عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

محمد نبيل

من خامنئي إلى خامنئي: تَحوُّلات النخبة داخل النظام الإيراني الجزء الثاني

2026.05.23

من خامنئي إلى خامنئي: تَحوُّلات النخبة داخل النظام الإيراني

الجزء الثاني

 

الدفاع المقدس: جذور الاستراتيجية الإيرانية

في عام 1986 اجتمع أحد الضّباط رفيعي المستوى المعنيين بالشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مع ويليام كيسي، المحامي ورئيس هيئة الأوراق المالية الأسبق، والذي كان يشغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك.

دار الحديث حول الاستراتيجية الأمريكية الواجب اتباعها بعد طرد الاتحاد السوفييتي من أفغانستان، لكن كيسي فاجأ ضيفه قائلًا: «لن نفعل شيئًا! فبمجرد أنْ نطرد الروس نكون قد انتهينا».[1]

كان كيسي وكبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية لا يرون في إيران تهديدًا جوهريًّا، إذا ما قورنت بالاتحاد السوفييتي بطبيعة الحال. وحتى بعد أزمة الرهائن والخطاب المعادي الذي تبنَّته الثورة الإيرانية ضد الولايات المتحدة، كانت هناك أصوات داخل الإدارة الأمريكية - من بينها كيسي - ترى أنَّ إيران يمكن استيعابها واحتواؤها، ما دامت لا تُكنّ ودًّا كبيرًا للسوفييت نظرًا للخلاف الآيديولوجي الحاد بينهما.

كان القلّق الوحيد من ناحية إيران؛ هو أنْ تتعرَّض للغزو السوفيتي. لقد كان مخيّال الحرب الباردة مسيطرًا على تفكير كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية خلال تلك السنوات؛ إذ كانت جميع القضايا تُقرَأ من خلال ذلك المنظور. وضمن هذه الرؤية كان الاتحاد السوفييتي يُعَدُّ التهديد الأساسي، فيما كانت أوروبا الشرقية الساحة الرئيسية لذلك التهديد. لكن تلك النظرة سرعان ما ستتغيَّر عندما تبرز الجمهورية الإسلامية خصمًا أساسيًّا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.[2]

لم تكن الكراهية التي يكنها قادة الثورة، لأمريكا والسعي للتخلص من تأثيرها، لأسباب ثأرية نتيجة دعمها للشاه؛ بل كان في مخيلتهم أحداث عام 1953 وما تستطيع أمريكا فعله، كانت الرؤية المشتركة لدى معارضي الشاه، تقوم على فكرة مفادُها أنَّ الشاه ما كان ليحكم لولا الانقلاب الذي دبرته الولايات المتحدة، لذا فإنَّ إسقاط الشاه لهوَ تحدٍّ لإرادة أمريكا. ستلعب تلك الفكرة - العداء لأمريكا - دورًا محوريًّا في تشكيل هوية إيران بعد الثورة، حيث ستمثّل تلك الاستقلالية السمة المركزية للثورة حتى بعد تآكل قيّمها الأخرى؛ سيظَل النظام السياسي مهجوسًا بتجارب التدخل الخارجي خلال القرنَين الأخيرَين، فخِلال القرن التاسع عشر فقدّت إيران 10% من مساحتها خلال حروبها مع الإمبراطورية الروسية، وبعد ذلك بقرن ونيف نصّب رضا بهلوي نفسه شاهًا بمساعدة البريطانيين، قبل أنْ يُعزَل على أيدي الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية، وفي الماضي القريب قبل الثورة ساعد الإنجليز وحلفاؤهم الأمريكيين في إسقاط حكومة مصدق، وتثبيت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، الشاه الأخير. لذا حينما سأل أحد الصحفيين بعد انتصار الثورة في إيران، قائدها روح الله الخميني: ما الفائدة التي عادت بها الثورة؟، كان رده: الآن أصبحت جميع القرارات تُتخذ في طهران.[3]

 

لكن السؤال يبقى: عن مَن تستقل إيران؟ ولماذا تستقل؟ والأهم كيف تُحقِّق ذلك الاستقلال وتحافظ عليه؟

 

تبدو الإجابة عن السؤالين الأولين يسيرةً، مقارنةً بمحاولة الإجابة عن السؤال الأخير، فقد وضَّحت مجريات أحداث الثورة وما تلاها وبعد انزياح الخطر السوفييتي، مَن هو الخصم الأساسي لإيران، ولماذا يجب أنْ تستقل عنه؛ وفق رؤية قادتها والمشاركين فيها.

وبدايةً من أزمة الرهائن مرورًا بحرب العراق، وحرب تموز/ يوليو في لبنان، وصولًا إلى الحرب الحالية؛ كانت الولايات المتحدة وإسرائيل هما العدو الرئيسي لإيران.

 

بالعودة إلى السؤال الثالث؛ يتعلق الأمر هنا بالاستراتيجية: إذا كنّا سنواجه أمريكا وإسرائيل وحلفاءهما كيف سنواجههم؟ كيف سنعرّف هذا الاستقلال لكي نبني أهدافنا الاستراتيجية عليه؟ ومَن المسؤول عن صياغة هذه الاستراتيجية؟. كان القادة الجُدد بعد الثورة مسكونين بتلك الأسئلة.

بالنسبة للخميني كان الأمر واضحًا التخلص من إرث الشاه الذي جعل إيران خاضعة للغربوإذا أردنا الاستقلال الحقيقي، يجب علينا إنهاء جميع مظاهر التأثير الأميركي، الاقتصادية، العسكرية، السياسية، أو الثقافية».[4]كانت الفكرة جليّةً في ذهن الخميني؛ لكنها ظلّت فكرةً فحسب، رغم الزخم الكبير حولها؛ أمّا مَن وضعها موضع التنفيذ، وصاغ حولها استراتيجية، فهو خليفة الخميني.

 

كان العامل الثاني الذي أسهم في تشكيل استراتيجية إيران بعد الثورة هو الحرب العراقية - الإيرانية. ففي مواجهة غزو شامل شنّته قوة متفوقة عسكريًّا، اختبرت الثورة للمرة الأولى تماسكها الآيديولوجي في وجه عدو خارجي. شعر الإيرانيون خلال سنوات الحرب بأنَّهم تُركوا لوحدهم في مواجهة كل القوى المعادية للثورة: العراق، الولايات المتحدة، وإسرائيل وغيرها. واستخلص قادة الثورة من هذه الحرب درسًا مفاده أنَّ الثورة ينبغي أنَّ تظل وفيةً لآيديولوجيتها، حتى تستطيع تعبئة جماهيرها للقتال أو ما سميَّ آنذاك «الدفاع المقدّس».

وكما يشير ولي نصر، فإنَّ علاقةً تكافلية قامت بين الأمن القومي والآيديولوجيا الدينية، ارتكزت على التحالف بين الجناح المُتشدِّد من الثوار و«الحرس الثوري»، بقيادة خامنئي، الذي شغل منصب رئيس الجمهورية خلال سنوات الحرب.

وللمفارقة أيضًا، أثبتت الحرب صحة وجهة نظر الخميني الرافضة لدعوات اليسار، في الأعوام الأولى للثورة، إلى حلِّ الجيش. لكنها، في الوقت نفسه، كشفت القصور العملياتي وضعف الكفاءة في صفوفه، وهو ما عضَّد موقف الجناح المُتشدِّد، المدعوم من الخميني نفسه، والداعي إلى منح «الحرس الثوري» دورًا أكبر في عملية حماية الأمن القومي للجمهورية الإسلامية. فضلًا عن ذلك ومع تقدُّم الحرب وتغيُّر مجرياتها؛ ترسَّخ في وعي قادة «الحرس الثوري» أنَّ الدفاع عن إيران يبدأ من خارج حدودها، عن طريق مزج الآيديولوجية الدينية بتكتيكات الحرب غير النظامية، وهو أمر سيخلف أثرًا هائلًا على استراتيجية الأمن القومي الإيراني فيما بعد.[5]

 

مثّل العراق درسًا مزدوجًا لإيران؛ فكما وُلدت استراتيجية «الدفاع المقدّس» من رحم الحرب العراقية - الإيرانية، أسهم الغزو الأمريكي للعراق في الانتقال إلى المرحلة التالية: «الدفاع المتقدّم».

وكما يبيِّن ولي نصر الفرق بين الاستراتيجيَّتين، فإنَّ الأولى مثّلت الاستراتيجية بالمعنى الواسع، وتمحورت حول إعادة تنظيم الدولة والمجتمع لخدمة أهداف الأمن القومي.

أمّا الثانية، أي «الدفاع المتقدّم»، فكانت الاستراتيجية في شقّها العسكري - العملياتي، وقامت على مبدأ الردع العسكري، من خلال ملء الفراغ الناجم عن انهيار الدول والجيوش، والتمدُّد عسكريًّا إلى ما وراء الحدود.

 

صعود مجتبى ورفاقه

 

تتميَّز الشبكة المحيطة بمُجتبى عن تلك التي تَشكَّلت حول والده، نتيجةً للتَّحوُّلات التي طرأت على بنية النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية خلال العقدين الأخيرين. فبينما شكَّل قادة سابقون في «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، مثل علي جعفري ومحمد حجازي ورحيم صفوي، عناصر فاعلة ضمن الدائرة المحيطة بالمرشد الأعلى علي خامنئي، برزت أيضًا شخصيات أخرى أسهمت في تعزيز سلطته، كالإخوة لاريجاني، ورجال الدين المتشدِّدين في قم، المؤيدين لنظرية ولاية الفقيه المطلقة، مثل آية الله أحمد جنتي وآية الله مصباح يزدي. وقد مثَّل هؤلاء واجهة الدائرة القريبة من خامنئي والداعمة لخطّه السياسي، في حين شَكَّل قادة ورجال دين آخرون، أصغر سنًّا وأدنى مرتبة، مرتبطون بمُجتبى، القاعدة الاجتماعية والسياسية لهذه الشبكة.

 

ولكن قبل أنْ ندرس الشبكة القريبة من مجتبى علينا أنْ نبرز الاختلافات التي تميز أفرادها عن الجيل السابق:

 

●    أولًا: تَشكَّلت هذه الشبكة خلال العقد الأول من القرن العشرين كرد فعل على فشل الإصلاحيين، إذ رأى عدد من أفراد الجيلين الثاني والثالث من الثورة ممن شغلوا مناصب قيادية داخل «الحرس الثوري» ومؤسسات الدولة، أنَّ الخطاب الإصلاحي قد حاد عن المبادئ الأساسية للثورة وعن خط الإمام الخميني، وكما تشير الدكتورة فاطمة الصمادي فإنَّ ما يميِّز هذه المجموعة التي سميت «الأصوليين»، عن تيار اليمين التقليدي، هو أنَّ قادتها انتموا إلى الجيلين الثاني والثالث من الثورة سياسيًّا وفكريًّا ممَّن تلقوا تعليمًا عاليًا، وقد ظلوا على وفائهم لمقام المرشد الأعلى وتأييدهم لولاية الفقيه المطلقة، والتأكيد على أنَّ استقلال الجمهورية الإسلامية وعداءها للولايات المتحدة؛ كلٌّ واحدٌ لا ينفصم. وقد لعب آية الله مصباح يزدي دورًا فعّالًا في توجيههم فكريًّا وعقائديًّا. بيد أنَّهم قد اختلفوا مع اليمين التقليدي في بعض التوجهات السياسية والاقتصادية على المستوى المحلي، في مسائل تتعلق بدائرة المشاركة السياسية وتداول السلطة وأولويات التنمية. على أيّ حال، فإنَّ الدائرة التي تمحورت حول المرشد الأعلى، وبالتبعية حول نجله مجتبى، انصرفت بدرجة أكبر إلى القضايا الكبرى المرتبطة بترسيخ سلطة المرشد - ضمن نظرية ولاية الفقيه المطلقة - وإدارة العلاقة مع الولايات المتحدة.[6]

●    ثانيًا: نما وعي هذا الجيل خلال فترة الحرب العراقية - الإيرانية، وقد تطوَّع مجتبى خامنئي نفسه ضمن صفوف «الحرس الثوري»، وكان عمره لا يتجاوز السابعة عشرة. وتميَّزت تلك الفترة، التي أسهمت في تشكيل ملامح الجمهورية، بسمتين أساسيَّتين انطبعتا على الأجيال التي شاركت فيها. أولاهما، كانت نتاج تبنّي إيران ما عُرف حينها بعقيدة «الدفاع المقدّس»، التي غلَّبت الحماس الديني واليقظة الآيديولوجية على الاستعداد العسكري في ساحة المعركة. إذ كان على المجتمع الإيراني بأسره أنْ يبقى في حالة استنفار دائم في مواجهة أعداء الجمهورية والثورة. وكما عبَّر خامنئي عن ذلك بقوله: «للدفاع المقدس حق الحياة في رقبة هذه البلاد».[7] أمّا السمة الثانية، فتمثّلت في صعود القومية الإيرانية بوصفها محرّكًا أساسيًّا لتوجّهات القادة الجدد. ففي مواجهة تهديد وجودي، تخلّى قادة الثورة عن فكرة الأممية الإسلامية، وصُفّي الجناح المؤيّد لأممية الثورة، وتوجّه الاهتمام نحو حماية الأراضي الإيرانية والحفاظ على تماسك المجتمع؛ بل إنَّ الخميني نفسه قد دعم هذا التوجّه. ومع مرور الوقت، نمت الاعتبارات القومية على حساب المثّل الدينية الثورية، التي وضعت بدورها في خدمة هدف قومي، حيث أضحت التدخلات الإيرانية خارج حدودها تهدف بالأساس إلى حماية الأمن القومي، دون إيلاء اهتمام كبير لتصدير القيم الثورية. وقد أسهمت سنوات الحصار الطويلة في تعزيز هذا التوجه.

●    ثالثًا: انخرط أفراد هذه النخبة الجديدة في مواجهة مباشرة مع التيار الإصلاحي، إذ كشفت الانتخابات الرئاسية عام 2009 عن مدى تمسّكهم برؤيتهم لطبيعة السلطة السياسية في إيران. وقد شاع بينهم استخدام تعبير «الثورة المخملية» لوصف الاحتجاجات التي أعقبت تلك الانتخابات، بوصفها تهديدًا يستوجب المواجهة والقمع. وحتى بعد افتراق أحمدي نجاد عن خطهم السياسي، وخسارتهم أمام مرشح الإصلاحيين حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية التالية، فإنَّ هذه النخبة كانت قد رسَّخت وجودها السياسي والاقتصادي على نحوٍ يصعب تجاوزه، مستندةً إلى دعم بيت المرشد، وإلى اقتصاد الظلِّ المرتبط بـ«الحرس الثوري».[8]

●    رابعًا: لم يحضر أفراد هذا الجيل الانقلاب على مُصدّق، ولم يشهدوا التحالف بين الشاه والولايات المتحدة. وقد سمعوا مرارًا وتكرارًا عن الخطر الذي تمثّله الولايات المتحدة وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية؛ غير أنَّهم، بدلًا من ذلك، خبروا الاشتباك المباشر مع الولايات المتحدة وانخرطوا فيه. وبعبارة أخرى، فإنَّ الحرب هي التي شكَّلت عقيدتهم السياسية، لا التغيير السياسي أو إسقاط الشاه. وبينما رأى الجيل القديم أنَّ الحرب قد فُرضت عليهم من قِبل أعداء الثورة، يرى هذا الجيل أنَّ الحرب - أو المقاومة - هي ما يمدُّ النظام بأسباب بقائه. وقد حظي هؤلاء بدعم المرشد الأعلى، علي خامنئي، الذي شهد تلك التَّحوُّلات، ورأى في أي مبادرة أمريكية «حصان طروادة». لذا لم يكن مستغربًا أنْ يتحلّقوا حوله، وأنْ يروا في مجتبى امتدادًا للنهج الثوري لوالده، الذي مثّل بدوره امتدادًا لنهج الخميني في نظرهم.

تظهر ملامح الاختلافات التي أشرنا إليها سابقًا بوضوح في الدائرة القريبة من مجتبى خامنئي، والتي تضم رفاقًا سابقين له على الجبهة، من أعضاء كتيبة حبيب بن مظاهر، والفرقة العاشرة التي شاركت في الحرب العراقية - الإيرانية، حيث التحق مجتبى بها عام 1986 خلال سنوات الحرب.

وبعد انتهائها، التحق بالحوزة العلمية في قم، وتلقَّى تعليمه على أيدي عدد من رجال الدين، من بينهم آية الله مصباح يزدي، الذي لعب دورًا بارزًا في تشكيل رؤيته الفكرية والدينية، قبل أنْ يتولَّى مجتبى نفسه التدريس في قم لاحقًا.

برز اسم مجتبى على نحو أوضح عقب احتجاجات عام 2009، التي شهدت هتافات ضده بشكل مباشر، حيث اضطلع بدور منسق بين أعضاء الشبكة المرتبطة ببيت المرشد، واحتفظ بعلاقات وثيقة مع قيادات «الحرس الثوري» و«الباسيج».

وفي عام 2011، كشفت تسريبات «ويكيليكس» أنَّه يُعدُّ الخيار المُفضَّل داخل بيت المرشد والدائرة المحيطة به.[9]

تتكون هذه الدائرة من رفاقه السابقين في كتيبة «حبيب» والفرقة 27، الذين برز دورهم خلال احتجاجات 2009، حيث أظهروا دعمًا قويًّا لموقف المرشد الأعلى المناهض للاحتجاجات، وشاركوا في قمعها ومهاجمة مؤيديها. ومن بين هؤلاء: علي رضا بناهيان ومهدي طائب، وهما من رجال الدين وعضوان سابقان في كتيبة «حبيب»، إلى جانب حسين طائب، الذي تولّى رئاسة جهاز استخبارات «الحرس الثوري» لمدة 12 عامًا، وكان قائدًا لـ«الباسيج» خلال تلك الاحتجاجات.

كما تضم الدائرة عددًا من القادة السابقين لمجتبى في الفرقة 27 والفرقة العاشرة، ممن شغلوا لاحقًا مناصب في المؤسسات الأمنية والاستخباراتية التابعة لـ«الحرس الثوري» و«الباسيج»، مثل حسن محقق، مهدي كوثاري، علي فضلي. فضلًا عن شخصيات مثل حسين الله كرم وسعيد قاسمي، وهما من القادة السابقين في «الحرس الثوري»، وغيرهما ممَّن برزت أسماؤهم مع صعود مجتبى خامنئي.[10]

ومن خارج هذه الدائرة المباشرة، تبرز أسماء مثل محمد باقر ذو القدر، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي (خلفًا لعلي لاريجاني)، ومحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الحالي، بوصفهما من أبرز حلفاء مجتبى ومن المقربين إلى بيت المرشد.

يرى كثيرون أنَّ صعود مجتبى خامنئي يُعدُّ مؤشرًا على التَّحوُّلات التي شهدتها الجمهورية الإسلامية خلال العقدين الأخيرين، كما يمثّل تعبيرًا عن صعود جيل جديد من القادة يحمل رؤيةً مغايرةً - وربما أكثر تشددًا - لطبيعة النظام السياسي في إيران، الذي اتّسم تاريخيًّا بقدر من الحيوية والتعدد داخل أُطّره الحاكمة.

 

الخاتمة

ثمة عاملان مهمان يُغفَلان باستمرار في القراءات المتعلقة بمستقبل النظام الإيراني.

الأول يتمثل في أنَّ النظام الإيراني - كأي نظام سياسي - ليس كيانًا مجردًا، بل هو تعبير عن مصالح شريحة أو مجموعة اجتماعية تمتلك تصورًا محددًا لكيفية إدارة الموارد وتوزيعها. وهو ما يعني، بالضرورة، أنَّ أي نظام قد ينبثق عن عملية تغيير محتملة لا يمكن أنْ يستقر إلا إذا عبَّر بدوره عن مصالح فئة داخلية بعينها، لا عن مصالح قوى خارجية.

أما العامل الثاني، فيرتبط بطبيعة الأنظمة السلطوية ذاتها. فكما تشير باربرا غيّديس، فإنَّ الأنظمة السلطوية تختلف عن بعضها بقدر اختلافها عن الأنظمة الديمقراطية. إذ تتباين هذه الأنظمة من حيث الخلفيات الاجتماعية للنخب الحاكمة، والشرائح الاجتماعية التي تستند إليها، ومدى تمثيلها لمصالح تلك الشرائح، فضلًا عن اختلاف آليات صنع القرار داخل كل منها.[11]

وهذا التباين يجعل مسارات التغيير السياسي غير متجانسة، بل خاضعة لطبيعة كل نظام وتركيبته الداخلية، ومدى تأثير هذه العوامل في لحظات التَّحوُّل. وإذا طُبِّقت هذه المحددات على النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية، فإننا نواجه تدرجًا متزايدًا في التعقيد، يبلغ ذروته عند العامل الثالث - أي عملية صنع القرار - الذي يرتبط بشبكة من التوازنات شديدة التشابك.

تُفضي هذه التعقيدات إلى جعل استشراف مستقبل النظام الإيراني مهمةً بالغة الصعوبة؛ وهو ما يناقض، بالضرورة، التصورات السطحية التي تختزل التغيير في شكل تدخل عسكري خارجي بهدف تقويض النظام. إذ، في ظلِّ محدودية المعلومات بشأن الترتيبات الداخلية ومسار الحرب، يغدو الأمر أقرب إلى المقامرة.

 



[1] ديفيد كريست، ت: رجاء شلبي، حرب الشفق: خفايا ثلاثين عامًا من الصراع الأمريكي- الإيراني، (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 2016)، 88-89.

[2] يذكر ديفيد كريست أنَّ الحكومة الأمريكية قد ساعدت حكومة إيران بشكل غير مباشر خلال الحملة التي قامت بها الأخيرة ضد الشيوعيين في الثمانينات، حيث مررت سرَا وثائق ومعلومات حصلت عليها عن علاقات حزب «توده» وقيادته بالاتحاد السوفيتي، وعلى أثر قامت الحكومة بحملة تطهير عنيفة مستهدفةً الشيوعيين.

[3] ولي نصر، ت: أحمد ع. محسن، استراتيجية إيران الكبرى: تاريخ سياسي، (دار هاشم للكتاب، بيروت 2025)، 57.

[4] نفس المرجع، 62.

[5] نفس المرجع، 110-122.

[6] الصمادي، التيارات السياسية في إيران، 75-80.

[7] الموقع الرسمي لآية الله علي خامنئي، «كلمة الإمام الخامنئي عن الدفاع المقدس»، 20 سبتمبر 2023، تاريخ الاطلاع 26 مارس 2026، https://arabic.khamenei.ir/news/7534

[8] الجزيرة نت، «الحرس الإيراني يخشى ثورة مخملية»، تاريخ النشر 11 يونيو 2009، تاريخ الاطلاع 23 مارس 2026،  https://www.aljazeera.net/news/2009/6/11/الحرس-الإيراني-يخشى-ثورة-مخملية

[9] التليجراف، «إيران: معلومات وأراء عن مجتبى خامنئي»، (IRAN: EXPAT SOURCE'S INFORMATION AND VIEWS ON MOJTABA KHAMENEI, AND THIS SOURCE'S PITCH FOR USG FUNDS)، تاريخ النشر 4 فبراير 2011، تاريخ الاطلاع 25 مارس 2026.

https://www.telegraph.co.uk/news/wikileaks-files/london-wikileaks/8304719/IRAN-EXPAT-SOURCES-INFORMATION-AND-VIEWS-ON-MOJTABA-KHAMENEI-AND-THIS-SOURCES-PITCH-FOR-USG-FUNDS.html

[10]مراد ويسي، «فرقة حبيب: شبكة مجتبى خامنئي»، (The Ringleader of Habib; Mojtaba Khamenei’s Team)، إذاعة أوروبا الحرة، تاريخ النشر 19 أغسطس 2019، تاريخ الاطلاع 25 مارس 2025. https://www.radiofarda.com/a/30119166.html (تم الاعتماد علي الترجمة الإنجليزية للمقال عن طريق جوجل)

[11] Geddes, Barbara. «What Do We Know About Democratization After Twenty Years?» Annual Review of Political Science 2 (1999): 115-144.