عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

نجلاء عبد الجواد

الخوارزمية تتولى القرار: الذكاء الاصطناعي.. بين وعد الخلاص وواقع الإبادة

2026.09.19

الخوارزمية تتولى القرار:

الذكاء الاصطناعي.. بين وعد الخلاص وواقع الإبادة

 

منذ عقود، ظلَّ الخيال الجمعي حول الذكاء الاصطناعي أسيرًا لصورة نمطية واحدة، هي تلك التي رسمتها «هوليوود» عن آلات تستفيق فجأة على وعيها الخاص فتنقلب على صانعيها وتخوض معهم حربًا وجودية تنتهي إما بانتصار الإنسان أو بفنائه. وقد أسهمت هذه الصورة في تحويل النقاش العام بأكمله نحو أفق بعيد افتراضي، بينما ظلَّ الخطر الحقيقي يتشكَّل بهدوء في الغرف المظلمة لوزارات الدفاع ومختبرات التطوير العسكري، بعيدًا عن الأضواء التي كانت مسلطة على روبوتات السينما وسيناريوهاتها المرعبة. والمفارقة أنَّ هذا الخطر الفعلي لا يحتاج إلى وعي آلي مستقل ولا إلى تمرد رقمي خيالي، بل يكفيه أنْ يبقى أداة صامتة طيعة بيد مَن يملك القوة، فتتحول سرعته الحسابية الهائلة وقدرته على معالجة كميات ضخمة من البيانات إلى نعمة تنقلب لعنة حين توضع في خدمة آلة القتل، بدلًا من أنَّ توضع في خدمة الإنسان.

 

«لافندر» و«البشير»: تجريد القرار العسكري من إنسانيته

وقد كشفت تحقيقات صحفية واستقصائية دولية معمقة - استندت إلى شهادات ضباط استخبارات ومصادر عسكرية مطلعة - عن الاستخدام الفعلي لأنظمة ذكاء اصطناعي عسكرية إسرائيلية في العمليات الجارية على قطاع غزة. وفي مقدمتها نظام يُعرف باسم «لافندر» (Lavender)، الذي صُمِّم خصيصًا لتحديد عشرات الآلاف من الأفراد كأهداف يُشتبه في انتمائهم لفصائل مسلحة. وذلك بالاعتماد على خوارزميات تعالج بيانات المراقبة والاتصالات وأنماط التنقل لتنتج ما يشبه بنك أهداف ضخمًا يفوق بمراحل كل ما أنتجته الحروب التقليدية السابقة من قوائم استهداف. إلى جانب أداة أخرى تحمل اسم «البشير» (The Gospel)، مخصَّصة لإنتاج توصيات آلية سريعة تتعلق بالمباني والمنشآت والمقرات التي يمكن اعتبارها أهدافًا عسكرية مشروعة. وقد ضاعفت هذه الأداة من قدرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على توليد الأهداف بمعدلات لم تكن متاحة من قبل بالاعتماد وحده على التحليل البشري البطيء والمتأني.

والأخطر من مجرد وجود هذه الأنظمة هو الدور الذي منحته القيادات العسكرية لها في سلسلة اتخاذ القرار؛ إذ تشير الشهادات إلى أنَّ الوقت المُخصَّص لمراجعة الهدف الواحد قبل الموافقة على قصفه قد تَقلَّص إلى ما يقارب عشرين ثانية فقط. وهي مدة زمنية هزيلة لا تكفي لأي تدقيق بشري حقيقي في طبيعة الهدف أو في احتمالات وجود مدنيين في محيطه، بل تتحول فيها المراجعة البشرية إلى مجرد إجراء شكلي يمنح غطاءً قانونيًّا وأخلاقيًّا زائفًا لقرار اتخذته الآلة فعليًّا سلفًا. وحين تُختَصر مسافة الفصل بين اقتراح الخوارزمية وتنفيذ القصف إلى هذا الحدِّ الهزيل، فإنَّ ما يجري ليس ترشيدًا للعمل العسكري بقدر ما هو تجريد كامل للقرار من أي حس إنساني قادر على التوقف والتساؤل والتردد، وهي لحظات التردد بالذات التي طالما شكَّلت الحدَّ الفاصل بين الحرب المنضبطة - ولو نسبيًّا - وبين المجزرة العشوائية.

ولم تقتصر خطورة هذه المنظومة على سرعة اتخاذ القرار وحدها، بل امتدت إلى السياسات التي حكمت قبول الخسائر البشرية المصاحبة لكل هدف؛ إذ إنَّ أعداد الضحايا المدنيِّين جاءت مرتفعة بشكل صادم عن العدد المسموح بسقوطه مقابل كل هدف عسكري واحد يجري استهدافه. وتبرز أيضًا خطورة النظام المخصص لتعقب أفراد بعينهم واستهدافهم تحديدًا في اللحظة التي يعودون فيها إلى منازل عائلاتهم ليلًا؛ وهو ما يعني عمليًّا أنَّ العائلة بأكملها تتحوَّل إلى ضرر جانبي مقبول إحصائيًّا في معادلة صممتها آلة لا تعرف معنى الحداد، ولا تشعر بثقل فقدان الأبناء والزوجات والأمهات. وحين تعتمد البنية التحتية السحابية لهذه المنظومة على معالجة كميات هائلة من صور الأقمار الاصطناعية وبيانات المراقبة والاتصالات في وقت قياسي، فإنَّ حجم الدمار الناتج يتسارع بمعدل يتجاوز قدرة أي رقابة إنسانية أو مؤسسية على متابعته أو كبح جماحه. حتى قارن بعض المراقبين حجم الأنقاض والخسائر بما خلفته القنابل الذرية في هيروشيما من دمار شامل طال المدينة بأكملها.

 

مفارقة الخوارزمية: وهم الدقة.. وتكريس التحيزات

وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة في هذا المشهد كله. فالذكاء الاصطناعي الذي بشَّرت به الشركات الكبرى بوصفه أداةً لتخفيف معاناة الإنسان، وتسريع اكتشاف الأدوية، وتحسين التشخيص الطبي، وتوقع الكوارث الطبيعية قبل وقوعها، وتيسير التعليم في أفقر المناطق وأكثرها حرمانًا؛ هو ذاته التقنية التي أُعيد تدويرها وتوظيفها في قطاع التسلح العالمي لتصبح أداةً مضاعفةً لسرعة الفتك ونطاقه. فبدلًا من أنْ تختصر التكنولوجيا المسافة بين الإنسان وحلمه بحياة أكثر أمانًا ورخاءً، اختصرت هنا المسافة بين قرار القتل وتنفيذه إلى ثوانٍ معدودة. وبدلًا من أنْ تمنح الدقة الموضوعية - التي تروِّج لها شركات السلاح والجيوش بوصفها ميزة الذكاء الاصطناعي الأولى في تقليل الأخطاء وحصر الضرر في نطاقه الأدق - فإنَّها في التطبيق الفعلي ضاعفت من هامش الخطأ البشري بدلًا من تصحيحه؛ إذ حوَّلت كل خطأ في البيانات الأولية أو في تصنيف الأنماط إلى كارثة تتكرر آليًّا بلا توقف وبلا مراجعة نقدية حقيقية. فالخوارزمية لا تصحح تحيز البيانات التي غُذيت بها، بل تعيد إنتاجه وتضخيمه على نطاق واسع بثقة زائفة توحي بالحياد، بينما هي في جوهرها انعكاس دقيق لتحيزات صانعيها ومشغليها.

ولا يمكن فهم هذه الكارثة بمعزل عن السياق الأعمق الذي أتاحها، وهو التجريد الكامل للضحايا من إنسانيتهم عبر تحويلهم إلى مجرد نقاط بيانات ومعرفات رقمية ونسب احتمالية تعالجها الخوارزمية في شاشات باردة بعيدة عن ميدان الاشتباك الفعلي. وهكذا يتحوَّل الإنسان إلى رقم ضمن قاعدة بيانات ضخمة يعالجها نظام آلي، يسهل على مَن يتخذ القرار أنْ يتجاوز أي شعور بالذنب أو التردُّد الأخلاقي الذي كان يُفترَض أنْ يرافق قرار إنهاء حياة بشرية. وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن الحياد التقني في هذا السياق ضربًا من الخداع الممنهج. فالتقنية ليست كيانًا معزولًا عن القيم والمصالح التي أنتجته، بل هي انعكاس مباشر لمنظومة القوة التي طوَّرتها ووظفتها لخدمة أهدافها. ومَن يملك الخوارزمية يملك أيضًا القدرة على صياغة معايير الاستهداف وتحديد مَن يستحق الحياة ومَن يصبح رقمًا في قائمة الخسائر المقبولة إحصائيًّا.

 

لغة البيروقراطية الباردة وتهرب المسؤولية

وتزداد خطورة هذا التجريد حين يقترن بغطاء لغوي بيروقراطي بارد، يعيد تسمية الأشياء بما يخفِّف من وطأتها الأخلاقية على مَن يتخذ القرار. فالضحايا المدنيون يتحوَّلون في التقارير الرسمية إلى مصطلح «الضرر الجانبي»، وقوائم الأهداف تُسمى «بنوكًا» كما لو كانت أرصدة مالية قابلة للسحب والصرف. وهذه اللغة التقنية المحايدة في ظاهرها ليست بريئة على الإطلاق، بل هي جزء أصيل من آلية التجريد ذاتها؛ إذ تمنح مشغلي هذه الأنظمة مسافةً نفسيةً آمنةً تفصلهم عن الفعل الذي يرتكبونه فعليًّا. وتحول القرار المروع إلى مجرد إجراء إداري روتيني يمرُّ عبر شاشة حاسوب دون أنْ يترك أثرًا ملموسًا في وجدان مَن ضغط على الزر. وهكذا تتضافر سرعة الخوارزمية مع برودة لغتها الوظيفية لتنتج معًا منظومةً كاملةً من إنكار المسؤولية الأخلاقية، حيث يمكن لكل طرف في السلسلة أنْ يدعي أنَّه لم يفعل سوى تنفيذ توصية تقنية موضوعية لا دخل لإرادته الشخصية فيها.

ومع ذلك، فإنَّ الإنصاف يقتضي عدم الانسياق نحو رفض التكنولوجيا ذاتها أو التعامل معها بوصفها شرًّا مطلقًا بذاته. فالتاريخ الحديث للذكاء الاصطناعي يحمل أيضًا وجهًا آخر مضيئًا حقًّا؛ تجلى في اكتشاف بروتينات جديدة قد تفتح آفاقًا واسعة أمام علاج أمراض مستعصية، وفي أنظمة إنذار مبكر ساهمت في إنقاذ أرواح من كوارث طبيعية كانت لتحصد المزيد من الضحايا لولا سرعة التَّوقُّع والتحذير، وفي أدوات تعليمية أتاحت لملايين الطلاب في مناطق نائية ومحرومة فرصة الوصول إلى معرفة كانت بعيدة المنال. وهذا التناقض الصارخ بين الوجهين هو بالضبط ما يفرض على العالم مساءلة جذرية لا تتعلق بالتقنية بحدِّ ذاتها بقدر ما تتعلق بمنظومات القوة التي تحتكر توجيهها. فالسكين ذاتها قد تكون أداة جراحة تنقذ حياة، أو أداة قتل تزهقها، والفارق الحاسم دومًا هو اليد التي تمسكها والغاية التي توجهها. غير أنَّ ما يميِّز الذكاء الاصطناعي عن السكين هو نطاق تأثيره الهائل وسرعته المذهلة؛ فالخطأ الذي قد يرتكبه إنسان واحد بيده أداة بدائية يبقى محدودًا في أثره، بينما الخطأ الذي ترتكبه خوارزمية مدربة على معالجة عشرات الآلاف من الحالات في وقت واحد يتضخم ويتكرَّر بمعدل يتجاوز كل تصور بشري سابق عن حجم الكارثة الممكنة.

 

الفراغ التشريعي.. وتوحش الآلة العسكرية

ولعل أخطر ما في هذا المشهد هو غياب أي إطار قانوني دولي رادع وملزِم يواكب هذه التطورات التقنية المتسارعة. فبينما تتحرَّك الشركات العسكرية والجيوش بسرعة فائقة نحو تطوير أنظمة أكثر استقلالية وأقل اعتمادًا على المراجعة البشرية، لا تزال المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والقانون الإنساني تراوح في مكانها، عاجزةً عن صياغة معاهدات ملزِمة تحدُّ من عسكرة الذكاء الاصطناعي أو تفرض حدًّا أدنى من الشفافية والمساءلة على مَن يطوِّر هذه الأنظمة ومَن يستخدمها ميدانيًّا. وهذا الفراغ التشريعي ليس عرضيًّا بل هو نتاج مباشر لتضارب مصالح الدول الكبرى المالكة لهذه التقنيات، والتي تجد في غياب الرقابة الدولية فرصةً ذهبيةً لتطوير ترسانتها العسكرية دون قيد يُذكر وما دام هذا الفراغ قائمًا، فإنَّ ما جرى من إبادة في غزة قد لا يكون سوى نموذج أولي تجريبي لما ينتظر ساحات نزاع أخرى حول العالم، حين تصبح كل حرب مستقبلية مختبرًا حيًّا لاختبار خوارزميات أكثر فتكًا وأقل رحمة.

وحين نضع في كفة الميزان الأخرى المكاسب الفعلية التي حققتها البشرية من هذه التقنية في حقول أكثر إنسانية، يتضح أنَّ المشكلة ليست في القدرة الحاسوبية ذاتها بقدر ما هي في غياب أي حوكمة أخلاقية توازي سرعة تطور هذه القدرة. فالخوارزميات التي تساعد الأطباء على قراءة الصور الإشعاعية بدقة أعلى من العين البشرية المجردة، والأنظمة التي تدير شبكات الكهرباء والمياه في مدن مكتظة بملايين البشر بكفاءة توفر الموارد وتقلل الهدر، والبرمجيات التي تترجم بين لغات نادرة وتفتح جسورًا معرفية بين شعوب لم تكن تتواصل من قبل؛ كل هذا يثبت أنَّ التقنية نفسها محايدة القدرة قابلة للتوجيه في أي اتجاه. وأنَّ الكارثة الحقيقية لا تكمن في وجود الخوارزمية، بل في غياب مَن يسأل قبل كل تطبيق جديد لها سؤالًا بسيطًا وحاسمًا في آن: مَن المستفيد الفعلي من هذا التطبيق، ومَن الذي سيدفع ثمنه في نهاية المطاف؟

إنَّ المطالبة اليوم بوقف عسكرة الذكاء الاصطناعي وفرض رقابة دولية صارمة عليه، لم تعد ترفًا فكريًّا أو نقاشًا أكاديميًّا معزولًا عن الواقع، بل باتت ضرورة إنسانية ملحة تفرضها وقائع دامية تتكشف يومًا بعد يوم أمام أعين العالم بأسره. فالتهديد الحقيقي والمباشر لهذه التقنية لا يكمن في سيناريو مستقبلي بعيد عن تمرد آلي خيالي، بل في استخدامها الراهن الملموس كأداة طيعة بيد القوة العسكرية الغاشمة لتقنين العنف وتسريع وتيرته وتوسيع نطاق دماره إلى حدود لم تكن ممكنة من قبل. وبين هذا الاستخدام الكارثي وبين الإمكانات الإنسانية الحقيقية التي تحملها التقنية ذاتها، تقف البشرية اليوم أمام مفترق طرق حاسم، يحدد فيه اختيار المسار القادم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيبقى خادمًا للحياة أم سيتحوَّل نهائيًّا إلى أداة منهجية لإفنائها.