هوامش
سارة مُكنيشماعة المهاجرين: كيف تشتري السلطة في تونس بقاءها بأموال أوروبا؟
2026.07.04
شماعة المهاجرين:
كيف تشتري السلطة في تونس بقاءها بأموال أوروبا؟
في يوليو/تموز 2021، استأثر الرئيس التونسي قيس سعيد بكامل السلطات، واضعًا بذلك حدًّا لعقد من الحكم الديمقراطي الذي أسَّسته الجماهير في أعقاب ثورة 2011، والتي عُرفت كمهد لـ«الربيع العربي». واليوم، تسعى السلطة الاستبدادية لإخفاء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة خلف ستار من الدعاية الحكومية، مُروِّجة لمزاعم «الاستبدال العظيم» الذي يقوده المهاجرون القادمون من دول أفريقيا جنوب الصحراء.
يُوظَّف هذا الخطاب لتبرير سياسات عنيفة ومناهضة للهجرة، وهي سياسات تحظى بتمويل مباشر من القوى الإمبريالية الأوروبية. وفي موازاة ذلك، يتصاعد منحنى الهجمات العنصرية، مصحوبًا بحملة ممنهجة لتجريم الحركات المناهضة للعنصرية وأشكال المعارضة السياسية كافة؛ وهي سياسات قمعية تواجه إدانة ورفضًا من قبل قطاعات واسعة من الشعب التونسي.
تكميم الأصوات: قضية سعدية مصباح نموذجًا
في يوم الخميس، 19 مارس، صدر حكم قُوبل بصدمة واسعة ضد الناشطة المناهضة للعنصرية سعدية مصباح، المسجونة منذ عامين. قضى الحكم بسجنها لمدة 8 سنوات وتغريمها 100 ألف دينار (نحو 30 ألف يورو) بتهم مُلفقة تتعلق باختلاس الأموال. ولم تتوقف آلة القمع عند هذا الحد؛ بل طالت محاميها بتهمة «غسل الأموال»، وصدر حكم بسجن ابنها فارس 3 سنوات نافذة، وسجن ناشطة أخرى لمدة عامين، بينما حُفظت القضية بحق ثلاثة أعضاء آخرين في الجمعية التي تديرها سعدية.
خلال المحاكمة، أثبتت المحامية منية العابد استحالة تكييف أفعال موكلتها تحت بند «غسل الأموال»؛ فالأرصدة المالية لم تتجاوز نحو 8000 يورو في حساب سعدية الشخصي، ونحو 9500 يورو في حساب جمعيتها المناهضة للعنصرية (لوموند). بالنسبة لعشرات النشطاء الذين تجمهروا أمام محكمة تونس، كانت الرسالة واضحة: العقاب هنا ليس على جريمة مالية، بل هو ثمن الوقوف في وجه «عنصرية الدولة».
لقد لجأ النظام، كما فعل مرارًا هذا العام، إلى أسلوبه المعتاد: إدانة المعارضين باتهامات باطلة لتكميم الأفواه. وهو الأسلوب ذاته الذي أدى إلى سجن الصحفي مراد الزغيدي (المضرب حاليًا عن الطعام)، وبرهان بسيس، والمحامية والمحللة سنية الدهماني، بمدد تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام على خلفية انتقادهم للسلطة.
مسيرة نضالية من حلم المساواة إلى غياهب السجون
بدأت سعدية مصباح حياتها المهنية كمضيفة طيران، لكنها كرَّست جهودها للدفاع عن مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء والتونسيين ضحايا التمييز، بعد أن كابدت شخصيًّا لسنوات مرارة العنصرية ضد السود و«النيغروفوبيا» (رهاب السود).
وبصفتها رئيسةً لجمعية «منامتي» (حلمي)، قادت سعدية الحركة المناهضة للعنصرية، وكانت صوتًا جهوريًّا في الدفاع عن المهاجرين. قادت التَّحرُّكات الشعبية التي شكَّلت ضغطًا على حكومة الباجي قائد السبسي السابقة، مما أثمر عن تبني قانون تاريخي غير مسبوق في عام 2018 يُجرِّم التمييز العنصري، لتصبح تونس أول دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقرُّ مثل هذا التشريع. كما يعود لها الفضل، منذ عام 2012، في المطالبة بإعلان يوم 23 يناير يومًا وطنيًّا لإحياء ذكرى إلغاء العبودية في تونس (والتي أُلغيت عام 1846).
رفضت سعدية الصمت أمام تصاعد عنصرية الدولة وتغول الاستبداد، فكان ثمن ذلك سجنها في عام 2024. فمنذ فبراير 2023، تبنَّى الرئيس قيس سعيد خطابًا إقصائيًّا، محذرًا من «جحافل من المهاجرين غير النظاميِّين» ومؤامرة مزعومة تهدف إلى «تغيير التركيبة الديموغرافية» وتهديد «الهوية الوطنية العربية الإسلامية». شكَّلت هذه التصريحات شرارةً أشعلت حملات كراهية عنيفة ضد المهاجرين، بلغت ذروتها في مذابح «بوغروم» ضد السكان السود في مدينة صفاقس.
تسعى السلطة الاستبدادية اليوم إلى توجيه الغضب الاجتماعي بعيدًا عن فشلها الاقتصادي، جاعلة من المهاجرين الأفارقة «كبش فداء» لإفقار الطبقة العاملة. وتتبنى الدولة التونسية الخطاب الكاذب ذاته، الذي يستخدمه اليمين المتطرف الأوروبي؛ حيث تتهم المهاجرين بتفاقم أزمة البطالة ومعاناة الشعب، في مفارقة مريرة تُبرِّر العنف الذي يمارسه الاتحاد الأوروبي نفسه ضد المهاجرين، بمَن فيهم التونسيون الساعون للوصول إلى أوروبا.
تمويل أوروبي لسياسات القمع
يتزامن تصاعد «النيغروفوبيا» التابعة للدولة وموجات العنف ضد المهاجرين، مع توقيع مذكرة التفاهم سيئة السمعة بين تونس والاتحاد الأوروبي في يوليو 2023. بموجب هذه المذكرة، التي رعتها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، تمأسست عنصرية الدولة بمباركة أوروبية. فقد ارتُكبت جرائم موثقة شملت عمليات تهجير قسري وتعذيب، وتُرك مهاجرون ليموتوا جوعًا وعطشًا في الصحراء. كما أسفرت المذكرة عن تصاعد ملحوظ في عمليات ترحيل المهاجرين التونسيين غير النظاميِّين من أوروبا.
في البداية، رفض الرئيس التونسي شروط صندوق النقد الدولي (التي تضمَّنت رفع الدعم عن السلع الأساسية كالخبز، وهو ما أنذر باشتعال اضطرابات واسعة كما حدث في الثمانينات)، لكن مع تفاقم الأزمة، استقبلت السلطة بحفاوة تمويلًا أوروبيًّا يقارب 900 مليون يورو في 2023. خُصِّص من هذا المبلغ 105 ملايين يورو من أوروبا، و26 مليونًا إضافية من فرنسا وحدها، لتجهيز وتدريب قوات خفر السواحل التونسية - التي تُوجَّه لها انتقادات حادة؛ بسبب أساليبها المميتة - لمنع قوارب الهجرة من الانطلاق، خاصة من سواحل صفاقس.
مخيمات العزل وعنف الترحيل «الطوعي»
في عام 2025، نشر موقع «نواة» تقييمًا لهذه المذكرة الأوروبية التونسية، كاشفًا عن فشل ذريع للحكومة في وقف تدفق المهاجرين، ومحذرًا من أزمة إنسانية كارثية. فبينما يقبع النشطاء المدافعون عن المهاجرين في السجون، لجأت السلطات إلى خطة عبثية: جمع المهاجرين المُعتَرَضين في البحر، وحشرهم في مخيمات عشوائية على الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون بين معتمديتي جبنيانة والعامرة (جنوب تونس). أسفر ذلك عن تداعيات سلبية خطيرة؛ حيث تكبَّد المزارعون التونسيون خسائر فادحة، واندلعت اشتباكات عنيفة بينهم وبين اللاجئين المُسكَّنين قسرًا في أراضيهم.
إلى جانب ذلك، تشنُّ السلطات حملات طرد جماعي تحت مُسمى «العودة الطوعية». ففي يوليو 2025، أفادت مصادر رسمية بترحيل نحو 4500 مواطن أفريقي بتنسيق بين وزارة الداخلية والهلال الأحمر والسلطات المحلية. وبالتوازي، مارس قيس سعيد ضغوطًا على المنظمة الدولية للهجرة (OIM) التي تدير برنامج «المساعدة على العودة الطوعية وإعادة الإدماج (AVRR)». ومنذ انطلاقه في 2022، أشرف البرنامج على إعادة 22377 مهاجرًا (منهم 2103 في مطلع 2026 فقط)، وسط استعدادات لتسيير 400 رحلة إضافية. إنها سياسة طرد قسري مُقنَّعة تجري تحت وطأة القمع والتهميش الشديدَين، وتفرض إدانة صريحة للدور الإمبريالي الأوروبي الذي حوَّل تونس إلى شرطي حدود قمعي.
العنصرية والعنف الجنسي: الجرح الغائر
تضاعفت مؤخرًا الهجمات العنصرية ضد المهاجرين الذين يعتبرون تونس مجرد محطة عبور نحو أوروبا. في صفاقس، انتشر مقطع فيديو مروع يوثِّق تهديد مواطنين تونسيِّين لمهاجرة أفريقية بالاغتصاب. ورغم الصدمة الواسعة والإدانة الشعبية لهذا المقطع، جاء رد الفعل الرسمي صادمًا؛ حيث ظهر النائب عن صفاقس، طارق المهدي، ضاحكًا أمام الكاميرات ليقلل من شأن الحادثة، مُطلقًا تصريحات متحيزة جنسيًّا وعنصرية تبرِّر الاغتصاب، متهكمًا بأنَّه لا توجد حاجة لاغتصاب الأفريقيات لأن «يوجد ما يكفي من الجمال في تونس!»، وهو ما أجبره لاحقًا على الاعتذار تحت ضغط الغضب الشعبي.
صعود الاستبداد.. وتحالف المضطهدين
لا يمكن فصل تصاعد العنصرية عن سياق التغول الاستبدادي للنظام. فبعد ثورة 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، تمتعت تونس بنظام ديمقراطي نسبي. لكن في صيف 2021، مستغلًا الأزمة الوبائية والسخط الشعبي ضد الفساد وحزب «النهضة»، نفَّذ قيس سعيد انقلابه الدستوري. ورغم دعمه الأولي من بعض القطاعات الشعبية، فإنَّ البلاد تشهد اليوم انتكاسةً عنيفةً في الحقوق والحريات؛ حيث امتلأت السجون بالمعارضين والنشطاء والصحفيين والأكاديميين، بل وصل الأمر إلى تمديد عقوبة سجين لمجرد رفضه مشاهدة خطاب تلفزيوني للرئيس.
إنَّ إدانة العنف العنصري المدعوم بمشاريع نقل الحدود الأوروبية إلى الجنوب هو واجب حتمي. يجب معارضة السياسات الإمبريالية، وعلى الجماهير التونسية أن تقف ضد سياسات الاستبداد التي تقمع المهاجرين وتُفقر الشعب في آنٍ واحد. وفي هذا السياق، جاءت المسيرة المناهضة للعنصرية مساء السبت، 20 يونيو، كصرخة تضامن مع المهاجرين وتنديد بدور النظام في حماية حدود أوروبا.
إنَّ استمرار النظام في سدة الحكم، على الرغم من سياساته القمعية التي أدت إلى إفقار الشعب التونسي، يُعزى بشكل كبير إلى استغلاله للنزعة القومية وتأجيجه للخطاب العنصري. فالسلطة الحاكمة تجد مصلحةً سياسيةً في إحداث شرخ بين ذوي البشرة السمراء والمواطنين العرب؛ بهدف تفتيت وحدة الطبقات الشعبية والعاملة، وإثنائهم عن النضال ضد السياسات المسؤولة عن تدهور أوضاعهم المعيشية.
ومن خلال تبني خطاب شعبوي أبوي يروِّج لفزاعة «العدو الداخلي» - الذي يُزعم أنَّه يهدِّد بتغيير التركيبة الديموغرافية ويسلب وظائف العمال التونسيين - يُحرّض رأس السلطة المواطنين على استهداف المهاجرين. وبذلك، ينجح في تشتيت بوصلة الغضب الاجتماعي، مُتجنبًا اندلاع موجة احتجاجات كبرى جديدة.
في غضون ذلك، تكابد تونس أزمة غير مسبوقة تتجلى في معدلات تضخم قياسية، وتراكم أعباء الدين العام، وبطالة مستشرية تتجاوز حاجز الـ40% بين صفوف الشباب، ناهيك عن النقص الحاد في السلع الغذائية الأساسية المتأثر بتداعيات الأزمات العالمية. ومما يزيد الطين بلة، تفاقم الكوارث البيئية؛ ففي مدينة قابس بالجنوب، تُسجَّل مستويات تلوث مميتة تسببت في انتشار أمراض السرطان، وتدمير الحياة البرية والبحرية.
أمام هذا الواقع المأساوي، بات الشباب لا يرون أمامهم أفقًا للنجاة سوى مغادرة البلاد.
لذا، ينبغي للقوى الحية والجماهير أن تنظِّم صفوفها لمواجهة السياسات العنيفة والمناهضة للمهاجرين التي ينتهجها الحاكم المستبد، والتي تُكرِّس لعمليات الترحيل القسري للقادمين من مختلف الدول. كما تتحتم إدانة الفساد، وتغول الطبقة البرجوازية في إثرائها الفاحش، ومساعي عسكرة الدولة، وذلك عبر بناء تحالف متين يضم المضطهدين كافة على الأراضي التونسية.
ختامًا، وكما نظّر المفكر الراحل مهدي عامل، لا انتصار لأي ثورة دون الإطاحة بالطبقة الحاكمة الخاضعة بطبيعتها لمصالح البرجوازية الإمبريالية، وهو ما يتطلب تحالفًا عضويًّا بين المضطهدين كافة الأرض.