عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف حسين

لماذا ظهرت الواقعية في السينما العالمية؟ ج 2

2026.06.06

لماذا ظهرت الواقعية في السينما العالمية؟ ج 2

 

اتخذت صناعة السينما في الولايات المتحدة الأمريكية في بدايتها اتجاهًا مال بشدة نحو النزعة التجارية. وقد تجلَّى ذلك في تصنيفات الأفلام الأمريكية الأبرز خلال تلك الفترة، وهي:

·         الكوميديا: اقتصرت أفلام هذا التصنيف على الكوميديا الجسدية شديدة المبالغة، والتي قادها نجوم بارزون مثل تشارلي تشابلن وباستر كيتون.

·         أفلام الغرب الأمريكي: تميَّزت حبكات هذا التصنيف بأنَّها مليئة بالحركة، وتدور أحداثها على الحدود الأمريكية.

·         الميلودراما والرومانسية: مالت حبكاتها إلى المبالغة الدرامية الشديدة، ورغم كونها صامتة (دون حوار منطوق)، فإنَّها لاقت رواجًا عالميًّا واسعًا.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي، اختلفت صناعة السينما في أوروبا تمامًا عن مثيلتها الأمريكية؛ إذ ركَّزت على المواضيع المجردة أو الفكرية.

 كما شهدت أوروبا في مرحلة مبكرة جدًّا من تاريخ السينما ظهور مدارس سينمائية متنوعة، من أهمها:

·         التعبيرية الألمانية (German Expressionism): تميَّزت بديكورات مشوهة، وإضاءة عالية الظلال لنقل حالة من الرعب النفسي، كما برز في الفيلم الألماني «خزانة الدكتور كاليجاري» (Das Cabinet des Dr. Caligari) إنتاج عام 1920.

·         المونتاج السوفيتي (Soviet Montage): ركز رواد هذه المدرسة، مثل سيرجي أيزنشتاين، على تقنيات مونتاج ثورية اختلفت كليًّا عن الأفلام الأمريكية في تلك الفترة، ويُعدُّ فيلم «المدرعة بوتمكين» (Battleship Potemkin) إنتاج عام 1925 أبرز أمثلتها.

·         الملاحم التاريخية (Historical Epics): لاقت رواجًا كبيرًا، خاصة في إيطاليا، مثل فيلم «كابيريا» (Cabiria) إنتاج عام 1914، الذي استخدم ديكورات مميزة وعالية التكلفة ومشاهد معارك ضخمة، مما ترك أثرًا بالغًا على صناعة السينما في هوليوود لاحقًا.

·         الانطباعية الفرنسية (French Impressionism): تمثلت في تجارب مُبكِّرة رائدة في التصوير السينمائي والإيقاع البصري.

 

إرهاصات الواقعية ما قبل الحرب

في المرحلة الأولى لصناعة السينما (1895 - 1914)، ظهرت إرهاصات للسينما الواقعية في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، سواء من خلال الأفلام التسجيلية التي سارت جنبًا إلى جنب مع الأفلام الروائية، أو عبر الأفلام الروائية القصيرة.

وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، استغل صناع السينما هذا الفن كوسيلةٍ للدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي، مسلطين الضوء على قضايا مثل التصنيع، حقوق المرأة، ومعاناة فقراء المدن. ومن أبرز المواضيع السينمائية حينها:

·         الفقر والعمل: صورت أفلام مُبكِّرة قسوة الحياة داخل المصانع؛ ففي عام 1904، وثَّق فيلم «فتيات يأخذن شيكات ختم الوقت» (Girls Taking Time Check) دخول النساء في أمريكا إلى سوق العمل الصناعي.

·         حقوق المرأة: تناولت السينما الأمريكية حركة المطالبة بحق المرأة في التصويت مبكرًا في عام 1912، من خلال فيلم «فرقة الذراع القوية للمستقبل».

·         الرذيلة: حقَّقت الأفلام التي تناولت موضوع «العبودية البيضاء» (الدعارة القسرية) نجاحًا كبيرًا في الدنمارك والولايات المتحدة، رغم إثارتها جدلًا واسعًا.

 

صدمة الحرب.. وميلاد الواقعية الأوروبية

هنا يبرز سؤال مهم حول تلك المرحلة المبكرة: هل كان للحرب العالمية الأولى أي تأثير في ظهور تيار الأفلام الواقعية؟

الإجابة ببساطة: «نعم».

 لقد تركت الحرب أثرًا كبيرًا في ظهور الواقعية السينمائية الأوروبية بطريقة اختلفت كثيرًا عن أثر الحرب الثانية. كانت الحرب الأولى بمثابة صدمة ولَّدت حالةً من الوعي السينمائي لم تكن موجودة قبل اندلاعها، وتجلت مظاهر هذا التحوُّل في:

1- الاختفاء الجزئي لأفلام الكوميديا والملاحم التاريخية والأفلام الرومانسية.

2- ظهور تيار «الواقعية النفسية» في فرنسا، حيث تأثر مخرجون مثل لويس ديلوك وجان رينوار بتجربة الحرب، مما أدى لظهور «الانطباعية السينمائية» التي ركزت على المشاعر الحقيقية والمعاناة الإنسانية بعيدًا عن المبالغات المسرحية، مع تغيير واضح في زوايا التصوير والإضاءة.

3- ظهور مدرسة «السينما عين» (Kino-Glaz) في روسيا؛ نتيجة للحرب والثورات التي تلتها، حيث نادى المخرج «دزيجا فيرتوف» بإلغاء التمثيل والديكور تمامًا، معتبرًا أنَّ السينما الروائية نوع من «المخدرات»، وأنَّ الكاميرا يجب أنْ ترصد الواقع الملموس، مما شكَّل حجر الأساس للسينما الواقعية.

4- ظهور تيار «الواقعية المطلقة» (Kammerspielfilm) في ألمانيا، أو «أفلام الغرفة»، مبتعدًا عن خيال التعبيرية، ليركز على حياة الطبقة العاملة المسحوقة بفعل أزمات ما بعد الحرب، مسلطًا الضوء على تفاصيل الحياة اليومية البسيطة.

5-  تطور الفيلم التسجيلي كأداة إخبارية؛ حيث أُرسل المصورون إلى الجبهات، وساعد التَّطوُّر في صناعة الكاميرات المحمولة على نقل مَشاهد حقيقية للجمهور، وهو ما مهَّد لاحقًا لظهور سينما روائية واقعية تقترب في أسلوبها من التسجيلية.

 

السينما كمرآة ديموغرافية واجتماعية

بعيدًا عن السينما الأمريكية ذات التوجُّهات الخاصة، تُعدُّ السينما في أغلب دول العالم مرآةً صادقةً لأنماط الحياة ووسيلة توثيق زمنية مهمة؛ فهي ترصد أشكال الملابس، الأدوات، تطوُّر اللغة، وطرق التعامل. وعند مشاهدة أي عمل سينمائي قديم، يمكن استكشاف نمط الحياة في تلك الفترة، ولذلك كان لتيارات السينما الواقعية دور حاسم في رصد المتغيرات من منظور اقتصادي واجتماعي وسياسي.

السينما الفرنسية تُقدِّم نموذجًا واضحًا لذلك؛ فقبل السبعينات، كانت شخصيات الأفلام فرنسيةً خالصةً. ولكن مع التغيُّر الديموغرافي، بدأت الشخصيات الأفريقية المهاجرة تظهر بوضوح في السبعينات، تلتها في التسعينات الشخصيات العربية الوافدة من شمال أفريقيا، فأصبح ظهور أسماء عربية وشخصيات محجبة أمرًا مألوفًا.

 ومؤخرًا، وعقب ثورات الربيع العربي عام 2011، برزت الشخصية السورية وقصص اللاجئين ورحلات عبورهم ومعاناتهم في العديد من الأفلام الأوروبية والفرنسية.

 

مصر.. صُنَّاع حقيقيون في غياب الصناعة

إنَّ علاقة صناعة السينما بمشكلات المواطنين هي علاقة متأرجحة؛ تزداد طرديًّا مع سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وعكسيًّا مع تحسنها. ورغم التفاوت الاقتصادي بين الدول الأكثر اهتمامًا بمناقشة مشكلاتها سينمائيًّا، فقد شملت القائمة دولًا مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا (أوروبا)، والصين والهند وإيران وكوريا الجنوبية (آسيا)، والمكسيك والبرازيل (الأمريكتان)، ومصر ونيجيريا والمغرب (أفريقيا).

هذا التصنيف يؤكد أنَّ صُنَّاع السينما في مصر امتلكوا وعيًا كافيًا على مرِّ الأجيال - بداية من الخمسينات - لرصد هموم المواطن المصري، رغم هيمنة المعايير الإنتاجية التي تستهدف الربح السريع.

ورغم أنَّ تلك الأعمال الخالدة كانت نتاج محاولات فردية، فإنَّها وضعت مصر في قائمة الدول الأكثر اهتمامًا بمناقشة هموم مواطنيها على الشاشة، وهو ما يؤكد حقيقة راسخة: لقد كان لدينا في كثير من الفترات صُنَّاع سينما حقيقيون، رغم غياب صناعة سينما حقيقية.