، وإن لم تمت الأنثى فورًا فإنَّها تموت بعد وضع البيض، ونموذج «حشرات الحب» وغيرها تهدف دراسة سلوكها إلى معلومة بذاتها وهي:

الإناث لا تضع فقط البيض، بل تقتل الذكر الذي يُهدِّد وجودُه استمرار هذا النوع، فالطبيعة تهدف إلى الاستمرار، ولكن الذكر لا يعي هذا الدور، وقد يسعى إلى مهاجمة الصغار أو استمرار رغبته الجنسية التي تحول دون أنْ ترعى الإناث الأمهات الأجيال الجديدة التي تنتظر منها أنْ تكون سلالة أفضل مما سبقتها، هكذا تعمل الطبيعة وقانون الفرز للأصلح.

الاستدلال بالطبيعة والتكاثر في عالم الحشرات بالذات - وإن كان عالم الحيوان والطيور لا يخلو من ممارسات مشابهة تلجأ فيه الإناث إلى حماية الصغار بقتل الذكور- ليست دعوة أو تشجيع إناث البشر على قتل الذكور عقب ممارسة الجنس «لا سمح الله»، ولكن ربما من خلال مطالعة سلوك الكائنات الأخرى وفطرتها بأهمية الأنثى حتى ولو فقط لاستمرار النوع، نُدرك مدى تأخرنا إدراكيًّا وتماهينا مع كل ما هو ضد الطبيعة متمثلًا في العنف تجاه النساء في مصر.

في هذه المنظومة من العنف وتبريره، تَشبَّع الذكور بالألم وقرَّروا إعادة تدويره وممارسته، بينما نجح البعض منهم بالطبع في الانسلاخ من هذا الموروث ولفظه وعدم تكراره مع أبنائهم.

الأنثى/ المرأة ضحية اليوم، تحمل إرث امرأة أخرى لم تقاوم العنف تجاه نفسها أو أطفالها لأسباب يعلم الجميع أنَّ غالبيتها للأسف لا سبيل لردعها، ولكنها على الأقل لم تمارس دور تربويًّا أساسيًّا في الحد من انتقال هذا العنف إلى أجيال أخرى.

هؤلاء المجرمون من رجال اليوم، من محترفي الجريمة على مستويات مختلفة، منهم قتلة لزوجاتهم وأطفالهم، وآخرون يغتصبون المحارم من نسائهم حتى وإن كانت مجرد طفلة في الثالثة، وآخرون يغتصبون أطفال الغير، وغيرها من ممارسات العنف تلك، يهب مجتمعنا مدافعًا عن شرفه، عوض مناقشة الأسباب والعوامل التي أدت بنا إلى هذه المحطة، نلقي باللوم فقط على كل ما هو خارج المنزل، في ظل عشق نظريات المؤامرة التي تستهدف بلدنا الطيب المحافظ المتدين.

لم يعد مقبولًا ربط هذه الجرائم بالاستيراد من الخارج، وأيضًا لا داعي لاستحضار كيف يتعامل الخارج تجاه هذه النوعية من الجرائم أو بالأساس مع العنف بشكل عام، لأنَّ المقارنة ليست في صالح مجتمعنا على الإطلاق على أي مستوى.

نحن الآن وفي ظلِّ النقاشات بخصوص تغيير قوانين الأحوال الشخصية، عالقون في نقاش هستيري طرفاه سؤالان، هل صورة الأسرة كوحدة تأتي أولًا - أيًّا كانت هذه الأسرة ممزقة الأوصال - من خلال تقليص فرص نجاة النساء/ الزوجات والأطفال من منزل عنيف؟

أم أنَّ حقوق الفرد الإنسان خاصة وحماية حقه في الحياة أولى؟

عندما يتحدَّث المُشرِّع ورجل القانون بلسان الدين نيابة عن الذات الإلهية، وعلى الجميع أنَّ ينصاع.. وللحديث بقية.