هوامش
جاتيندر هايركيف تدفعنا «حرية الاختيار» نحو المرض؟
2026.02.07
كيف تدفعنا «حرية الاختيار» نحو المرض؟
غالبًا ما يُنظر إلى تدهور النتائج الصحية بوصفه مجرد نتاج مؤسف لقرارات فردية خاطئة. بيد أن هذا النهج، الذي يكتسي صبغة وعظية، يتغافل عن الدور الجوهري الذي يلعبه الفقر في تحديد من يقع فريسة للمرض، ومن يملك القدرة المالية للتعافي منه.
يشيع التشخيص الخاطئ لداء اللامساواة في مختلف الدول مرتفعة الدخل، فحين تتسع الفجوات في متوسط العمر المتوقع، وتتركز الأمراض القابلة للوقاية في أوساط المجتمعات الأشد فقرًا، وحين تتصلب أشكال الحرمان لتغدو أنماطًا متوقعة للموت المبكر، نادرًا ما تعزو الحكومات ذلك إلى فشل سياسي. بدلًا من ذلك، تُزاح المسؤولية لتُلقى على كاهل الأفراد؛ إذ تُصور النتائج الصحية بصفتها حصيلة تراكمية لخيارات صائبة أو خاطئة، لا بصفتها ظروفًا فُرضت أو حماياتٍ سُحبت. هكذا تنسحب الدولة، ثم تمارس دور الواعظ في الفراغ الذي خلّفته وراءها.
يرتكز هذا المنطق على حزمة من الافتراضات الضيقة والمشوهة بعمق. فغالبًا ما تفهم الحكومات «الخيار» على أنه مجرد القدرة على الانتقاء بين بدائل، بغض النظر عما إذا كانت تلك البدائل قابلة للتطبيق أو معقولة التكلفة أو مستدامة. وفي مجال السياسات الصحية، يتجلى هذا في غياب الاكتراث بالقوى الهيكلية، تزامنًا مع إصرار متزايد على وجوب أن يدير الأفراد المخاطر بفاعلية أكبر. وفقًا لهذه السردية، فإن اللامساواة ليست «نتاجًا» لصنيع فاعل، بل مجرد واقع «يُكشف عنه».
غير أن هذه الرؤية لمفهوم الحرية مضللة للغاية، فالاختيار لا يُمارس أبدًا في فراغ، بل يتشكّل بمستوى الدخل، ويتحجّم بظروف السكن، ويُمرر عبر مرشحات التعليم، ويتآكل بفعل التوتر المزمن، ويحده الوقت. وإن تجاهل هذه الحقائق هو تعمية على موازين القوى. وحين يصر المحافظون على أن الصحة مسألة مسؤولية شخصية، بينما يفككون الظروف التي تجعل الحياة الصحية ممكنة، فإن الحرية هنا تغدو درعًا بلاغيًا للتنصل من المسؤولية.
تهيمن لغة «الاختيار» على السياسات الصحية المعاصرة، إذ يُحث الناس على تحسين غذائهم، وممارسة الرياضة، والتفاعل مع الأدوات الرقمية، والإدارة الذاتية لحالات مرضية متزايدة التعقيد. وغالبًا ما تُقدم هذه الدعوات بوصفها تمكينًا للأفراد، بل وتقدمًا. لكن التمكين المفتقر إلى الدعم المادي لا يعدو كونه وعدًا أجوف، فهو ينقل العبء دون أن ينقل السلطة.
تكشف مراجعة شمولية جديدة وواسعة لتدخلات الصحة العامة في الدول مرتفعة الدخل عن العواقب الحقيقية لهذا النهج. فمن خلال فحص الأدلة المستقاة من خمس وثلاثين مراجعة منهجية، تغطي سياسات الرعاية الاجتماعية، والإسكان، والتشريعات، والنظم الصحية، والتعليم، والصحة الرقمية، جاءت النتائج متسقة بشكل لافت؛ التدخلات الأكثر موثوقية في الحد من التفاوت الصحي هي تلك التي تتطلب أدنى قدر من الجهد الفردي وتوفر الحماية بشكل تلقائي. فدعم الرعاية الاجتماعية، وتوفير السكن، وتشريعات منع التدخين، وتنظيم تكاليف الدواء؛ كلها عوامل تعمل باستمرار على تضييق الفجوات الصحية عبر الخطوط الاجتماعية والاقتصادية.
تنجح هذه التدخلات تحديدًا لأنها لا ترتهن لـ«الفاعلية الفردية» المستدامة.
في المقابل، فإن التدخلات التي تتطلب مستويات عالية من المشاركة الشخصية -لا سيما البرامج التعليمية والسلوكية والرقمية- تُسفر عن تأثيرات أضعف وأكثر تفاوتًا. بل إنها في كثير من الحالات تؤدي فعليًا إلى توسيع هوة اللامساواة. والسبب ليس عيبًا جوهريًا في هذه التدخلات ذاتها، بل لأن فوائدها تصب بشكل غير متناسب في صالح أولئك الذين يمتلكون بالفعل الوقت والاستقرار والموارد. وحين تفترض السياسات وجود قدرة يفتقر إليها كثيرون، فإنها تعيد إنتاج الفوارق ذاتها التي تدعي معالجتها.
كثيرًا ما تصف الدول مرتفعة الدخل التفاوتات الصحية بأنها «مستعصية» أو «متبقية»، وكأنها تستمر رغم الجهود المخلصة لحلها. وهذه اللغة كاشفة، فهي توحي بأن الإجحاف هو بقايا مؤسفة وليس نتيجة متوقعة لخيارات سياسية. لكن الأدلة تروي قصة مغايرة: حين تعمل الحكومات عند «المنبع» (الجذور)، تضيق الفوارق. وحين تتراجع، تتسع تلك الفوارق.
لا يتجلى هذا التشخيص الخاطئ في أي مكان بوضوح أكبر مما هو عليه في أمريكا الشمالية، حيث يُؤطَّر مفهوم الصحة بشكل روتيني كاستثمار فردي لا كمنفعة جماعية. قد يتوسع غطاء التأمين، لكن التكاليف تظل باهظة. وتنتشر أدوات الصحة الرقمية، لكن الوصول إليها يظل متفاوتًا. يتم تفويض المسؤولية إلى الأسفل، بينما تظل المحركات الهيكلية على حالها. والنتيجة مفارقة صارخة: مجتمعات تتغنى بالحرية بينما تشرف على انحدارات صحية هي من بين الأكثر حدة في العالم.
تبرهن المراجعة الشمولية أن هذا النمط ليس وليد الصدفة، بل هو عاقبة لتفضيل التدخلات التي تحافظ على منطق السوق على حساب تلك التي تعيد توزيع المخاطر. فقسائم الإسكان تقلل من أمراض الطفولة، ودعم الدخل يقلل من حالات الاستشفاء، واللوائح التشريعية تحد من التعرض للأذى. لا يكمن نجاح هذه التدخلات في تغيير السلوك مباشرة، بل في تغيير الظروف التي يحدث فيها السلوك. وهذا هو السبب تحديدًا في كونها محل نزاع سياسي.
يقدم «هرم العدالة الصحية»، الذي طُور ضمن المراجعة، وسيلة واضحة لفهم سبب نجاح سياسات معينة وفشل أخرى. في قاعدة الهرم تقبع التدخلات التي تعيد تشكيل الأسس الاجتماعية والاقتصادية للصحة. فالرعاية الاجتماعية، والإسكان، والتنظيم، كلها تعمل على مستوى السكان، وتتطلب حدًا أدنى من الجهد الفردي، وتحقق أكبر مكاسب في العدالة. وكلما صعدنا في الهرم، أصبحت التدخلات أكثر فردية، وأكثر اشتراطًا، وأكثر تطلبًا. وهنا يضيق نطاق وصولها، ويتضاءل أثرها في تحقيق العدالة.
يعرّي هذا الإطار تناقضًا جوهريًا في صناعة السياسات المعاصرة. فالحكومات تميل بشكل متزايد إلى التدخلات التي تقع في قمة الهرم، أي بالضبط حيث تكون الفاعلية أضعف ومخاطر الإجحاف أعلى. هذه السياسات جذابة سياسيًا لأنها تحافظ على «مظهر العمل» دون تحدي التوزيعات الأساسية للقوة أو الموارد. كما أنها تتماشى تمامًا مع سرديات المسؤولية والاستحقاق. لكنها غير ملائمة البتة لمعالجة الحرمان الهيكلي.
من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن المراجعة توضح أن التدخلات التي تتطلب «فاعلية عالية» ليست عقيمة بطبيعتها. فهي، عند تصميمها بعناية ودمجها ضمن أنظمة داعمة وتوجيهها لفئات محرومة محددة، يمكن أن تقدم فوائد ملموسة. المشكلة تنشأ حين تًنشر هذه التدخلات كبدائل للإصلاح الهيكلي بدلًا من أن تكون مكملة له.
ومن المهم أيضًا التمييز بين «عدم المساواة» (Inequality) و«الإجحاف» (Inequity). فعدم المساواة يصف الاختلاف، أما الإجحاف فيصف الظلم. ليس كل تباين في الصحة غير عادل؛ فالعمر والبيولوجيا والصدفة تلعب دورًا. ولكن حين يختلف متوسط العمر المتوقع بمقدار عقد كامل تبعًا لمستوى الدخل، وحين تتركز الحالات التي يمكن الوقاية منها بشكل متوقع بين الأشد فقرًا، وحين تحابي القرارات السياسية باستمرار أولئك الذين يتمتعون بالامتيازات سلفًا، فإن القضية هنا ليست اختلافًا، بل ظلم.
توضح المراجعة الشمولية بجلاء أن الإجحاف «يُنتج» عبر خيارات سياسية. إنه ليس نتاجًا ثانويًا حتميًا للتعقيد، ولا بقايا مؤسفة للسلوك الفردي. إنه يتقلص حين تقوم الحكومات بإعادة التوزيع والتنظيم والحماية. ويتسع حين تنسحب وتُفرّد المشاكل وتمارس الوعظ. هذا التمييز مهم لأنه يوضح المسؤولية. فإذا كان الإجحاف أمرًا مصنوعًا، فإنه قابل للتفكيك أيضًا.
إن تكلفة استمرار هذا التشخيص الخاطئ باهظة. فالتفاوتات الصحية تفرض أعباء اجتماعية واقتصادية عميقة، وتجهد النظم الصحية، وتقلل الإنتاجية، وترسخ الحرمان عبر الأجيال. إن الإصرار على حلول تتطلب «فاعلية عالية» مع إهمال الإصلاح الهيكلي ليس مجرد نهج غير فعال فحسب، بل هو ضار فعليًا.
يجب أن يتحول التركيز بشكل حاسم: بعيدًا عن لوم الأفراد على خوضهم في بيئات معادية؛ وبعيدًا عن تقديس «الخيار» مع سحب الدعم؛ وبعيدًا عن الحلول الرقمية التي تحجب الحرمان المادي؛ ونحو سياسات تجعل الحياة الصحية هي «الأصل» أو الوضع الافتراضي، وليست مكافأة لجهد استثنائي.
يتطلب هذا استعادة الرعاية الاجتماعية بوصفها تدخلًا صحيًا، والتعامل مع الإسكان كبنية تحتية أساسية، وتنظيم الأسواق التي تتربح من الضرر، وتصميم أنظمة صحية تمتص المخاطر بدلًا من إعادة توزيعها إلى أسفل السلم الاجتماعي. وفوق كل شيء، يتطلب الأمر رفض الخرافة المريحة القائلة بأن الحرية يمكن أن توجد دون مسؤولية جماعية.
إن الدول التي تتنصل من واجباتها لا تخلق مواطنين أحرارًا، بل تخلق مواطنين غير متساوين. وإلى أن تواجه الدول مرتفعة الدخل هذه الحقيقة، ستستمر في تشخيص الإجحاف بشكل خاطئ، وستصف الحلول الخاطئة، وتتساءل: لماذا تستمر الفجوة في الاتساع؟
- نُشر في Jacobin بتاريخ 6 فبراير 2026.