هوامش
أشرف إبراهيمأجساد على عجلات: عمال التوصيل «الدليفري» في فخ اقتصاد المنصات الرقمية
2026.07.11
أجساد على عجلات:
عمال التوصيل «الدليفري» في فخ اقتصاد المنصات الرقمية
في شوارع القاهرة المزدحمة، تحت شمس الظهيرة الحارقة أو في ليالي الشتاء الباردة، لا يمكن للعين أنْ تخطئهم؛ شبان يرتدون سترات فاقعة الألوان، يمتطون دراجات نارية متهالكة أو دراجات هوائية، ويشقون طريقهم بين السيارات بصورة شبه انتحارية. عيونهم لا تفارق الشاشات المضيئة لهواتفهم الذكية، حيث يقبع «المدير الخوارزمي» الذي يحدِّد وجهاتهم، ويحسب ثواني وصولهم، ويقرِّر في النهاية حجم أجورهم.
هم عمال التوصيل (الدليفري)، التابعون لتطبيقات طلب الطعام والخدمات، أو ما يُطلق عليهم في أدبيات الشركات الكبرى بـ«الشركاء».
هذا المقال يتجاوز النظرة السطحية التي تُروِّج لها إعلانات الشركات عن «المرونة» و«العمل الحر»، ليغوص في البنية الهيكلية لـ«رأسمالية المنصات»، مفككًا كيف تعيد التقنيات الرقمية صياغة ديناميات العمل، وكيف يتحوَّل الجسد البشري إلى مجرد امتداد ميكانيكي لخوارزمية مُصمَّمة لتعظيم معدلات الربح على حساب استنزاف قوة العمل وتسليع المخاطر.
خرافة «الشريك المستقل»... وتفكيك علاقة العمل
تعتمد المنصات الرقمية في نموذجها الاقتصادي على حيلة قانونية ولغوية شديدة الذكاء؛ فبموجب شروط الاستخدام التي يوافق عليها العامل بضغطة زر، يتم تجريده من صفة «العامل» ليُمنح لقب «شريك» أو «مقاول مستقل».
هذا التلاعب اللفظي ليس مجرد تجميل للواقع، بل هو تفكيك ممنهج لقرن كامل من النضال العمالي والتشريعات التي أرست مفاهيم مثل الحد الأدنى للأجور، التأمين الصحي، الإجازات المدفوعة، وتعويضات إصابات العمل.
بدعوى «الاستقلالية»، تعفي المنصة نفسها من أي التزام تجاه العامل، متخلصةً من التكاليف الثابتة لرأس المال الثابت (فالعامل هو مَن يشتري الدراجة، ويتكفَّل بصيانتها، ويدفع فاتورة الإنترنت والبنزين).
في الواقع، هذه «الاستقلالية» هي استقلالية زائفة تمامًا. فالعامل لا يمتلك أي سيطرة على «وسائل الإنتاج» الحقيقية في هذا الاقتصاد، وهي «الخوارزمية» وقاعدة بيانات العملاء. المنصة هي التي تحدِّد تسعيرة التوصيل، وتفرض خريطة الطريق، وتعاقب مَن يرفض الطلبات بحجبه مؤقتًا أو طرده نهائيًّا من التطبيق.
إنها علاقة تبعية مطلقة تتخفى خلف واجهة رقمية براقة، حيث تُحتكر السلطة بالكامل في يد رأس المال، بينما يُترك عبء التشغيل والمخاطرة بالكامل على عاتق العامل.
في الواقع المصري، تتجلى وحشية استخلاص فائض القيمة في معادلة «البنزين وتثبيت التسعيرة». مع كل تحريك لأسعار الوقود استجابة لسياسات صندوق النقد، تظل تسعيرة توصيل الطلب (الأوردر) في العديد من التطبيقات ثابتة (تتراوح غالبًا بين 15 و25 جنيهًا حسب المسافة والتطبيق).
يروي أحد «الطيارين» - كما يطلقون على أنفسهم في مجموعاتهم المغلقة على «فيسبوك» - قائلًا: «التطبيق بياخد نسبته كاملة من تمن الأكل والتوصيل، وأنا بدفع الزيادة في البنزين وتغيير الزيت من لحمي، الأوردر اللي كان بيكسبني 10 جنيه صافي، بقى بيكسبني 4 جنيه بعد ما المكنة شربت الباقي».
هنا، تتحوَّل المنصة إلى آلة لامتصاص القيمة؛ حيث يتم تحميل كل أعباء التضخم الماكرو-اقتصادي على عاتق العامل المنفرد، لضمان استقرار هوامش ربح الشركة الأم».
الإدارة الخوارزمية.. واستخلاص فائض القيمة الأقصى
إذا كانت الرأسمالية الصناعية الكلاسيكية قد اعتمدت على «الملاحظ» أو رئيس العمال في المصنع لضمان الانضباط وزيادة وتيرة الإنتاج، فإنَّ رأسمالية المنصات أحلَّت «الخوارزمية» محلَّ الملاحظ البشري؛ وهذه «الخوارزمية» بمثابة مدير غير مرئي، لا ينام، لا يتعاطف، ولا يمكن التفاوض معه.
تُمثِّل الإدارة الخوارزمية تطورًا مرعبًا في آليات استخلاص «فائض القيمة». التطبيق يتتبع كل حركة، يحلل سرعة القيادة، يقيس زمن الاستجابة، ويقيِّم الأداء بناءً على تقييمات العملاء. هذا النظام يخلق حالةً من المراقبة الشاملة والضغط النفسي المستمر، حيث يُجبر العامل على العمل بسرعات خطرة أو في ظروف جوية قاسية؛ خوفًا من انخفاض تقييمه أو استبعاده من تلقي الطلبات المربحة.
تتغنى إعلانات المنصات بشعار «أنت مدير نفسك»، لكن الواقع الخوارزمي في شوارع القاهرة يقول العكس. تعمل التطبيقات بنظام صارم يُعرف بـ«معدل القبول». إذا رفض العامل طلبات توصيل لأماكن بعيدة أو غير آمنة أو غير مجدية اقتصاديًّا، ينخفض تقييمه تلقائيًّا.
يوضِّح أحد العمال الميكانيكية الخفية لهذا التلاعب: «لو رفضت أوردرين ورا بعض عشان المسافة طويلة والمنطقة مقطوعة، الأبلكيشن بيعاقبني، إما بيعملي (بلوك) مؤقت لمدة ساعات، أو بيرميني في ذيل القائمة وميبعتليش شغل باقي اليوم».
الخوارزمية هنا ليست أداة محايدة لتوزيع العمل، بل هي «ملاحظ إلكتروني» يمارس عقابًا بالحرمان من الدخل، مجبرًا العامل على أداء مهام خطرة لضمان بقائه داخل النظام.
علاوة على ذلك، تستخدم المنصات آليات «التلعيب» - مثل تقديم مكافآت مالية أو شارات رقمية عند تحقيق عدد معين من التوصيلات في وقت قياسي - للتلاعب السيكولوجي بالعمال. هذه الآليات ليست سوى أدوات لدفع العامل لاستنزاف طاقته الجسدية القصوى، وزيادة ساعات العمل اليومية لتتجاوز في كثير من الأحيان 12 أو 14 ساعة متواصلة، بهدف الحفاظ على معدلات الربح العالية للمنصة التي تقتطع نسبةً ثابتةً من كل عملية، بغض النظر عن الجهد المبذول. هنا، تصبح التكنولوجيا أداةً لتعميق استغلال قوة العمل بدلًا من تحريرها.
تسليع المخاطر.. الجسد كأصل قابل للاستهلاك
في اقتصاد المنصات، يتم دفع تكلفة التوصيل السريع من «رصيد أجساد العمال». لا تكاد تمر أيام دون أنْ نقرأ في زوايا الأخبار عن حادث سير أودى بحياة عامل توصيل، أو إصابة بعاهة مستديمة. هذه الحوادث ليست أخطاء فردية، بل هي نتاج هيكلي لنظام يحفِّز السرعة ويتجاهل السلامة.
عندما يتعرَّض عامل «الدليفري» لحادث، تتنصل المنصة من أي مسؤولية قانونية أو مادية، وتكتفي أحيانًا بعبارات تعاطف جوفاء، أو بوقف حساب العامل لأنَّه لم يعد قادرًا على العمل. غياب التأمين الصحي والاجتماعي يعني أنَّ إصابة العمل تُمثِّل كارثةً اقتصاديةً مضاعفةً؛ فالعامل لا يفقد دخله فحسب، بل يتحمَّل تكلفة العلاج وإصلاح دراجته من ماله الخاص الذي لا يكاد يكفي يومه.
هذه البنية تعني أنَّ المنصات الرقمية تمارس عملية «تسليع للمخاطر». المخاطر الجسدية والنفسية التي ينطوي عليها العمل في شوارع غير مهيأة وحركة مرور فوضوية لا تتحملها الشركة، بل تُنقل بالكامل إلى قاع الهرم. الجسد البشري هنا يُعامل بوصفه ترسًا رخيصًا وقابلًا للاستبدال الفوري؛ فبمجرد سقوط عامل، هناك مئات ينتظرون على قوائم التطبيق ليحلوا محله، ما يعكس قسوة المنطق المادي الذي يرى في العامل مجرد وحدة إنتاجية تُستهلك حتى الرمق الأخير.
جيش العمل الاحتياطي كوقود للرأسمالية الرقمية
لا يمكن فهم الانفجار الهائل في أعداد عمال التوصيل في مصر دون النظر إلى المشهد الماكرو-اقتصادي الأوسع. لم تزدهر هذه التطبيقات بسبب عبقرية تكنولوجية مجردة، بل لأنَّها وجدت أرضيةً خصبةً قوامها معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب، وتآكل القطاع العام، وتراجع الصناعة الوطنية.
يُمثِّل هؤلاء الشباب ما أسماه كارل ماركس بـ«جيش العمل الاحتياطي». الآلاف من خريجي الجامعات، والعمال المُسرَّحون، والشباب الباحثون عن أي منفذ للنجاة من الفقر، يجدون أنفسهم مضطرين للقبول بشروط عمل مجحفة لغياب البدائل. التطبيقات الرقمية لا «تخلق فرص عمل» بالمعنى التنموي الحقيقي، بل تقوم بامتصاص هذا الفائض البشري واستغلال هشاشته الاقتصادية.
تتحوَّل الشريحة الواسعة من عمال «الدليفري» إلى طبقة عاملة جديدة، مشتتة، ومحرومة من القدرة على التنظيم النقابي؛ بسبب طبيعة العمل الفردية والعزلة التي يفرضها التطبيق. فكل عامل يتنافس مع الآخرين على الطلبات نفسها.
لضمان أقصى كفاءة لاستغلال العمال، تقسم الخوارزميات خريطة القاهرة الكبرى إلى «زونات» (مناطق تشغيل مغلقة). يتم التلاعب السيكولوجي بالعمال عبر إرسال إشعارات ترويجية مثل: «اذهب إلى زاوية التجمع الخامس الآن، هناك طلب مرتفع ومكافآت مضاعفة». يندفع المئات من العمال استجابةً لهذا الإشعار، ليجدوا أنفسهم في طابور طويل أمام المطاعم، متنافسين على عدد محدود من الطلبات. هذا التكتيك الخوارزمي - إغراق منطقة بعمالة فائضة - يسمح للمنصة بتخفيض أجر التوصيل التنافسي، ويخلق حالةً من العزلة والعداء الأفقي بين العمال الذين باتوا ينظرون لبعضهم كمنافسين على لقمة العيش، بدلًا من التَّوحُّد كطبقة عاملة ضد سياسات التطبيق.، مما يمنع تبلور وعي طبقي أو عمل جماعي قادر على مواجهة تعسف المنصات.
«رغم العزلة التي تفرضها واجهة التطبيق، فإنَّ هذه الطبقة العاملة الجديدة لا تقف مكتوفة الأيدي. لقد شهدت شوارع القاهرة والإسكندرية في السنين الأخيرة تجمهرات وإضرابات عفوية، (مثل إضرابات طياري «طلبات» و«جلوفو»).
فمن خلال مجموعات وصفحات «السوشيال ميديا»، تمكَّن العمال من هندسة نقابات افتراضية بديلة، حيث يتفقون على «إطفاء التطبيق» الجماعي في ساعات الذروة، لشل قدرة الخوارزمية على تلبية طلبات العملاء، كورقة ضغط للمطالبة بتعديل تسعيرة الكيلومتر، ووقف حظر الحسابات التعسفي. هذه الإضرابات تثبت أنَّ الجسد البشري، مهما تمت أتمتة إدارته، يظل قادرًا على تعطيل آلة رأس المال متى ما أدرك حجم القوة التي يمتلكها.
نحو إعادة تعريف العمل في العصر الرقمي
إنَّ مشهد عامل التوصيل الذي يجوب المدينة ليس دليلًا على حداثة الاقتصاد أو التَّحوُّل الرقمي المزعوم، بل هو تجلٍ فج للنيوليبرالية في أكثر صورها وحشية وتجردًا من البعد الإنساني. إنَّها رأسمالية تستفيد من أحدث ما أنتجته التكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي، الخوارزميات، وتحديد المواقع) لإعادة إحياء أقدم أشكال الاستغلال العمالي التي عرفتها الثورة الصناعية في بداياتها.
التعاطي مع هذه الأزمة لا يجب أنْ يقتصر على الحلول الفردية (كأن نتعاطف مع عامل ونمنحه بقشيشًا إضافيًّا)، بل يتطلب تحرُّكًا هيكليًّا لتفكيك هذه المنظومة. يبدأ ذلك من إعادة تعريف «علاقة العمل» قانونيًّا لإجبار هذه المنصات العابرة للحدود على الاعتراف بعمال التوصيل كعمال حقيقيين، يتحمَّل رأس المال حصته من تكلفة تأمينهم وحمايتهم.
حتى يحدث ذلك، سيظل هؤلاء الشبان يطاردون ثواني الخوارزمية، ويخاطرون بأرواحهم، لا لشيء إلا لضمان استمرار تدفق الأرباح إلى حسابات شركات لا تعرف عنهم سوى أنَّهم مجرد نقاط متحركة على خريطة رقمية.