عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

نجلاء عبد الجواد

براد لاندر.. صوت يهودي يكسر الصمت القضية الفلسطينية معركة داخل «الحزب الديمقراطي»

2026.07.18

براد لاندر.. صوت يهودي يكسر الصمت

القضية الفلسطينية معركة داخل «الحزب الديمقراطي»

 

في مساء الثالث والعشرين من يونيو 2026، حين أسدل الليل ستاره على حي غوانوس في نيويورك، وقف Brad Lander براد لاندر أمام حشد من أنصاره معلنًا ما عجزت عنه التوقعات وأربك حسابات المحللين: هزيمة ساحقة للنائب الحالي Dan Goldman دان جولدمان بفارق تجاوز الثلاثين نقطة مئوية، حاصلًا على 66% من أصوات ناخبي الدائرة العاشرة الممتدة عبر الأجزاء الجنوبية من مانهاتن وأجزاء من بروكلين. لم يكن ما جرى مجرد انتصار انتخابي لسياسي تَقدُّمي يهودي في السادسة والخمسين من عمره؛ بل كان إعلانًا صريحًا بأنَّ خريطة السياسة الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي دخلت مرحلةً لن تعود منها إلى ما كانت عليه.

وُلد برادفورد سكوت لاندر في الثامن من يوليو 1969 في ضواحي سان لويس بولاية ميزوري، في بلدة كريف كور الهادئة التي لا يعرفها معظم الأمريكيين ولا يلحظها أحد على الخريطة السياسية، نشأ في أسرة يهودية إصلاحية من الطبقة الوسطى، بين أب محامٍ متخصص في قضايا الإفلاس، وأم زرعت في نفسه منذ الصغر بذرة الحساسية تجاه العدالة الاجتماعية.

في تلك البيئة الضاحوية المريحة نما وعي مبكر لا يقنع بما يُملى عليه، ولا يستريح إلى فجوة الصمت بين ما يُعلم وما يجري في العالم.

في سنوات مراهقته افتتن بشخصيتين تبدوان متباعدتين في الظاهر: القس مارتن لوثر كينغ الجونيور، والحاخام أبراهام يهوشع هيشيل، فوجد فيهما صورةً لما يمكن أن يكون عليه العمل الديني حين يلتحم بالنضال من أجل الكرامة الإنسانية، وقبل أن يغادر مقاعد الدراسة الثانوية عام 1987، نظَّم بنفسه مسيرةً في واشنطن؛ دفاعًا عن حقِّ يهود الاتحاد السوفيتي في الهجرة، وكانت تلك تجربته الأولى في توظيف الفعل الجماعي خدمةً لحقوق الإنسان، لكنها لن تكون الأخيرة.

في جامعة شيكاغو نال درجة البكالوريوس عام 1991، مكللًا إياها بمنحة هاري ترومان المرموقة، ثم عبر المحيط الأطلسي إلى جامعة لندن بعد أن حصل على منحة مارشال، حيث أتمَّ الماجستير في الأنثروبولوجيا الاجتماعية قبل أن يعود إلى نيويورك ليحصل على ماجستير ثانٍ في التخطيط العمراني من معهد برات.

لم تكن تلك الشهادات أوراقًا أكاديمية تزيِّن السيرة الذاتية، بل كانت خارطة طريق فكرية حقيقية.

علَّمته الأنثروبولوجيا أنْ يفهم البشر في سياقاتهم الثقافية، قبل أنْ يحكم عليهم، ومنحه التخطيط العمراني أدوات تحويل الفكرة إلى فعل ملموس.

تزوَّج من ميغ بارنيت المديرة التنفيذية السابقة في منظمة التخطيط الأسري والتي أصبحت لاحقًا رئيسة لمنظمة «نونبروفيت نيويورك»، ورُزقا بولدين هما ماريك وروزا، كبرا في مدارس المدينة العامة.

حين وصل لاندر إلى نيويورك في مطلع التسعينات، لم يتجه نحو المكاتب اللامعة في «وول ستريت» ولا نحو مراكز القوة السياسية، انغمس بدلًا من ذلك في العمل الشعبي مديرًا لمنظمة غير ربحية في حي بارك سلوب تعمل على توفير الإسكان الميسور لسكان ذوي الدخل المحدود، ومن 2003 حتى 2009 قاد «مركز برات للتنمية المجتمعية»؛ مدافعًا عن سياسات التخطيط العمراني المنصف في مدينة تعج بالتناقضات، حيث تتجاور الثروة الفاحشة مع الفقر المدقع على بُعد خطوات.

في 2009 انتُخب عضوًا في مجلس مدينة نيويورك ممثلًا للدائرة التاسعة والثلاثين في بروكلين، فبقي فيه 12 سنة أطلق خلالها مبادرة الميزانية التشاركية التي تتيح للمواطنين الأصوات الفاصلة في توجيه الأموال العامة نحو مشاريع أحيائهم، وقاد معركة تشريع الإجازة المرضية المدفوعة الأجر في مواجهة معارضة رئيس البلدية Michael Bloomberg مايكل بلومبرج عام 2013، واستحدث قوانين تحمي العمال من التمييز القائم على السجل الائتماني، وشارك في تأسيس التكتل التقدمي داخل مجلس المدينة الذي غدا مع الوقت قوة ضغط لا يستهان بها.

وفي عام 2022 انتقل إلى منصب المراقب المالي للمدينة المسؤول عن إدارة أكثر من 200 مليار دولار من صناديق التقاعد، فأطلق خارطة طريق للاستثمار بصفر انبعاثات كربونية بحلول 2040، ووفرت تدقيقاته المالية ما يقارب 2.5 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب.

غير أنَّ ما يجعل لاندر شخصيةً بالغة الخصوصية في المشهد السياسي الأمريكي ليس سيرته التشريعية وحدها، بل موقفه من إسرائيل بوصفه سياسيًّا يهوديًّا بارزًا ينتمي إلى البيئة ذاتها التي اعتادت الدفاع عنها دفاعًا مطلقًا، ففي 2020 كشف أنَّه زار الضفة الغربية ليتعرَّف عن كثب على الأوضاع المعيشية في ظلِّ الاحتلال، معربًا عن دعمه لجهود تحقيق الحقوق الإنسانية للفلسطينيين. 

وفي مارس 2023، قبل أكثر من سبعة أشهر من اندلاع الحرب على غزة، نشر مقالة رأي في صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية يطالب فيها الرئيس الأمريكي وقتها جو بايدن بوقف ما وصفه بـ«شيك على بياض»، المُقدَّم لحكومة إسرائيل المتجهة نحو الاستبداد، ودعا الديمقراطيين إلى الكف عن الانصياع لتوجيهات «لوبي إيباك»، وحين اندلعت الحرب في أكتوبر 2023 لم يتردد في استخدام مصطلح «الإبادة الجماعية» لوصف ما يجري في غزة، وهو المصطلح الذي يتحاشاه معظم السياسيين الديمقراطيين الرئيسيين؛ حرصًا على علاقاتهم مع المجموعات الموالية لإسرائيل.

وفي الثامن عشر من يونيو 2025 كان لاندر يقف داخل محكمة الهجرة في مانهاتن مشبكًا ذراعيه مع شخص كانت عناصر من هيئة الهجرة والجمارك تحاول اعتقاله، ألقوا القبض عليه بتهمة عرقلة الجهات الفيدرالية وهو ما نفاه قطعيًّا، وبينما وصفت حاكمة نيويورك الفعل بالوقاحة رأت فيه النائبة أوكاسيو كورتيز ترهيبًا سياسيًّا، تلك الحادثة التي بدت لوهلة أزمةً شخصيةُ تحوَّلت إلى واحدة من أقوى أدوات حملته الانتخابية في إثبات صدق قناعاته العملية لا الخطابية.

وفي العاشر من ديسمبر 2025 أعلن لاندر ترشحه لمقعد الكونغرس، متحديًا النائب الحالي دان جولدمان، في مواجهة بالغة الدلالة الرمزية، كان جولدمان المحامي اليهودي الذي اكتسب شهرته حين قاد الاستجواب القانوني خلال محاكمة عزل ترامب الأولى، يمثل تيار الديمقراطيين المعتدلين الذين يدعمون إسرائيل مع إبداء قدر من الانتقاد لسياسات نتانياهو دون المطالبة بوقف المساعدات العسكرية، بينما جاء لاندر بمنهج مغاير جذريًا، حيث رفض الأموال الانتخابية من «إيباك»، ووعد بالتصويت لصالح تشريعات تفرض قيودًا على المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وتعهَّد بالتصويت لصالح الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية، وقال صراحة إنَّه سيعارض صفقات بيع الأسلحة الهجومية لإسرائيل، وكان مدعومًا بتحالف استراتيجي مع عمدة نيويورك زهران ممداني، المسلم الأمريكي من أصول هندية الذي صعد بشكل مفاجئ ليهزم الجميع في الانتخابات التمهيدية لرئاسة البلدية في 2025، في مشهد رمزي لافت يجمع يهوديًّا تقدميًّا ومسلمًا أمريكيًّا في تحدٍ لمنظومة الدعم الإسرائيلي غير المشروط، وفي المقابل ضخ جولدمان ثروته الشخصية في الحملة وحظي بدعم حاكمة نيويورك وزعيم أقلية مجلس النواب واتحادات عمالية مؤثرة فضلًا عن «إيباك»، وحين أغلقت الصناديق في ليلة الثالث والعشرين من يونيو 2026، أسقطت النتائج كل تلك الثقة، وفاز لاندر بـ66% على جولدمان، ليجد لاندر نفسه على خشبة المسرح السياسي الأمريكي بطريقة لم يتوقعها كثيرون.

وفي خطاب انتصاره لم يتوانَ لاندر عن استخدام الكلمات التي يتحاشاها كثير من ساسة واشنطن، معلنًا أنَّ الولايات المتحدة تدفع بدولارات الضرائب ثمن حروب نتانياهو، ومتعهَّدًا بأنْ يكون من بين الأعضاء اليهود في الكونغرس الأكثر استعدادًا للدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني، مؤكدًا في الوقت ذاته أنَّه سيقف بحزم ضد كل أشكال التَّعصُّب الموجه ضد اليهود.

لفهم دلالة هذا الفوز في سياقه الأعمق، لا بد من قراءة التحولات الكبرى التي تعصف بموقف اليهود الأمريكيين من إسرائيل.

في عالم ما قبل أكتوبر 2023 كانت المنظمات اليهودية الكبرى تتحدَّث باسم الجماعة اليهودية في أمريكا كأنها كتلة صماء ذات رأي واحد، أما اليوم فالصورة مغايرة تمامًا، حيث كشف استطلاع أجرته صحيفة «واشنطن بوست» في سبتمبر 2025 أنَّ 61% من اليهود الأمريكيين يرون أنَّ إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، بينما قال 39% منهم إنَّها ترتكب «إبادةً جماعيةً»، وبين الشباب اليهود دون الخامسة والثلاثين تنخفض نسبة مَن يشعرون بارتباط عاطفي قوي بإسرائيل إلى36% مقارنة ب68% بين مَن تجاوزوا الخامسة والستين.

وفي استطلاع أجراه مركز الموارد للناخبين اليهود عام 2026 تبيَّن أنَّ ربع اليهود الأمريكيين باتوا يفضِّلون حلَّ «الدولة الواحدة» للحد من الصراع، وهو رقم شبه مضاعف مقارنة بـ13% قبل عامين، هذه الأرقام لا تعني إطلاقًا إجماعًا على معاداة إسرائيل، لكن العلاقة مع السياسات المحددة للحكومة الإسرائيلية اليمينية باتت أكثر تعقيدًا وانتقادًا مما كانت عليه في أي وقت مضى.

لقد ظلت القضية الفلسطينية لعقود طويلة تتحرَّك في دهاليز الدبلوماسية الأمريكية بعيدًا عن دوائر الانتخابات الداخلية. والدعم الأمريكي لإسرائيل قرار فوق الحزبية وأشبه بالمُسلَّمات الاستراتيجية، ثم جاءت الحرب على غزة في أكتوبر 2023 بما رافقتها من مشاهد بالغة القسوة نقلتها الهواتف المحمولة مباشرة إلى شاشات الشباب الأمريكيين، فكسرت تلك التابوهات كسرًا لا يمكن التراجع عنه، واليوم وفق استطلاع «جامعة كوينيبياك» الصادر في 2026 يرى ما يتجاوز40% من الأمريكيين أنَّ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يُشكِّل عاملًا حاسمًا في تصويتهم على مقاعد مجلس النواب، وهو رقم لم يكن مستحيلًا في استطلاعات ما قبل 2023 وحسب، بل كان ضربًا من ضروب التَّخيُّل، وبات الساسة الديمقراطيون في الدوائر ذات الكثافة الشبابية وذات التنوع العرقي العالي يدركون أنَّ التَّمسُّك بالصمت أو بالخطاب التقليدي الداعم لإسرائيل قد يكلفهم مقاعدهم، وفوز لاندر لم يكن حادثةً معزولةً في هذا السياق، ففي الدائرة السابعة بنيويورك فازت المرشحة التَّقدُّمية كلير فالديز على رئيس مقاطعة بروكلين بعد حملة رفعت شعار «وقف صفقات الأسلحة مع إسرائيل»، وكان جولدمان الخامس في قائمة النواب الديمقراطيين الذين خسروا دوائرهم التمهيدية في انتخابات 2026 ضمن موجة اعتراض أوسع على قيادة الحزب وسياساته تجاه الشرق الأوسط.

السؤال الأكبر الذي يطرحه هذا الفوز لا يتعلق بمقعد واحد في الكونغرس، بل بمسار السياسة الخارجية الأمريكية ككل تجاه الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وفي مجلس نواب مكون من 435 مقعدًا يُشكِّل الأعضاء الداعون لتقييد الدعم العسكري لإسرائيل أقلية ضئيلة، والتحالف الحزبي المتمسِك بهذا الدعم راسخ بفعل منظومة تمويل انتخابي ومصالح استراتيجية ووشائج عاطفية وتاريخية لا تنقطع بسهولة. ومن غير المرجح أن يتغيَّر هذا النهج بصورة جذرية في المدى القريب، غير أنَّ ثمة تأثيرات أكثر دقة وعمقًا تلوح في الأفق، فوجود أصوات يهودية في الكونغرس تنتقد علنًا الممارسات الإسرائيلية وتطالب بوقف الأسلحة يجعل من الصعب اتهام كل مَن ينتقد إسرائيل بمعاداة السامية، كما سيرفع الأعضاء التَّقدُّميون الجدد من مستوى صوتهم في مناقشات اللجان البرلمانية وتصويتات الميزانية والمساعدات، وتلقى قيادة الحزب الديمقراطي إشارة لا لبس فيها بأنَّ قاعدتها الشبابية والمتنوعة لن تتحمَّل الاستمرار في صمت مطبق إزاء ما يجري في غزة.

إنَّ ما يمثله هذا الرجل القادم من أحياء بروكلين العتيقة ليس خطابًا يساريًّا تقدميًّا قديمًا بلغة جديدة؛ بل هو تجسيد لانكسار ما في منظومة اليقينيات الأمريكية القديمة تجاه الصراع في الشرق الأوسط، فحين يقول يهودي بارز في الكونغرس إنَّ ما يجري في غزة إبادة، وإنَّ الولايات المتحدة تموله بدولارات الضرائب، فذلك يختلف جوهريًّا عن أنْ يقوله ناشط في الشارع أو سياسي ينتمي إلى أقلية عربية أو مسلمة، إلا أنَّه تبقى المسافة بين انتصار انتخابي وتحول سياسة خارجية أكبر بكثير من أنْ يجسرها مقعد واحد في الكونجرس، غير أنَّ المسافة بين الصمت والكلام الصريح المسموع في قاعة التشريع قد قطعها لاندر، وهذا في حدِّ ذاته حدث جدير بالتوقف أمامه طويلًا في زمن بات فيه كل شيء ممكنًا إلا البديهيات القديمة.