عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف حسين

أنيماليا.. رحلة المجهول بين اليقين والشك

2026.06.13

أنيماليا.. رحلة المجهول بين اليقين والشك

 

تنجح أحيانًا بعض الأعمال السينمائية في أنْ تقوم بحفر ذكرى دائمة داخل اللاوعي الخاص بك، لتجبرك على إعادة استقراء كثير من الأمور الحياتية، التي قد تكون قد مرَّت عليك في السابق مرور الكرام، فأحد أهم أهداف السينما منذ عقد الستينات من القرن الماضي، هو توجيهك لرؤى مختلفة للحياة، قد تتفق مع بعض منها وتختلف مع البعض الآخر، لكن بالتأكيد، ستحرِّك داخلك المياه الراكدة، التي توقفت عن الحركة منذ سنوات، نتيجةً لما توافقنا على تعريفه طوال الوقت تحت مسمى «المسلّمات».

سينما المخرجات العربيات هي في الأغلب «سينما نسوية»، اهتمت بأنْ تكون مرآةً صادقةً لمشكلات المرأة العربية، خاصةً أنَّ الغالبية العظمى من المخرجات العربيات، ينتمين لفئة المخرج الـ«Auteur» أو المخرج صاحب الرؤية، الذي يشارك في تأسيس وكتابة فكرة عمله، إلا أنَّ هذا لم يمنع من خروج الكثيرات من المخرجات خلال العقدين الأخيرين عن الإطار النسوي، للإطار العام للمشكلات المجتمعية، بل والسياسية، مثل اللبنانية نادين لبكي، والتونسية كوثر بن هنية، والمصرية كاملة أبو ذكري، لكن تأتي المخرجة المغربية الشابة صوفيا علوي من خلال عملها الروائي الطويل الأول، لتفاجئنا برؤية شديدة الفلسفية والعمق لكثير من الموضوعات، التي نوقش بعض منها في السينما العربية من قبل، أو موضوعات شديدة التفرّد قامت صوفيا بمناقشتها، من خلال أيقونتها السينمائية «Animalia» «أنيماليا»، إنتاج سنة 2023، والذي يمكن أنْ تكون أقرب ترجمة له «مملكة الحيوانات».

فيلم «Animalia» يحمل درجاتٍ من العمق والخبرة في التنفيذ، لا يمكن أنْ تتوافق مع كونه العمل الأول لصوفيا، وربما جاءت خبرات صوفيا الحياتية السابقة، والتنقّل الدائم ما بين المغرب والصين وفرنسا، أي ثلاث ثقافات شديدة الثراء والعمق، تتنوَّع ما بين الجانب الروحاني والصوفي والإنساني، كذخيرة لتلك الفلسفات والرؤى، التي ذخر بها هذا العمل الأول، لكن من المهم جدًّا أنْ أذكر أنَّ فيلم «Animalia»، ما هو إلا تطوير فعلي لمشروع صوفيا القصير، الذي قامت بإخراجه خلال سنة 2020 «Qu'importe si les bêtes meurent» أو «ماذا لو نفقت الأغنام؟».

على الرغم من الاختلاف الجذري لطبيعة الشخصية الرئيسة لكِلا العملين، فإنَّ الأفكار والرؤى التي حملها كِلا العملين، جاءت بصورة شديدة التوافق فكرًا وتفاصيل، وإنْ كانت - بالطبع- أكثر نضجًا وعمقًا في فيلم «Animalia».

حصد العمل جوائز لجنة التحكيم الخاصة من مهرجانَي «Sundance» و«Palm springs»، وجائزة أفضل عمل روائي طويل من مهرجانَي «Fantastic»، و«Calgary»، بالإضافة لأحد عشر ترشيحًا آخر، كأفضل عمل روائي طويل.

الفيلم ينتمي لما يمكن تسميته بـ«Apocalyptic movies» أو «الأفلام الأپوكاليبسية»، التي تحمل الكثير من التصورات عن نهاية العالم، لكن هذا العمل تمت صياغته، بصورة شديدة الاختلاف، برؤية يمكن تسميتها بـ«إعادة ولادة العالم»، من خلال مرحلة انتقالية بدت وكأنَّها صورة من صور النهاية، لكنها كانت وكأنَّها «سفينة نوح جديدة»، مجرد محاولة لتطهير العالم وإعادة غربلته، للوصول لدورة جديدة من دورات الحياة، تستبعد بعض أخطاء الدورة السابقة.

يدور العمل حول «إتّو»، الشابة الفقيرة اليتيمة، التي أسعدها الحظ بالزواج من ابن أسرة إقطاعية شديدة الثراء، تعيش في عالمها شبه المنعزل عن المجتمع، مع شعور إتّو الدائم برفض الأم لها، لكنها تحاول طوال الوقت، التوافق مع المستوى الاجتماعي الجديد لها، ومع الأم المسيطرة تمامًا على كل ما يحدث داخل هذا القصر المنيف، خاصةً مع وصول إتّو لشهرها الأخير من حملها الأول.

ترفض إتّو الذهاب مع الأسرة لحضور مأدبة غداء، أقامها والي الجهة التي يقيمون بها، بدعوى التعب، والتي أقامها في قصرة المنيف - أيضًا - في مدينة خريبكة، التي تبعد كثيرًا عن مقر إقامة أسرة زوج إتّو، لتفاجأ، وهي وحيدة كما فوجئ جميع سكان المملكة المغربية، بغزو فضائي غير متضح المعالم، تبعه عدد من التقلبات المناخية، مع إحجام الحكومة عن الإفصاح عن أي معلومة، لأنَّه بدا من الواضح أنَّ الحكومة أيضًا ليس لديها ما تبديه أو تخفيه.

على أثر هذا الحدث غير متضح المعالم، بدأت إتّو –وحيدة - رحلتها في محاولة الوصول لقصر الوالي بمدينة خريبكة، بناءً على طلب زوجها، لتكون رحلتها التي استغرقت أكثر من يومٍ، هي رحلة استكشاف للنفس، للواقع، للعالم الذي نعيش فيه، لطبيعة العلاقات الإنسانية الهشة، للفروق الطبقية، وأخيرًا، لمفهوم الإيمان. هي بالفعل رحلة أجبرت فيها المخرجة صوفيا علوي المُشاهِد، على أن يكون شريكًا فيها، أنْ يعيش كلٌّ منا رحلة إتّو.

لم يكن كون البطلة امرأة، نظرةً نسويةً من صوفيا، بل على العكس تمامًا، فبطل العمل القصير كان رجلًا، وكلا العملين حمل الأفكار نفسها، لكن فكرة البطلة نبعت من كونها «امرأة حامل في الشهر الأخير»، وهو ما عنت به صوفيا المستقبل، فرسالة المشهد الأخير للعمل، هي كيفية تنشأة هذا الجيل الجديد، على رفض الكثير من المسلّمات التي نشأنا عليها دون تفكير، كيف يمكن إعادة توجيه الأجيال الجديدة للتفكير، للتفكير فقط، لا للتوجيه، كيف يمكن لهذا النشء أنْ يختار «مسلّماته» عن قناعات خاصة، لا عن موروثات أصبحت تمثّل «تابوهات» أو «مُحرَّمات»، غير قابلة للنقاش على الإطلاق.

ينتمي هذا العمل لما تسمى «سينما وجهة النظر»، وهي تلك النوعية من الأعمال التي تحمل - طوال أحداث العمل - رؤية الـ«Protagonist»، أو البطل الرئيسي للأحداث فقط، حيث يرى المشاهد - طوال الوقت- الأحداث، كما يراها بطل العمل، ويتوحّد فيها البطل والمُشاهِد في شخصٍ واحد، خلال مدة أحداث العمل.

خلال العمل ناقشت صوفيا العديد من القضايا، برز من بينها مفهوم الإيمان، هل الإيمان هو فقط مجرد طقوس، أم هل هو مجرد محاولة تجنب الأخطاء، أم هو منظومة متكاملة من الأفكار والسلوكيات، ومنهجية للتواصل مع الآخر، وكيفية أنْ توجِد طوال الوقت، أهدافًا مشتركة مع المجتمع المحيط.

طرحت صوفيا أيضًا تساؤلاتها حول الإيمان بالقدرية، وهل هي الجواب الكافي لكل ما نمرُّ به، وهل تمثّل الحل الوحيد لبعض المشكلات، التي قد نعتقد أنَّها خارجة عن قدراتنا، لذا نلجأ للإيمان بالقدرية، بدلًا من محاولة المواجهة.

كما مثّلت أيضًا «العدالة الاجتماعية»، أحد أهم أسئلة فيلم «Animalia»، وجاءت تساؤلات العدالة الاجتماعية في هذا العمل على مستويين، مستوى الفوارق الاجتماعية، ومستوى الفوارق الچندرية، في مجتمع ذكوري بطريركي، يتعامل مع المرأة طوال الوقت على أنَّها مجرد تابع، مع التركيز على نظرة وتعامل هذا المجتمع الذكوري مع امرأة شابة وحيدة، حتى وإنْ كانت حبلى في شهرها الأخير.

كما اهتمت صوفيا بإبراز التباين والتفاوت الطبقي والاجتماعي الكبير داخل المجتمع المغربي، والمجتمعات العربية بشكلٍ عام.

التساؤل الأكثر غرابة من خلال هذا العمل، جاء عن علاقة الإنسان وتواصله بكل مَن حوله. ومَن حوله من خلال هذا العمل، جاءوا على أربعة مستويات مختلفة.

الأول، على مستوى الآخر من البشر.

والثاني، على مستوى المملكة الحيوانية التي تعيش معنا على ظهر الكوكب نفسه.

والثالث، جاء كتساؤل عن وجود كائنات لا مرئية تحيا بيننا، وقد تتجسَّد في بعض كائنات المملكة الحيوانية.

أما الرابع، فأيضًا جاء كتساؤل عمَّن يشاركنا في هذا الكون الفسيح، ومدى إمكانية تواصلهم مع الجنس البشري.

على مستوى الصورة والإيقاع، جاء العمل وكأنَّه حالة من الحلم الذي سيعيشه المشاهد، على مدار زمن العمل، فالصورة تحمل قدرًا من الروح والروحانية والصوفية، التي نجحت في ترجمة جميع رسائل هذا العمل - مع كثرتها-، كما جاءت اللقطات الـ«Wide shot» أو ذات المساحة الواسعة، مع التشبُّع اللوني وميل الألوان قليلًا للألوان الدافئة، بالإضافة لتلك الحالة من الضبابية، لتدخل المُشاهِد في تلك الحالة الضبابية المحببة بين الحلم واليقظة، ليعيش رحلة إتّو وكأنَّه يشاركها الرحلة، لكن في أحلام يقظته.

وأخيرًا، في أغلب الأحيان، لا يُعدُّ طرح الحلول أو الوصول لإجابات، من بين أهداف السينما الفعلية، لكن السينما هي نوع من العصف الذهني يقوم به دائمًا المبدعون، لطرح أسئلةٍ أو أفكارٍ، ربما لم تدر بخلد الكثيرين، أو ربما شغلتنا هموم الحياة عن التفكير فيها، لكن أخطر ما في الأمر، أنَّ تكون «مسلّماتنا»، هي مَن أجبرتنا على عدم التفكير فيها.

فيلم «أنيماليا» هو دعوة لإعادة التفكير في المسلّمات، وربما إعادة التفكير قد تصل بك للمسلّمات نفسها، لكن بعد أنْ تكون قد قمت باختيارها بإرادتك الشخصية وقناعاتك الذاتية، كما أنَّه يُعدُّ صرخةً لإعادة هيكل المنظومة الذكورية البطريركية، في زمن أصبحت فيه كثير من السيدات يقمن بإعالة أسرهن، دعوة لإعادة النظر في النظم الرأسمالية التي غيَّرت من التركيبة الديموغرافية المجتمعية، التي تسببت في الاتساع الرهيب في الفوارق الاجتماعية والمادية بين طبقات البشر.

تحية لصوفيا علوي على هذه الجرعة من المتعة البصرية والعقلية، تحية لجرأتها في مناقشة «التابوهات» بعقلانية دون تحيّز، وبالفعل، العمل يستحق المشاهدة مرات ومرات، فمع كل مُشاهَدة جديدة، ستكتشف العديد من التفاصيل التي ستجبرك، على إعادة التفكير في المنظومة التي نحيا فيها دون تفكير.