عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

سجالات

ستيف إيرلي

من الحرم الجامعي إلى أرض المصنع.. 50 عامًا على مسيرة «الاشتراكيين الدوليين»

2026.02.14

من الحرم الجامعي إلى أرض المصنع.. 50 عامًا على مسيرة «الاشتراكيين الدوليين»

 

لا يزال بعض الراديكاليين الشباب يتأملون كيفية بناء علاقتهم، على المستويين الشخصي والجماعي، مع الحركة العمالية. هل ينبغي لهم أن يحاولوا أن يصبحوا وكلاء للتغيير في مكان العمل أثناء تأدية وظائفهم ضمن طواقم النقابات المحلية أو الإقليمية أو الوطنية؟ أم هل يجدر بهم التنظيم الميداني «على أرض المصنع» -سواء في بيئات العمل غير النقابية أو كمعلمين وممرضين وأخصائيين اجتماعيين نقابيين؟ ومن ثم السعي لتولي أدوار قيادية نقابية مُنتخبة بدلًا من المناصب المُعينة؟

قبل بضع سنوات، أقر المندوبون في المؤتمر الوطني لمنظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا» (DSA)، وبأغلبية ضئيلة، قرارًا يُحبذ مسار «القواعد العمالية». وقد انضم بعض أعضاء المنظمة إلى «مشروع القواعد العمالية» (Rank & File Project)، الذي يدعم هذا النهج المتمثل في «النضال من أجل عالم أفضل من القاعدة إلى القمة».

وقبل خمسين عامًا، تأمل يساريو الستينيات في الخيارات ذاتها قبل إطلاق جهودهم الإصلاحية الخاصة، سواء من داخل البيروقراطية العمالية أو كمُتحدين لها. وقد امتلك البعض بُعد النظر الكافي للانتقال من التنظيم الطلابي والمجتمعي إلى النشاط النقابي في قطاعات الرعاية الصحية، والتعليم، والعمل الاجتماعي، حيث كانت الشهادات الجامعية مفيدة والأمن الوظيفي جيدًا.

في المقابل، اختار راديكاليون طلابيون سابقون آخرون -بتوجيه (لم يكن مفيدًا دائمًا) من جماعات يسارية متنوعة- أن يصبحوا عمالًا من ذوي الياقات الزرقاء في قطاعات النقل البري والاتصالات، ومصانع السيارات والصلب في الغرب الأوسط، ومناجم الفحم في فرجينيا الغربية خلال سبعينيات القرن العشرين. ولكن في العقد الذي تلى ذلك، أسفرت سياسات رفع القيود التنظيمية، وتراجع التصنيع، وإعادة هيكلة الرأسمالية العالمية عن خسائر فادحة في الوظائف وانكماش صناعي حاد.

وغالبًا ما فقد الراديكاليون الذين اتخذوا مسار «التحول نحو الصناعة» موطئ قدمهم النقابي الذي ناضلوا لسنوات من أجل كسبه. وانتهى المطاف بالعديد منهم بالعودة إلى المسار الأكاديمي، ليعيدوا تأهيل أنفسهم كمعلمين أو محامين أو أساتذة جامعيين مناصرين للعمال. في حين أصبح آخرون منظمين مجتمعيين، أو نشطاء في نقابات القطاع العام، أو مُعلمين عماليين أو موظفين نقابيين، بل ودخل بعضهم عالم الأعمال في حالات أخرى.

ومن بين المؤلفات الحديثة التي تروي هذه الرحلة الشخصية والجيلية، يبرز كتاب «مايك ستاوت» عن العمل في مصنع للصلب بمنطقة بيتسبرغ، ومذكرات «جون ميلرود» عن «أيام نضاله» في مصانع بولاية ويسكونسن، ورواية «ديف راني» عن «الحياة والموت على أرض المصنع» في شيكاغو، ومذكرات الراحل «فرانك إمسباك» عن كونه عاملًا من الجيل الثالث في شركة «جنرال إلكتريك» في الشمال الشرقي للولايات المتحدة.

كما قام خريجو إحدى المجموعات اليسارية التي نشطت في الفترة ذاتها -وهي «حزب العمل التقدمي» (Progressive Labor Party) -بتجميع كتابات أكثر تنوعًا من حيث الجنسين، ركزت على «مغامراتهم في بناء تحالف بين العمال والطلاب» في أواخر الستينيات وما تلاها.

وعلى نحو مماثل، يروي كتاب «من حركة حرية التعبير إلى أرض المصنع: تاريخ جماعي للاشتراكيين الدوليين»، الذي حرره أندرو ستون هيجينز، قصة جماعة «الاشتراكيين الدوليين» (IS) من خلال مقابلات تاريخية شفوية مع أعضاء سابقين في الجماعة وفصول دونوها بأقلامهم. ويقدم هذا الكتاب منظورًا مفيدًا آخر حول كيفية تعاطي جيل سابق من اليساريين مع الحركة العمالية.

الاشتراكية من أسفل

تأسست جماعة «الاشتراكيون الدوليون» عام 1969 على يد قدامى نشطاء «حركة حرية التعبير» (FSM) في جامعة بيركلي وغيرها من معاقل النشاط السياسي في الستينيات. ومن بين قدامى الحركة الذين برزوا في الكتاب، الراحل «مايك باركر»، وهو عضو في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (منطقة إيست باي) ومؤسس لجماعة الاشتراكيين الدوليين، والذي تضمن فصله المعنون «الحركة الطلابية وما بعدها» نصائح قيمة للراديكاليين الجامعيين اليوم. وعلى غرار منافسيها التنظيميين في اليسار الذين كانوا أقل اهتمامًا بتعزيز «الاشتراكية من أسفل»، بذلت جماعة الاشتراكيين الدوليين محاولة استمرت عقدًا من الزمان «لسد الفجوة بين يسار تشكلت أغلبيته الساحقة في الحرم الجامعي، والطبقة العاملة التي لا تزال بالطبع تشكل هاجسًا مركزيًا لجميع الاشتراكيين الأمريكيين».

في المجموعة التي حررها هيجينز، يقدم مساهمون مثل «كانديس كوهين» و«جاي سيميل» و«ويندي طومسون» روايات حية بضمير المتكلم عن تجاربهم في ترك الحياة الطلابية أو وظائف الياقات البيضاء للانخراط في القطاع الصناعي. وقد ساهم كل منهم في محاربة المعاملة التمييزية ضد النساء والعمال الأمريكيين من أصل أفريقي، والتي كانت متفشية في عالم الياقات الزرقاء الذي دخلوه في السبعينيات.

نشطت «كوهين» سياسيًا كعضو في منظمة «طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي» (SDS) في جامعة ميشيغان. وبعد تخرجها، انتقلت إلى بيتسبرغ وساعدت في تأسيس مجموعة مناصرة محلية لعمال «وادي مون» الذين كانوا يتعرضون لظروف تضر بصحتهم وسلامتهم. ثم أصبحت «واحدة من أوائل النساء اللواتي تم تعيينهن في صناعة الصلب الأساسية منذ الحرب العالمية الثانية» في مصنع كليرتون للكوك التابع لشركة الصلب الأمريكية، وهو «أكبر موقع لإنتاج فحم الكوك في العالم وأكثرها قذارة وفتكًا».

وفي المصنع، «لم يتوقف التحرش الجنسي قط، سواء من رؤساء العمال أو من زملاء العمل البيض الأكبر سنًا». ورغم ذلك، وطدت كوهين علاقاتها مع العمال السود وغيرهم من العاملات في مجال الصلب، وأسست صحيفة عمالية ميدانية حملت اسم «عمال الصلب ينتفضون» (Steelworkers Stand Up)، وساعدت في حشد زملائها من العمال العاديين لصالح «إد سادلوسكي» وقائمته الانتخابية «عمال الصلب يقاومون» في الانتخابات النقابية الدولية عام 1977.

إعادة التأهيل في كلية الحقوق

كان سادلوسكي «ديمقراطيًا اجتماعيًا يساريًا»، تعرض لحملة تشهير مكثفة واتهامات بالشيوعية أثناء تحديه المثير، والذي لم يُكلل بالنجاح في النهاية، للشراكة بين العمال والإدارة في صناعة الصلب. وتكتب كوهين: «في الهجوم الذي شنه أصحاب العمل بعد ذلك، أُلقي بعشرات الآلاف من عمال الصلب إلى الشوارع، وأُغلقت المصانع، وأُخرست أصوات وادي الصلب». غير أنها تمكنت من إعادة تأهيل نفسها لتصبح محامية في مجال حقوق العمال والحقوق المدنية.

وعلى غرار كوهين، التحقت «سيميل» بكلية الحقوق بعد فترة خدمتها في جماعة الاشتراكيين الدوليين كسكرتيرة وطنية ومحررة لصحيفة «سلطة العمال» (Workers Power)، وهي «صحيفة تحريضية» تضمنت عمودًا ذائع الصيت يحمل اسم «مذكرات عمالية» (Labor Notes). وقبل ذلك، عملت كعاملة مقسم هاتف في مدينة نيويورك. وفي تدخل جاء في وقته المناسب، تسببت في طرد نفسها من النقابة التابعة لشركة «نظام بيل» التي كانت تمثل زملاءها آنذاك، والتي كانت «نقابة عمال الاتصالات في أمريكا» (CWA) تسعى للإطاحة بها. وكمحامية، أمضت معظم مسيرتها المهنية اللاحقة في العمل لصالح نقابة عمال الاتصالات، وهي النقابة ذاتها التي حاولت دعمها في عام 1971، عندما رفضت تجاوز خطوط اعتصامها خلال إضراب استمر تسعة أشهر وشارك فيه 38 ألف فني من شركة هاتف نيويورك.

على غرار منافسيها التنظيميين في اليسار، بذلت جماعة الاشتراكيين الدوليين محاولة استمرت عقدًا من الزمان «لسد الفجوة بين يسار تشكلت أغلبيته الساحقة في الحرم الجامعي، والطبقة العاملة».

وعلى عكس كوهين وسيميل، تمكنت «طومسون» بالفعل من بلوغ خط النهاية والحصول على معاش نقابي جيد في صناعة السيارات، وذلك بعد أن اعتنقت الراديكالية خلال سنتها الجامعية الثالثة التي قضتها في الخارج (في فرنسا، إبان أحداث مايو 1968 تقريبًا). عملت طومسون في شركة «جنرال موتورز» في مصنع «شيفروليه» للتروس والمحاور، والذي كانت تغلب عليه العمالة السوداء. وبعد نجاتها من تسريحات العمال ومحاولات الإدارة المتكررة لفصلها، حاربت طومسون التمييز الجنسي في أرض المصنع، والتنازلات المجحفة في العقود، والنفوذ الذي هيمن لفترة طويلة على «التكتل الإداري» في «نقابة عمال السيارات المتحدين» (UAW).

وخلال سنواتها الثلاث والثلاثين في المصنع، لم يُنتخب سوى ناقد واحد فقط لـ «التكتل الإداري» لعضوية المجلس التنفيذي الدولي لنقابة عمال السيارات. ولكن تصويت الأعضاء في عام 2022 للتخلي عن نظام تصويت المندوبين لاختيار كبار المسؤولين -والتحول إلى الانتخاب المباشر من قِبل القواعد العمالية -مكّن قائمة مدعومة من تحالف «توحيد جميع العمال من أجل الديمقراطية» (UAWD) من تحقيق ما تسميه طومسون «انتصارًا غير مسبوق -وتتويجًا عظيمًا لسنوات نشاطي العديدة» على أرض المصنع.

مُجندون من الطبقة العاملة؟

تدعم ذكريات الأفراد من أعضاء جماعة الاشتراكيين الدوليين استنتاج هيجينز بأن «تشكيلهم ما قبل الحزبي» البالغ خمسمائة عضو فشل في خلق ثقافة تنظيمية «أكثر ترحيبًا بالمجندين المتنوعين من الطبقة العاملة». ولم يمثل هؤلاء سوى خُمس أعضاء الجماعة في ذروتها. ويزعم هيجينز أن السبب في ذلك يعود إلى أنه:

«في حين كانت ثقافة جماعة الاشتراكيين الدوليين ديمقراطية بشكل منعش وملتزمة بجدية بالتثقيف السياسي للأعضاء الجدد، فإن ما تميزت به من قراءة متعمقة، ومناقشات موسعة، وحوارات محتدمة، واجتماعات طويلة ومتعددة، كان من الصعب تسويقه للأعضاء المحتملين الذين تثقل كاهلهم التزامات عائلية ملحة، ولا يملكون سوى قدر محدود من وقت الفراغ».

علاوة على ذلك، كانت هناك الخلافات الداخلية التي عطلت العمل العمالي للجماعة والذي كان منسقًا بشكل جيد في البداية. ففي عامي 1976 و1977، انقسمت جماعة الاشتراكيين الدوليين إلى ثلاثة مسارات. حيث بقي بضع مئات من الموالين في مواقعهم؛ وشكل خمسون عضوًا جماعة أطلقوا عليها اسم «سلطة العمال» (Workers Power)، وأسس مائة آخرون «المنظمة الاشتراكية الدولية» (ISO)، التي كبر حجمها على مر السنين لكنها انهارت في النهاية من الداخل في عام 2019. وفي منتصف الثمانينيات، وكجزء من عملية «إعادة تجميع» أكثر إيجابية، التأم شمل أعضاء «سلطة العمال» مع من تبقى من الاشتراكيين الدوليين لتشكيل منظمة «تضامن» (Solidarity)، وهي شبكة أكثر مرونة من الاشتراكيين تصدر مجلة «ضد التيار» (Against the Current).

ووفقًا لـ «دان لا بوتس»، المؤيد السابق لحركة «سائقو الشاحنات من أجل نقابة ديمقراطية» (TDU)، وهو الآن عضو في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في مدينة نيويورك ومحرر مشارك في مجلة «السياسة الجديدة» (New Politics)، فإن «أحد الأسباب الرئيسية لانقسام الاشتراكيين الدوليين كان الاختلافات حول العمل العمالي»، والذي جادل بعض الأعضاء بأنه «يجعل الجماعة أكثر محافظة».

وكما تتذكر المؤرخة النسوية «باربرا وينسلو»، فإن مبرر طردها من جماعة الاشتراكيين الدوليين في أواخر السبعينيات كان مرافعتها بضرورة «الانخراط بشكل أكبر في جميع المجالات الممكنة لنضالات نساء الطبقة العاملة -حركات الياقات الزرقاء والبيضاء والوردية فضلًا عن أنشطة تحرير المرأة الأخرى». وأصبحت هي وزوجها آنذاك، «كال وينسلو»، المنظم الصناعي الوطني السابق للاشتراكيين الدوليين، هدفين لحملة تطهير لاحقة عندما طُردوا من المنظمة الاشتراكية الدولية (ISO)، على الرغم من كونهما من بين أعضائها المؤسسين. ثم استأنف وينسلو مسيرته المهنية الطويلة والمثمرة كمعلم عمالي ومؤرخ ومؤلف لكتب مثل «سياتل الراديكالية: الإضراب العام لعام 1919».

إرث راسخ

يُشير المساهمون في مجموعة هيجينز، مثل الأستاذ في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا «نيلسون ليختنشتاين»، والمحرر المشارك لمجلة «ضد التيار» ديفيد فينكل، وآخرون، إلى حركة «سائقو الشاحنات من أجل نقابة ديمقراطية» ومؤسسة «مذكرات عمالية» (Labor Notes) باعتبارهما الموروثين الرئيسيين لجماعة الاشتراكيين الدوليين. وتُعد المؤسسة الأخيرة مشروعًا مستدامًا بشكل فريد للتثقيف العمالي، وتنظيم القواعد العمالية، والإعلام البديل، أُطلق قبل سبعة وأربعين عامًا، في حقبة كانت فيها معظم الجماعات الاشتراكية أو الشيوعية تُفضل الترويج الذاتي التنافسي بشراسة. وغالبًا ما كانت مطبوعات تلك الجماعات تُعطي الأولوية لتجنيد «كوادر» جديدة على حساب بناء حركة عمالية عريضة ومتعددة التوجهات من القواعد النقابية. وفي المقابل، كما تتذكر طومسون:

«رفضت جماعة الاشتراكيين الدوليين بوضوح النموذج الذي اتبعته العديد من المنظمات والمتمثل في إبقاء مجموعات واجهاتها العمالية تحت سيطرتها المحكمة. وفي حين كانت كوادر مشروع «مذكرات عمالية» تتألف في الأصل من أعضاء الاشتراكيين الدوليين، فقد تحول إلى مشروع يشعر فيه العمال بأنهم في بيئة مريحة، وبمثابة بحيرة يمكن للاشتراكيين أن يسبحوا فيها في الوقت عينه».

يلاحظ فينكل أن هذا النهج ربما يكون قد «انتهك جميع أعراف ما يسمى باللينينية». لكن في النهاية، كان تبني نهج أكثر شمولية وتوافقية أمرًا بالغ الأهمية لتطوير شبكة متعددة الأجيال من نشطاء القواعد العمالية، والتي تجتمع الآن كل عامين بحضور خمسة آلاف شخص أو أكثر، مقارنة بستمائة شخص فقط في أوائل الثمانينيات (وهو ما كان يُعتبر إقبالًا ممتازًا في ذلك الوقت).

يحمل هذا الكتاب الممتع في قراءته الكثير من النصائح السديدة للاشتراكيين الذين يسعون اليوم إلى إنعاش النقابات القائمة أو خلق بدائل لها.

وأحد الدروس الرئيسية المستفادة هنا هو أن بناء خيمة عمالية أو سياسية كبيرة أفضل، بالنسبة لليسار، من التقوقع في خيمة صغيرة. وإذا كنت تفضل النتيجة الأخيرة، فإن الاجتماعات التي لا تنتهي، والمبالغة في «الانضباط» التنظيمي، والنقاشات المشحونة حول أدق تفاصيل النظرية الماركسية -والتي تعقبها عمليات تطهير مدمرة -ستوصلك إلى هناك بسرعة فائقة. وعلى الجانب الآخر، إذا كنت ترغب في أن تكون فردًا توافقيًا منفتحًا أو عداء مسافات طويلة تنظيميًا داخل اليسار العمالي، فليس هناك ما هو أفضل من التمعن في بعض النماذج الملهمة التي سُلط عليها الضوء في كتاب «من حركة حرية التعبير إلى أرض المصنع».


  • نُشر في Jacobin بتاريخ 12 فبراير 2026.