عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

أشرف إبراهيم

النظام التعليمي كأداة للرقابة الذاتية: تحليل البنية العميقة للمناهج المصرية

2026.05.23

النظام التعليمي كأداة للرقابة الذاتية:

تحليل البنية العميقة للمناهج المصرية

 

فلسفة الإذعان التربوية.. وتصنيع الامتثال

إنَّ أيَّ محاولة جادة لتفكيك البنية العميقة للنظام التعليمي في مصر تتطلب منا بالضرورة تجاوز تلك القشرة السطحية من الشعارات البراقة التي تتحدَّث عن التنوير وبناء المستقبل واللحاق بركب الحداثة، لنتجه مباشرة نحو تحليل الوظيفة المؤسسية الحقيقية التي تؤديها المدرسة والجامعة داخل هيكل السلطة القائمة، فإذا ما نظرنا إلى التعليم بوصفه مؤسسةً اجتماعيةً واقتصاديةً سنجد أنَّه لا يعمل في فراغ، بل هو جزء عضوي من منظومة الهيمنة التي تسعى في المقام الأول إلى إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية والسياسية السائدة، وضمان استمراريتها دون أي تهديد جوهري.

 وهذا يقودنا إلى الفرضية المركزية التي يجب أنْ تحكم هذا التحليل، وهي أنَّ النظام التعليمي المصري بصورته الحالية لم يُصمَّم لإنتاج عقول نقدية قادرة على المساءلة والابتكار وتحدي الوضع القائم، بل صُمِّم هندسيًّا وتاريخيًّا لإنتاج ما يمكن تسميته بالمواطن القابل للانقياد أو الفرد الذي يمتلك رقيبًا ذاتيًّا داخليًّا يمنعه من تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها السلطة.

هذا الهدف لا يتحقَّق عبر الصدفة أو العشوائية الإدارية كما يحلو للبعض أنْ يصوِّر الأمر عند الحديث عن تدهور التعليم، بل هو نتاج آليات ممنهجة ومستقرة في صلب العملية التربوية ذاتها.

عند النظر في منهجية التلقين التي تُشكِّل العمود الفقري للمناهج الدراسية المصرية نجد أنَّها تُمثِّل الآلية الأولى والأكثر فتكًا في عملية تدجين الوعي، فاعتماد النظام التعليمي بشكل شبه كلي على الحفظ والاستظهار واختبارات الذاكرة قصيرة المدى ليس مجرد خيار تربوي متخلف عفى عليه الزمن، بل هو تقنية سياسية بامتياز تهدف إلى ترسيخ مفهوم محدد للحقيقة في ذهن الطالب، فالحقيقة في هذا السياق ليست شيئًا يتم البحث عنه أو اكتشافه عبر التجربة والخطأ والجدل العقلي، بل هي كتلة صلبة ومقدسة تتدفق من الأعلى إلى الأسفل، من الوزارة إلى المُعلم، ثم إلى الطالب، الذي يتحوُّل دوره إلى مجرد وعاء سلبي للاستقبال.

وهذه المنهجية تغرس في اللاوعي الجمعي للطلاب منذ نعومة أظفارهم فكرة أنَّ السلطة هي المصدر الوحيد للمعرفة، وأن الخروج عن النصِّ الرسمي أو الكتاب المدرسي ليس مجرد خطأ أكاديمي يؤدي إلى فقدان الدرجات، بل هو انحراف أخلاقي وسلوكي يستوجب العقاب.

ولعلنا نرى تجليات ذلك بوضوح صارخ في نظام الثانوية العامة الذي يُمثِّل ذروة سنام هذا القمع التربوي، حيث يتحوُّل التعليم إلى حالة من الرعب النفسي والضغط العصبي الهائل الذي لا يهدف لقياس الفهم أو القدرات التحليلية، بل لقياس مدى قدرة الطالب على الامتثال الحرفي للنموذج الموحد للإجابة، هذا النموذج الذي يقتل أي بادرة للتفكير المستقل ويجعل الدرجة النهائية هي الغاية القصوى بغض النظر عن القيمة المعرفية مما يُنتِج في النهاية جيلًا من التكنوقراط والموظفين القادرين على تنفيذ الأوامر بكفاءة، لكنهم عاجزون تمامًا عن التفكير في لماذا صدرت هذه الأوامر أصلًا.

 

هندسة الذاكرة.. والمنهج الخفي

بالانتقال إلى تحليل المحتوى المعرفي للمناهج، خاصة في مواد التاريخ والدراسات الاجتماعية والتربية الوطنية، نجد أننا أمام عملية هندسة دقيقة للذاكرة التاريخية تهدف إلى خلق سردية وطنية مشوهة تخدم شرعية النظام الحالي، فكتب التاريخ المدرسية في مصر لا تدرس التاريخ بوصفه صراعًا اجتماعيًّا وسياسيًّا معقدًا تتداخل فيه المصالح والأهواء والقوى المختلفة، بل تقدمه كسلسلة من البطولات الفردية التي يقوم بها الحكام والزعماء، حيث يظهر الرجل العظيم أو القائد الملهم كمحرك وحيد للأحداث، بينما يتم تهميش دور الجماهير، والحركات الشعبية، والنقابات العمالية، والمجتمع المدني بشكل كامل ليظهر الشعب في الخلفية دائمًا بوصفه «كومبارس صامت» إما يصفق للقائد، أو ينتظر الخلاص على يديه.

هذه السردية تخلق حالةً من الاغتراب التاريخي لدى الطالب الذي لا يجد لنفسه أو لطبقته الاجتماعية مكانًا في صنع تاريخ بلاده، كما أنَّها ترسِّخ فكرة أنَّ التغيير السياسي والاجتماعي حكر على النخبة الحاكمة، وأنَّ أي حراك شعبي من الأسفل هو بالضرورة فوضى أو مؤامرة خارجية.

يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في كيفية تناول المناهج لحقبات تاريخية مفصلية مثل ثورة 1952 أو حروب المنطقة حيث يتم تنقية السرد من أي أخطاء أو إخفاقات للسلطة، وتبرير الهزائم بمؤامرات كونية، وتضخيم الإنجازات البيروقراطية للدولة، مما يمنع الطالب من تطوير أي فهم نقدي للأسباب الحقيقية وراء الأزمات التي تعيشها بلاده اليوم، سواء كانت اقتصادية أو سياسية، ويجعله أسيرًا لتفسيرات ميتافيزيقية أو تآمرية تريحه من عناء البحث عن الخلل البنيوي في نظامه السياسي.

لا يقتصر الأمر على المناهج المعلنة في الكتب والامتحانات، بل يمتد ليشمل ما يعرف في علم الاجتماع التربوي بـ«المنهج الخفي»، وهو مجموع القيم والسلوكيات والرسائل الضمنية التي يتلقاها الطالب من خلال بيئة المدرسة وتنظيمها الإداري وطقوسها اليومية، فالمدرسة الحكومية المصرية في تصميمها المعماري بأسوارها العالية وبواباتها الحديدية ونظام المراقبة الصارم فيها تشبه إلى حد كبير المؤسسة العقابية أو الثكنة العسكرية، حيث يتم تدريب أجساد الطلاب قبل عقولهم على الانضباط والخضوع.

طقوس الطابور الصباحي وتحية العلم وترديد الشعارات الوطنية بطريقة آلية مفرغة من المعنى لا تهدف إلى غرس حب الوطن القائم على المشاركة والمسؤولية، بل تهدف إلى غرس الوطنية الطقوسية التي تختزل الانتماء في الطاعة العمياء للرموز، والتماهي مع الدولة وجيشها وشرطتها.

كما أنَّ العلاقة الهرمية المتسلطة بين المعلم والطالب، والتي غالبًا ما تتسم بالقمع والعنف اللفظي وأحيانًا الجسدي، تعيد إنتاج علاقة الحاكم بالمحكوم داخل الفصل الدراسي ليتعلم الطالب أنَّ صاحب السلطة يملك الحق في القهر، وأنَّ الطرف الأضعف عليه واجب السمع والطاعة، وأنَّ أي محاولة للاعتراض أو النقاش العقلاني هي قلة أدب وتجاوز للمقامات، وهذا التدريب اليومي المستمر لمدة 12 عامًا يخلق شخصيةً نمطيةً تخشى السلطة في كل تجلياتها سواء كان مدير العمل، أو ضابط الشرطة، أو المسؤول الحكومي، وتؤثر السلامة والامتثال كاستراتيجية للبقاء.

 

الاقتصاد السياسي للفرز الطبقي

إذا ما تعمَّقنا أكثر في البنية الاقتصادية للتعليم وعلاقتها بالرقابة الذاتية والضبط الاجتماعي لا يمكننا تجاهل التًّحوُّلات النيوليبرالية العنيفة التي شهدها قطاع التعليم في العقود الأخيرة، والتي أدت إلى تآكل مفهوم التعليم كحقٍّ إنسانيٍّ وخدمةٍ عامةٍ لصالح مفهوم التعليم كسلعة.

فقد أدى انسحاب الدولة التدريجي من تمويل التعليم العام، وتدهور جودته بشكل متعمد، إلى خلق نظام تعليمي طبقي بامتياز، حيث تنعزل النخبة الاقتصادية والطبقة العليا في مدارس دولية وخاصة تُقدِّم مناهج مختلفة ولغات أجنبية ومهارات تفكير وإن كانت تخدم في النهاية منطق السوق الرأسمالية، بينما تُترك الغالبية العظمى من أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة في مدارس حكومية متهالكة ومكتظة تَحولت وظيفتها من التعليم إلى مجرد الاحتواء أو حجز الطلاب لحين بلوغهم سن العمل.

هذا الفرز الطبقي المبكِّر يرسِّخ في وعي الطلاب شعورًا بالدونية أو الاستحقاق بناءً على موقعهم الطبقي، كما أنَّ ظاهرة الدروس الخصوصية، التي تَحولت إلى اقتصاد موازٍ ضخم يلتهم دخل الأسرة المصرية، تعمل كآلية إضافية للضبط حيث تحول المعرفة إلى سلعة تُشترَى بالمال، وتعلم الطالب أنَّ النجاح لا يعتمد على الجهد والبحث داخل المؤسسة الرسمية، بل على القدرة المالية للوصول إلى مفاتيح الامتحان التي يمتلكها أباطرة الدروس الخصوصية، وهذا يعزِّز القيم الفردية الأنانية على حساب القيم الجماعية، ويجعل من التعليم ساحةً للصراع الدارويني البحت بدلًا من أنْ يكون ساحةً للتضامن الاجتماعي والنمو الفكري.

 

تدجين الأكاديميات.. واغتراب الهوية

في سياق التعليم الجامعي الذي يفترض أنْ يكون فضاءً للحرية الأكاديمية والبحث العلمي المستقل، نجد أنَّ القبضة الأمنية والرقابية تشتد لتخنق أي محاولة للخروج عن السرب، فالتدخلات الأمنية في تعيين القيادات الجامعية من عمداء ورؤساء جامعات، وحتى في الموافقة على سفر الباحثين أو اختيار موضوعات رسائل الماجستير والدكتوراه حوَّلت الجامعة من منارة للفكر إلى مجرد امتداد للجهاز البيروقراطي للدولة.

حيث يميل الباحثون والأكاديميون الشباب إلى ممارسة رقابة ذاتية صارمة على أبحاثهم؛ خوفًا من التعطيل الإداري أو الملاحقة الأمنية، فيبتعدون عن الموضوعات الشائكة سياسيًّا أو اجتماعيًّا؛ مثل قضايا الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان أو نقد السياسات الاقتصادية ويلجأون إلى موضوعات نظرية مجردة أو تقنية بحتة لا تمس الواقع؛ مما أدى إلى إفراغ البحث العلمي في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية من مضمونه النقدي، وتحويله إلى عملية إعادة تدوير للنظريات القديمة دون أي اشتباك حقيقي مع مشكلات المجتمع، كما تمَّ تفريغ الحركة الطلابية التي كانت تاريخيًّا وقودًا للتغيير السياسي في مصر من قوتها عبر لوائح طلابية مقيدة، وحظر النشاط السياسي داخل الحرم الجامعي، ليتَحوَّل الطالب الجامعي من مشروع قائد مستقبلي ومثقف عضوي إلى مجرد باحث عن شهادة تؤهله لسوق عمل تضيق يومًا بعد يوم.

علاوة على ذلك لا يمكن إغفال دور اللغة نفسها كأداة للسيطرة داخل النظام التعليمي، فتدريس اللغة العربية غالبًا ما يتم بطريقة جامدة تركز على القواعد الشكلية والنحوية المعقدة، وتنفصل عن وظيفة اللغة كأداة للتفكير والتعبير والتواصل والنصوص الأدبية المختارة.. غالبًا ما تكون نصوصًا تراثية تمجد الماضي أو نصوصًا وعظية تحث على الرضا والقناعة وطاعة أولي الأمر، بينما تغيب النصوص الحديثة التي تثير التساؤلات الوجودية أو الاجتماعية.

هذا الفصل المتعمد بين اللغة والواقع يجعل الطالب يشعر بالغربة تجاه لغته الأم ويراها عبئًا ثقيلًا وليست أداة للتحرُّر، وفي المقابل يتم تقديم اللغات الأجنبية كأداة للوجاهة الاجتماعية والترقي الوظيفي، مما يخلق شرخًا ثقافيًّا في الهوية ويعزِّز التبعية الثقافية للغرب، حيث يصبح النموذج الغربي هو المعيار الوحيد للتقدُّم، بينما يتم احتقار المحلي والوطني ضمنًا وهذه التبعية المعرفية تخدم مصالح النخبة الحاكمة التي تستمد شرعيتها وشبكة علاقاتها من النظام الدولي أكثر مما تستمدها من القواعد الشعبية المحلية.

 

حتمية الرقيب الداخلي

إنَّ المحصلة النهائية لهذه البنية التعليمية المُعقَّدة والمتشابكة ليست مجرد ضعف في التحصيل العلمي أو تراجع في التصنيفات الدولية، بل هي نجاح باهر في تحقيق الهدف السياسي غير المعلن للنظام، وهو إنتاج مواطن يراقب نفسه بنفسه، فالمواطن الذي تخرَّج في هذه المدارس والجامعات لا يحتاج دائمًا إلى شرطي يقف فوق رأسه ليمنعه من التفكير في الثورة أو التغيير لأنَّه قد تشرَّب الخوف والسلبية والعجز المتعلم، حتى أصبحت جزءًا من تكوينه النفسي والعقلي.

إنَّه مواطن يرى في الاستقرار، حتى لو كان استقرار القبور، قيمةً عليا، ويرى في المطالبة بالحقوق تهورًا، ويرى في السياسة شرًا يجب اجتنابه، وهذا هو الإنجاز الأكبر لأي نظام سلطوي أنْ يجعل المحكومين يدافعون عن قيودهم، ويعتبرونها سياجًا للأمان، وبالتالي فإنَّ أي حديث عن إصلاح التعليم في مصر يقتصر على إدخال التكنولوجيا، أو تغيير شكل الامتحانات، أو بناء فصول جديدة دون المساس بفلسفة التعليم السلطوية وتفكيك بنيته القمعية هو حديث عبثي ومضلل.

التعليم الحقيقي الذي يمكن أنْ ينهض بمصر والمنطقة لا بد أنْ يكون تعليمًا تحرُّريًّا يعيد للطالب إنسانيته وفاعليته، ويحوله من موضوع للإدارة إلى ذات فاعلة في التاريخ، وهذا يتطلب بالضرورة صدامًا مع هياكل السلطة القائمة التي تعتاش على الجهل والخوف؛ مما يجعل معركة التعليم في جوهرها معركةً سياسيةً من الطراز الأول لا يمكن فصلها عن النضال العام من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.