عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف حسين

عندما ضاع صوت هند رجب بين الضمير وجرأة اتخاذ القرار

2026.06.27

عندما ضاع صوت هند رجب بين الضمير وجرأة اتخاذ القرار

 

تساءلت كوثر بن هنية وهي تُشاهد حالات الإبادة الجماعية التي تحدُث في غزة، عن معنى صناعة أفلام سنيمائية في ظلِّ تلك الظروف - التي فاقت أي تخيُّل - التي يعيشها المُجتمع الفلسطيني، وبدا لها وكأنَّ صناعة السينما خلال تلك الفترة، ستُمثّل نوعًا من التَّرف غير المُتوافق مع ما يعانيه شعبٌ يُباد أمام أعيُن العالم أجمع، في إحدى أقوى حالات الإبادة العرقية عبر التَّاريخ الإنساني، ولم تدرِ كوثر في ذلك الوقت، أنَّها شخصيًّا ستكون الإجابة عن تساؤلها هذا.

لقد أجابت كوثر عن تساؤلها الشخصي، بعدما تفاعلت مع واحد من عشرات الأحداث التي كانت خلال تلك الفترة شبه يومية، والذي رُبما مرَّ على الكثيرين مُرور الكرام، لتَعوُّد العقل الجمعي على سماع مثل تلك الأخبار، ورُبما تفاعل البعض لساعاتٍ أو حتى أيام، ليطوي النسيان الحدث كما يحدُث كُل مرة، لكن كوثر قرَّرت أنْ تقوم بتوثيق الحدث على طريقتها الخاصة، ليكون فنها الذي تساءلت عن مدى جدواه، هو ذاته السلاح الذي قامت باستخدامه لتوثيق أحد أكثر الأحداث التي مرَّت بقطاع غزة لا إنسانية، والخارق للمواثيق والأعراف والاتفاقات كافة، لتقوم كوثر بن هنية بتخليّد الحدث، ليتفاعل العالم أجمع مع فيلم بن هنية، بصورة فاقت كثيرًا تفاعله مع الحدث ذاته.

كان العمل السينمائي الأخير لكوثر بن هنية قبل أحداث السابع من أُكتوبر من سنة 2023، هو فيلم «بنات أُلفة» إنتاج سنة 2023، هذا العمل السينمائي الـ«Docudrama»، الذي كان مزيجًا من الحكي الشخصي لأصحاب الحدث، ومشاهد تمثيلية شارك فيها بعض أصحاب الحدث بذاتهم، بمُشاركة الفنانة التونسية هند صبري في بعض المشاهد.

كانت تلك التَّجربة الفريدة غير المسبوقة إخراجيًّا، وهذا المزج المُميَّز بين السينما الدرامية والتسجيلية، لسرد قصة أُسرة عبر أكثر من عشرين سنةً، هو مدخل كوثر بن هنية لآلية تنفيذ عملها الجديد، الذي تعاملت معه كوثر بذكاءٍ غير مسبوق، لتُحقِّق أقصى تأثير لفكرتها، من خلال أبسط وسيلة كان يُمكن تقديم العمل من خلالها، لتُثبت كوثر بن هنية أنَّ السينما لا تنجح فقط بالإبهار أو بالميزانيات الباهظة، لكن أيضًا بالفكر والرسالة، ليكون فيلم «صوت هند رجب» الذي قامت كوثر بن هنية بتنفيذه خلال سنة 2025، أحد المُرشحين الخمس لجائزة أوسكار لأفضل عمل سينمائي دولي (غير أمريكي) خلال الدورة الثامنة والتسعين للمهرجان، والتي أُقيمت خلال سنة 2026، مُمثلًا لدولة تونس.

الجدير بالذكر أنَّ كلا الفيلمَين الروائيَّين السابقَين لكوثر بن هنية، وهما «على كف عفريت» إنتاج سنة 2017، وفيلم «الرجل الذي باع ظهره» إنتاج سنة 2020، كان مبنيًّا على أحداثٍ واقعية، لكن فيلم «الرُجل الذي باع ظهره» كان استثنائيًّا في استخدام كوثر للفكرة الأصلية، لنسج رواية من مُخيلتها، لتُضيف للواقعة الأصلية أبعادًا أكثر سياسية وإنسانية، أما فيلم «على كف عفريت» فقد جاء مُطابقًا بصورة كبيرة للواقعة الأصلية، والتي نجحت كوثر في تصويرها بكُل ما فيها من قسوة، وهو ما يوضِّح أنَّ كوثر بن هنية، والتي قامت بإخراج العديد من الأعمال التَّسجيلية والقصيرة، مُغرمة بالواقع، والذي اعتمدت عليه تمامًا في استلهام جميع أعمالها الروائية الطويلة.

فيلم «صوت هند رجب» حصد جائزة لجنة التَّحكيم من مهرجان ڨينسيا (البُندقية) دورة سنة 2025، وجائزة أفضل فيلم روائي طويل من مهرجان سان سبستيان بإسبانيا خلال نفس العام، بالإضافة لـ16 جائزةً أُخرى، و21 ترشيحًا، بجانب دخوله القائمة النهاية لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي (غير أمريكي).

كما ذكرت، جاءت آلية كوثر بن هنية في تنفيذ هذا العمل غير تقليدية، وكما ذكرتْ كوثر من خلال أكثر من حوارٍ أجرته، أنَّ اختيار تمثيل الواقعة من خلال العمل كان واردًا، لكن كوثر لاعتبارات شديدة الإنسانية، ولتحقيق أقصى مصداقية للعمل، خاصةً بعد أنْ التَّقت والدة الشهيدة هند رجب، اتخذت قرارها بالالتزام بالأحداث نصًّا كما جرت، دون تغيير كلمة واحدة مما جرى خلال المحادثات، لتدور أحداث العمل بأكمله داخل مكانٍ واحد، وخلال ما يزيد قليلًا على 3 ساعات من الأحداث الفعلية، التي جرت داخل مركز الهلال الأحمر بمدينة رام الله، بقطاع الضفة الغربية.

أحداث العمل هي ذاتها الأحداث الفعلية، والتي دارت خلال يوم الاثنين، التَّاسع والعشرين من شهر يناير من سنة 2024، ويجب التَّوضيح أنَّه نتيجةً لأحداث غزة، والتي كانت قد دخلت شهرها الرابع خلال تلك الفترة، تم تحويل جميع أنشطة الهلال الأحمر بقطاع غزة، لمركز الهلال الأحمر بمدينة رام الله بالضفة الغربية، ليُدير المركز نشاط هلال أحمر غزة بجانب نشاطه الخاص، دون أي تواصُل لوجستي بين قطاع غزة والضفة الغربية.

بدأت داخل أحداث العمل في الثانية والنصف من ظُهر ذلك اليوم، التَّاسع والعشرين من شهر يناير من سنة 2024، من خلال مُكالمة تصل لعمر، أحد طاقم مُمثلي خدمة عُملاء مركز الهلال الأحمر بمدينة رام الله، من أحد أفراد عائلة حمادة مُقيم بألمانيا، يخبره فيها بأنَّه خلال مُحاولة هُروب أخيه بشار حمادة وزوجته وأبنائه من حي تل الهوى بقطاع غزة نتيجةً لسيطرة القوات الإسرائيلية على المنطقة، وعلى بُعد أربعمائة متر فقط من منزلهم، تمَّ حصار سيارة الأُسرة بعددٍ كبيرٍ من الدبابات، التي قامت بإطلاق وابلٍ من القذائف، توفي على أثرها عدد من أفراد الأسرة، لكنه طالب الهلال الأحمر، بسُرعة إنقاذ المُتبقين من الأسرة.

حاول عمر أنْ يطلُب من مهدي - المُنسق العام للمركز- سُرعة التَّصرُف، خاصةً أنَّ موقع سيارات الإسعاف بقِطاع غزة، لا يبعُد سوى 8 دقائق من موقع الحدث، لكن نتيجةً لمعرفة مهدي بأن الواقعة قد بدأت مُنذ أكثر من ساعةٍ ونصف الساعة، فكان يعتقد باستحالة وجود أي أحياء داخل السيارة، لذا قرر عدم إصدار الأوامر بأي تحرُك.

قام الأخ المُقيم بألمانيا بإرسال رقم أحد الهواتف المحمولة الموجودة بالسيارة عبر الـ«Whatsapp»، ليتمكَّن طاقم الهلال الأحمر من التَّواصُل مع مَن بقي حيًّا داخل السيارة، وبالفعل تواصل عمر مع الرقم، لتقوم بالرد عليه فتاة صغيره، عُرف فيما بعد أنَّها تُدعى «ليان»، إحدى بنات بشار حمادة، لكن خلال المُحادثة التي لم تتعدَ عدة ثوانٍ، سمع عمر صوت طلقات تم توجيهها في اتجاه «ليان»، ليسمع عمر صوت صراخ ليان في آخر لحظاتٍ لها قبل استشهادها، لتُتوفى ليان خلال المحادثة، ليُصاب عمر بحالة من الاكتئاب الشديد.

عاود الأخ المُقيم بألمانيا التَّواصُل مع عمر من خلال الـ«Whatsapp»، ليؤكد له وجود طفلة لا تزال على قيد الحياة، هي ليست من بنات بشار حمادة، لكنها ابنة أُخته، وهي في عُمر يُقارب الست سنوات، ليُعاود عمر الاتصال مُنتظرًا لمُدة طويلة، حتى أجابته هند رجب حمادة، ابنة أُخت بشار حمادة، الطفلة التي لم تُكمل بعد عامها السادس، والناجية الوحيدة حتى الآن، من مجزرة قصف الدبابات الإسرائيلية على سيارة خالها، الذي صادفها قدرها الدامي أن تتواجد معه في هذا اليوم.

تواصُل عمر ورئيسته المُباشرة رنا، استمرَّ لمُدة تعدت الثلاث ساعات، كان مهدي خلالها في انتظار الضوء الأخضر من الجيش الإسرائيلي، بالسماح لسيارة الإسعاف بالتحرُّك، من خلال وسيط أو طرف ثالث، ألا وهي مُنظمة الصليب الأحمر الدولية.

على مدار تلك الساعات الثلاث، كان الصراع الفعلي بين عمر (الإنسان)، ومهدي (الإداري)، فعُمر لا يعنيه في الأمر سوى إنقاذ تلك الطفلة التي تقف سيارة الإسعاف على بُعد 8 دقائق فقط منها، بينما مهدي يعنيه في الأمر خُطوات العمل، مُتعللًا بتخوُّفه من حُدوث أي شيء لطاقم سيارة الإسعاف، ومُشيرًا طوال الوقت لضحايا سابقين راحوا ضحية أداء الواجب، لتستمر تلك المُناقشات أحيانًا، والصراعات أحيانًا أُخرى طوال الوقت، بينما هند، تلك الطفلة المذعورة التي تقبع داخل سيارة بها 6 جُثامين لأقرب أقربائها، تنتظر الساعة تُلو الساعة وهي تترجى في كُل مَن يتسلّم راية التَّحدُّث لطمأنتها، حتى فقدت الثقة فيهم جميعًا، مع اتصالات مُستمرة من الأُم المكلومة على ابنتها، والخال من ألمانيا.

حاول عُمر التَّواصُل الشخصي مع طاقم السيارة، راجيًا إياهم أنْ يقوموا بإنقاذ هند خارج الإطار الرسمي، وليس من خلال سيارة الإسعاف، فهم مُدرَّبون على مثل تلك الموقف سابقًا، إلا أنَّه كان يُقابل طوال الوقت بالمنع من قِبَلْ مهدي، المُصر على أنْ يسير الأمر من خلال المسار الرسمي، أيًّا كانت عواقب هذا التَّأخير.

تلك الحالة الهيستيرية التي قام هذا العمل بتصديرها، وكأننا نعيش مرةً أُخرى الحالة، مع طاقم أفراد مركز الهلال الأحمر بمدينة رام الله، لكن ورغم معرفة كُل مَن يُشاهد العمل بالمصير الذي آلتْ إليه هند رجب وباقي أفراد أُسرة خالها بشار حمادة، فإنَّ كوثر بن هنية تمكَّنت من أنْ تقوم بتحويل مُشاهدها من مقاعد المُشاهدين، لمقاعد طاقم العمل الذي عايش التَّجربة فعليًّا.

بعد ثلاث ساعات مُضافًا إليها الساعة ونصف الساعة التي سبقت أي تواصُل بين الخال في ألمانيا وعمر، وصلت الإشارة أخيرًا بالضوء الأخضر، لتتحرَّك أخيرًا سيارة الإسعاف مُتجهةً في اتجاه حي تل الهوى، لإنقاذ الطفلة المذعورة التي تجلس مُنذ أكثر من أربعة ساعات ونصف الساعة بين 6 جثامين.

خلاُل تحرُّك السيارة وتواصُل مهدي معها، سمُع دوي طلقات، وانقطع الاتصال بالسيارة، التي لم تصل لهند، كما انقطع الاتصال التَّام بهند في الساعة السابعة والنصف مساءً، بعد أنْ قام الجيش الإسرائيلي بـ«التشويش» على الشبكة، ليظل مصير كُل من هند رجب وطاقم سيارة الإسعاف مجهولًا لمُدة 12 يومًا كاملًا، حتى قامت قوات الجيش الإسرائيلي بالانسحاب من المنطقة.

خلال يوم السبت، العاشر من فبراير من سنة 2024، تمَّ الوصول لكُل من سيارة أُسرة بشار حمادة، وسيارة الإسعاف، ليُكتشف مقتل طاقم سيارة الإسعاف على يد قوات الجيش الإسرائيلي، على الرغم من الانتظار كُل تلك الساعات للحُصول على الضوء الأخضر، والذي تم الحُصول عليه بالفعل، لكن قوات الجيش اخترقت حتى قراراتها، كما تم اكتشاف إطلاق 355 طلقة على سيارة أُسرة بشار حمادة، وبالطبع، مقتل هند رجب حمادة، آخر مَن بقي حيًّا داخل السيارة.

لقد تمكَّنت كوثر بن هنية خلال الـ85 دقيقة زمن هذا العمل، والذي دار بأكمله داخل مركز الهلال الأحمر برام الله، والذي صور الساعات الأخيرة في حياة هند رجب، دون أنْ تظهر أي شخصية تؤدي دور هند. فقط تعاملت كوثر مع التَّسجيلات الأصلية للمُحادثات بين أفراد طاقم الهلال الأحمر، وليان بشار حمادة، ومن بعدها هند رجب حمادة.

لقد قررت كوثر مُفاجأة طاقم التَّمثيل، ولم تُطلعهم على التَّسجيلات الأصلية، ليُفاجؤوا بها خلال التَّصوير، وهو ما أعطى مصداقيةً شديدة التَّأثير، لأنَّ انفعالات جميع طاقم التَّمثيل، جاءت شديدة الطبيعية والإنسانية، كما أنَّها استخدمت في الكثير من الأحيان، الأصوات الأصلية لطاقم الهلال الأحمر، وأحيانًا ومن خلال الهاتف المحمول، تعرَّفنا على الشخصيات الفعلية للطاقم.

كما جاء اختيار كوثر بن هنية لطاقم التَّمثيل، شديد التَّطابُق الجسدي وفي الملامح، للطاقم الأصلي الذي ظهر من خلال الهاتف المحمول داخل العمل، وفي نهاية العمل كصور للطاقم الأصلي، التَّشابه يكاد يقترب من التَّطابُق مع بعض الشخصيات، مع الأداء الأكثر من رائع لجميع أبطال العمل الأربعة.

كسبت كوثر بن هنية جميع رهاناتها في هذا العمل، فقد حقَّقت تخليدًا لحادثة فاقت كُل التَّصوّرات في لا إنسانيتها، مرت على الكثيرين مُرور الكرام، أثبتت لنفسها أولًا وللجميع ثانيًا، أهمية دور السينما في التَّوعية والتوثيق، وأثبتت أنَّ العمل الجيد قد لا يتكلّف كثيرًا ماديًّا، لكن يكفيه أنَّ يتكلّف فكرًا وإحساسًا ورؤية، لتستمر كوثر في مسيرتها السينمائية شديدة الإنسانية، مع تطوّر مُذهل مُستمر في أُسلوب الطرح لأفكارها.