عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

محمود هدهود

أمريكا وإسرائيل من التردد إلي التحالف الاستراتيجى .. قراءة في تاريخ العلاقات

2026.09.26

(3) قبل حرب يونيو:

كيف بدأت صفقات الأسلحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟

 

في نوفمبر 1963، تولى ليندون جونسون رئاسة الولايات المتحدة خلفًا للرئيس جون كينيدي الذي تعرض للاغتيال. ومع جونسون، اكتمل التحول الجذري في السياسات الأمريكية تجاه إسرائيل من الاحتواء إلى التحالف الوثيق. كان الرئيس جون كينيدي قد حاول تحسين العلاقات مع مصر بقيادة جمال عبد الناصر من خلال المساعدات الاقتصادية، ولا سيما شحنات القمح الأمريكي الفائض في إطار برنامج PL-480، وهو برنامج أطلقته الولايات المتحدة سنة 1954 لتوريد شحنات القمح الميسرة إلى الدولة النامية.

اعتقد كينيدي أن التعاون الاقتصادي قد يشجع عبد الناصر على الاعتدال في سياساته الإقليمية وتقليل اعتماده على الاتحاد السوفيتي، لكن جونسون أخذ يشكك في هذا النهج، ويعود ذلك جزئيًّا إلى استمرار التدخل العسكري المصري في اليمن، ودعم الحركات الثورية، ومعارضة الوجود العسكري الغربي في المنطقة، وتصاعد الخطاب المصري المناهض لواشنطن، وتأميمات 1961 التي قاربت بين مصر والمعسكر الاشتراكي.

وبحلول أواخر عام 1964، كان جونسون يفكر في تعليق المساعدات الاقتصادية الأمريكية لمصر. ورغم أنه امتنع في النهاية عن الوقف المفاجئ لشحنات القمح خشية أن يدفع ذلك عبد الناصر إلى مزيد من التقارب مع موسكو، فإن إدارته باتت تولي اهتمامًا متزايدًا بدعم الأنظمة العربية المحافظة الموالية للغرب.

ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا العداء المتزايد لعبد الناصر تلقائيًّا إلى دعم عسكري أمريكي غير مشروط لإسرائيل. فقد أصبح الرئيس ينظر إلى إسرائيل باعتبارها شريكًا استراتيجيًّا، لكن إدارته ظلت مترددة في التخلي عن القيود التقليدية المفروضة على توريد الأسلحة الهجومية إلى دول الشرق الأوسط.

 

صفقة دبابات باتون

في سبتمبر 1963، أثارت وزيرة الخارجية الإسرائيلية جولدا مائير مسألة حصول إسرائيل على دبابات باتون M-48A الأمريكية مع وزير الخارجية الأمريكي دين راسك، بحجة أن حصول مصر على معدات سوفيتية متطورة يهدد الوضع العسكري التقليدي لإسرائيل. وكرر رئيس الوزراء ليفي إشكول الطلب في نوفمبر، مؤكدًا أن إسرائيل تحتاج إلى دبابات وصواريخ ومعدات بحرية حديثة للتعويض عن غياب ضمان أمني أمريكي رسمي.

رفض المسؤولون الأمريكيون عمومًا التقدير الإسرائيلي للخطر المباشر الذي تمثله الصواريخ المصرية أرض-أرض. ومع ذلك، كان هناك اتفاق واسع على أن القوات المدرعة الإسرائيلية تحتاج إلى التحديث.

واعتبرت هيئة الأركان المشتركة أن استبدال نحو 300 دبابة شيرمان قديمة أمر مبرر من الناحية العسكرية.

وفي يناير 1964، وافق وزير الدفاع الأمريكي روبرت ماكنمارا من حيث المبدأ على بيع الدبابات، وأجاز النظر في ترتيبات ائتمانية لبيع 200 دبابة من طراز M-48A3، و100 دبابة من طراز M-60. ورغم هذا التوافق الظاهر، انتظرت إسرائيل ثمانية عشر شهرًا إضافية قبل التوصل إلى اتفاق نهائي.

وقد ظهرت في ذلك الوقت ثلاثة اتجاهات رئيسية داخل الولايات المتحدة فيما يخص العلاقة مع إسرائيل بحسب عالم السياسة الأمريكية أبراهام بن تسفي. فأولًا، كان هناك التقليديون في وزارة الخارجية، وعلى رأسهم وزير الخارجية دين راسك. عارض هؤلاء تحول الولايات المتحدة إلى مورد رئيسي للأسلحة الهجومية لإسرائيل، فقد خشوا أن يؤدي الدعم العسكري المباشر إلى الإضرار بعلاقات واشنطن بالحكومات العربية، وتشجيع تقارب عربي أكبر مع الاتحاد السوفيتي، وتسريع سباق التسلح الإقليمي.

أمّا البراجماتيون مثل مستشار الأمن القومي ماكجورج باندي ومساعده روبرت كومر، فقد أقروا بحاجة إسرائيل إلى دبابات حديثة، لكنهم أرادوا استخدام المساعدات الأمريكية للحصول على تنازلات إسرائيلية

مقابلة. وكانت استراتيجيتهم المفضلة تقوم على الربط بين الأسلحة الأمريكية وتعهدات إسرائيلية تخدم مصالح أمريكية أوسع.

أمّا الاتجاه الثالث، فمثّله مستشار الرئيس ماير فيلدمان الذي دعا إلى إتمام الصفقة فورًا ودون شروط جوهرية. وشدد فيلدمان على الاحتياجات العسكرية الإسرائيلية، مع مراعاة التداعيات السياسية للقضية على علاقة جونسون بالناخبين اليهود الأمريكيين وأنصار إسرائيل في الكونجرس.

كان جونسون بدوره متعاطفًا شخصيًّا مع إسرائيل، واحتفظ بعلاقات وثيقة مع شخصيات بارزة من أنصارها، منهم الحاخام الأمريكي الليبرالي أبراهام فاينبرج والمنتج السينمائي آرثر كريم. ومع ذلك، تعمّد تأجيل اتخاذ قرار بشأن بيع الدبابات خلال الأشهر الأولى من حملته الرئاسية عام 1964 لأنه أراد أن يستخدم الوعد بتوريد الدبابات كورقة سياسية يقايضها بالصوت اليهودي.

فالموافقة المبكرة على الصفقة قد تسمح بتلاشي أثرها السياسي، وربما تفتح الباب أمام مطالب إسرائيلية إضافية قبل الانتخابات.

وتوضح هذه الواقعة كيف تحوّلت العلاقة مع إسرائيل لأول مرة من قضية استراتيجية في السياسة الخارجية الأمريكية إلى ورقة انتخابية تلعب الحسابات السياسية الداخلية للإدارات المختلفة دورًا محوريًا في صناعة القرار الأمريكي تجاهها وتقديم تنازلات خاصة تجاهها.

 

المسألة النووية

مثّلت المسألة النووية العقبة الرئيسية أمام تطور العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في ذلك الوقت. كانت الاستخبارات الأمريكية قد علمت أن إسرائيل وشركة مارسيل داسو الفرنسية للأسلحة قد أبرمتا اتفاقًا في أبريل 1963 لتطوير صاروخ MD-620 أرض-أرض، القادر على حمل رأس حربي كبير، كمشروع مضاد لمشروع الصواريخ الباليستية الذي كانت مصر تعمل عليه في ذلك الوقت.

أثار هذا الاتفاق، إلى جانب امتلاك إسرائيل مفاعل ديمونة النووي، مخاوف أمريكية بشأن احتمال تطوير قدرة إسرائيلية على إنتاج الأسلحة النووية. وخشي مساعد مستشار الأمن القومي كومر أن يدفع تطوير الصواريخ الإسرائيلية مصر إلى الحصول على أسلحة مماثلة، أو حتى شن هجوم عسكري استباقي، ولذلك اقترح استخدام صفقة الدبابات كورقة ضغط لإقناع إسرائيل بتقييد برنامجها الصاروخي والامتناع عن تطوير الأسلحة النووية.

مثّل ذلك ارتدادًا على النهج المتبع خلال اتفاق صواريخ هوك عام 1962، حين اعتمدت واشنطن بدرجة كبيرة على توقع أن تقابل إسرائيل المساعدة الأمريكية بتنازلات طوعية، فقد أراد البراجماتيون العودة إلى سياسات المساومة التقليدية في حقبة أيزنهاور، أسلحة أمريكية في مقابل تنازلات إسرائيلية. وأراد المسؤولون الأمريكيون أيضًا الحصول على إذن لطمأنة عبد الناصر إلى أن عمليات التفتيش أثبتت الطبيعة السلمية لمفاعل ديمونة.

رفض إشكول هذا الاقتراح في البداية، فقد اعتقد أن الغموض المحيط بالقدرات النووية الإسرائيلية يمكن أن يردع مصر، ورأى أن طمأنة عبد الناصر قد تقوض أمن إسرائيل. واختلف جونسون معه، محذرًا من أن المخاوف المصرية قد تشجع بدلًا من ذلك على تكثيف التسلح أو شن هجوم استباقي.

وخلال زيارته لواشنطن في يونيو 1964، وافق إشكول في النهاية على السماح للمسؤولين الأمريكيين بطمأنة عبد الناصر بشأن ديمونة، لكنه واصل رفض عمليات التفتيش الشاملة التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

 

الوسيط الألماني

أرادت واشنطن أيضًا تجنب توريد الأسلحة الهجومية إلى إسرائيل بصورة علنية، تمامًا كما كان الحال في صفقة الأسلحة السوفيتية التي حصلت عليها مصر سنة 1955 عبر تشيكوسلوفاكيا. واعتقد كومر أن الولايات المتحدة تستطيع الحفاظ على نفوذها لدى الحكومات العربية من خلال ترتيب حصول إسرائيل على دبابات أمريكية الصنع عبر وسطاء أوروبيين.

رفضت إسرائيل أن تكون دبابات سنتوريون البريطانية بديلًا عن دبابات باتون مستندة إلى سعر الدبابة الأمريكية ومزاياها التشغيلية، ولذلك ركّزت الإدارة على ألمانيا الغربية. وفي يوليو 1964، أقنع جونسون المستشار لودفيج إيرهارد بالمشاركة في ترتيب ثلاثي، تزود فيه الولايات المتحدة ألمانيا الغربية بدبابات أحدث من طراز M-48A3، بينما تنقل بون 150 دبابة أقدم من طراز M-48A1 إلى إسرائيل عبر إيطاليا.

كانت السرية شرطًا أساسيًا لهذا الترتيب، غير أن تقارير عن الصفقة بدأت تظهر في الصحافة الألمانية أواخر عام 1964، وأعقبتها تسريبات أكثر تفصيلًا مطلع عام 1965. وهددت الحكومات العربية باتخاذ إجراءات دبلوماسية ضد بون، بما في ذلك الاعتراف بألمانيا الشرقية، ودعت مصر أيضًا الزعيم الألماني الشرقي فالتر أولبريشت إلى القاهرة.

وفي مواجهة الضغوط المتصاعدة، علّق المستشار الألماني الغربي لودفيج إيرهارد تنفيذ الصفقة في 12 فبراير 1965، وعرض على إسرائيل تعويضًا ماليًّا بدلًا منها، ولم يكن قد سُلّم سوى 40 دبابة من أصل 150 دبابة متفقًا عليها. وأجبر فشل القناة الألمانية واشنطن على إعادة النظر في إمكانية بيع الأسلحة مباشرة إلى إسرائيل.

 

المقايضة مع الأردن

تزامن انهيار الترتيب الألماني مع مشكلة استراتيجية أمريكية منفصلة تتعلق بالأردن. كان الملك حسين قد طلب معدات عسكرية أمريكية، وهدد بشراء أسلحة سوفيتية، ولا سيما مقاتلات ميج-21، إذا رفضت واشنطن طلبه. وخشي صانعو السياسة الأمريكيون أن تؤدي شحنات الأسلحة السوفيتية إلى زيادة النفوذ المصري في الأردن، وربما تهدد بقاء النظام الملكي الموالي للغرب.

وجعلت الحدود الطويلة التي تجمع الأردن بإسرائيل هذا الاحتمال بالغ الحساسية.

أيّد التقليديون تسليح الأردن لمنع التغلغل السوفيتي، لكنهم عارضوا في البداية تعويض إسرائيل تلقائيًّا عن ذلك. أما باندي وكومر فتبنيا موقفًا مختلفًا، إذ رأيا أن مبيعات الأسلحة الأمريكية للأردن ستولد حتمًا مطالب إسرائيلية بمساعدات مماثلة، وستثير معارضة سياسية داخل الولايات المتحدة ما لم تطمئن واشنطن إسرائيل في الوقت نفسه.

وبدلًا من انتظار الضغوط حتى تصبح حتمية، اقترح البراجماتيون تنسيق الصفقتين منذ البداية. واعتقدوا أن ذلك سيحافظ على قدرات الردع الإسرائيلية، ويقلل احتمال شن إسرائيل عملًا عسكريًّا استباقيًّا، ويتيح لواشنطن تحديد شروط مساعداتها. وهكذا، حولت الأزمة الأردنية صفقة الدبابات من قضية ثنائية أمريكية إسرائيلية إلى عملية تفاوض ثلاثية الأطراف. وبحلول مطلع عام 1965، قبل حتى التقليديون ضرورة الربط بين الاتفاقين الأردني والإسرائيلي.

أوفد جونسون كلًا من مساعد مستشار الأمن القومي روبرت كومر ومساعد وزير الخارجية أفريل هاريمان للتفاوض مع القادة الإسرائيليين في فبراير 1965. وكان كومر قلقًا من أن المسؤولين الإسرائيليين الذين أثارت مخاوفهم إعادة تسليح الأردن المرتقبة وإلغاء الصفقة الألمانية، باتوا يفكرون في القيام بعمل عسكري استباقي، وخلص إلى أن إمدادات الأسلحة الأمريكية المباشرة أصبحت ضرورية لطمأنة إسرائيل وتقليل مخاطر التصعيد.

ومع ذلك، واصلت واشنطن المطالبة بتنازلات جوهرية، وشملت هذه التنازلات قبول إسرائيل بمبيعات الأسلحة الأمريكية للأردن، وضبط النفس بشأن المساعي العربية لتحويل منابع نهر الأردن، والخضوع لضمانات رقابية دولية شاملة على منشآتها النووية.

لكن الحصول على التنازل النووي ثبت أنه غير ممكن، فقد أصر إشكول على أن إسرائيل لن تقبل ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلا إذا أخضعت مصر مفاعلها النووي للرقابة الدولية في الوقت نفسه.

وكانت السياسة الداخلية الإسرائيلية لا تسمح لإشكول بأي موقف آخر، فأنصار منافسه رئيس الوزراء السابق ديفيد بن جوريون كانوا يتهمونه بالتفريط في السيادة النووية الإسرائيلية.

ومع انتظار الأردن الرد الأمريكي، تخلت الإدارة في النهاية عن إصرارها على القبول الفوري بضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي 10 مارس 1965، وقّع كومر وإشكول مذكرة تفاهم وضعت الإطار العام للصفقة. وافقت واشنطن على تزويد إسرائيل بـ210 دبابات من طراز M-48A. ومن بين هذه الدبابات، حلت 110 دبابات محل الدبابات الألمانية التي لم تُسلّم، بينما شكلت المئة الأخرى تعويضًا عن القرار الأمريكي بتزويد الأردن بمعدات مماثلة.

وأرسى الاتفاق مبدأ المعاملة بالمثل، حيث تستطيع إسرائيل الحصول على عدد من الدبابات لا يقل عن العدد الذي تبيعه الولايات المتحدة للأردن، وبجودة لا تقل عن جودة الدبابات الموردة إليه. وفي المقابل، قبلت إسرائيل الصفقة الأردنية، وتعهدت بالحفاظ على سريتها، وجددت التزامها بألا تكون أول دولة تُدخل الأسلحة النووية إلى الشرق الأوسط. والأهم أن مذكرة التفاهم لم تتضمن أي التزام بعمليات تفتيش من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

كما لم تحصل واشنطن على تعهد إسرائيلي ملزم بالامتناع عن العمل العسكري ضد مشروعات تحويل المياه العربية. وأُبرمت صفقة الدبابات رسميًّا في 29 يوليو 1965، بقيمة 42 مليون دولار تُدفع على مدى عامين.

مثّل اتفاق دبابات M-48A مرحلة مهمة في تحول العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. فقد تغلبت استراتيجية الربط التي تبناها البراجماتيون على مقاومة التقليديين لمبيعات الأسلحة المباشرة، وعلى تفضيل فيلدمان تقديم المساعدات دون شروط. ومع ذلك، حصلت واشنطن على أقل بكثير مما طالبت به في البداية.

وواصل وزير الخارجية راسك وصف صفقة الدبابات بأنها استثناء من السياسة الأمريكية التقليدية، وليست تغييرًا دائمًا فيها. لكن الصفقة أرست سابقة لمبيعات أمريكية مباشرة من الأسلحة الهجومية الرئيسية

لإسرائيل. وبذلك وُضعت الأسس العسكرية للتحالف الأمريكي الإسرائيلي قبل حرب يونيو 1967.

 

صفقة سكاي هوك

في 18 مارس 1965، وبعد أسبوع من اتفاق بيع الدبابات لإسرائيل، أبرمت واشنطن اتفاقًا لتسليح الأردن بمقاتلات جوية.

جعل هذا القرار التوصل إلى اتفاق بشأن الطائرات مع إسرائيل أمرًا يصعب تجنبه، وقد كان الاتفاق الأمريكي الإسرائيلي قد تضمن التزامًا عامًا بضمان إتاحة الفرصة لإسرائيل لشراء طائرات قتالية من مورّدين غربيين، أو من الولايات المتحدة إذا تعذر ذلك. غير أن الاتفاق لم يحدد نوع الطائرات أو عددها أو الشروط النهائية للصفقة.

وأصبحت هذه المسائل موضوع مفاوضات مطولة.

حاولت واشنطن في البداية تجنب بيع الطائرات الأمريكية مباشرة إلى إسرائيل، وفضّلت الإدارة أن تشتري إسرائيل الطائرات من الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا. وعكس هذا التوجه سياسة أمريكية قديمة تقوم على تجنّب الانخراط المباشر والواسع في نقل الأسلحة إلى الشرق الأوسط.

وفي يونيو 1965، أصدر راسك تعليماته للدبلوماسيين الأمريكيين بالبحث في البدائل الأوروبية، وأصر على ألا تورد واشنطن طائرات لإسرائيل إلا إذا أثبتت الأخيرة عدم توافر معدات أوروبية مناسبة. وحتى في هذه الحالة، اشترط ألا تشمل أي صفقة أمريكية طائرات تفوق سرعتها سرعة الصوت، وألا يتجاوز عدد الطائرات 24 طائرة، وألا تبدأ عمليات التسليم قبل عام 1967.

كان القلق الأساسي يتمثل في احتمال تحوّل الولايات المتحدة إلى الراعي العسكري الرئيسي لإسرائيل، بما يؤدي إلى تغيير جوهري في موقع واشنطن الإقليمي. وكانت إسرائيل تدرك ذلك، وتصر على الطائرات الأمريكية لهذا الهدف بالذات.

في أكتوبر 1965، زار قائد سلاح الجو الإسرائيلي عيزرا وايزمان واشنطن لعرض احتياجات إسرائيل من الطائرات. وقال إن نصف الطائرات القتالية الإسرائيلية، البالغ عددها نحو 200 طائرة، أصبحت متقادمة. وفي الوقت نفسه، كانت مصر وسوريا تحصلان على طائرات وأنظمة دفاع جوي سوفيتية متزايدة التطور. وكانت قائمة المشتريات التي اقترحها طموحة، إذ شملت 45 مقاتلة قاذفة من طراز فانتوم F-4، و165 طائرة سكاي هوك A-4 الأقل تكلفة.

لكن المسؤولين الأمريكيين ظلوا متشككين. ورغم إقرار كومر بالمخاوف التقنية لسلاح الجو الإسرائيلي، فقد اعتقد أن إسرائيل لا تزال تتمتع بتفوق عسكري إجمالي على جيرانها العرب، ولا سيما في القوات المدرعة. ولذلك رفضت واشنطن الموافقة الفورية على المطالب الإسرائيلية، واشترطت إجراء مزيد من البحث عن موردين أوروبيين.

ثم تغير الوضع مطلع عام 1966 عندما أفاد السفير الأمريكي في باريس تشارلز بولن بأن فرنسا على الأرجح لن تتيح طائرات مناسبة لإسرائيل. وبناءً على ذلك، تخلى كومر عن موقف راسك وبدأ يدعو إلى إتمام صفقة تخضع لضوابط وشروط دقيقة.

رأى كومر أن تعزيز القدرات العسكرية التقليدية الإسرائيلية من شأنه أن يحافظ على تفوقها الردعي على مصر، ويقلل احتمال اندلاع حرب عربية إسرائيلية جديدة. كما يمكن لتوفير الطائرات الأمريكية أن يخفف

الانتقادات الصادرة عن الكونجرس والمنظمات المؤيدة لإسرائيل. وبدلًا من مقاومة بيع الطائرات إلى أن تجعله الضغوط السياسية أمرًا حتميًا، أوصى كومر بالموافقة المبكرة على الصفقة، بينما لا تزال واشنطن تمتلك قدرة تفاوضية كافية لفرض الشروط. وفي مطلع عام 1966، تبنى الرئيس جونسون هذا النهج في النهاية.

وعاد البرنامج النووي الإسرائيلي ليكون موضوعًا رئيسيًّا في المفاوضات. وأشارت تقارير الاستخبارات الأمريكية إلى احتمال امتلاك إسرائيل قدرات نووية عسكرية بحلول عامي 1968 و1969. وكانت واشنطن قلقة بصورة خاصة بشأن منشأة ديمونة النووية، واحتمال استخدام الطائرات الأمريكية الموردة لإسرائيل مستقبلًا بوصفها وسائل لحمل الأسلحة النووية.

وكان تفتيش أمريكي قد أُجري في يناير 1965 قد انتهى إلى عدم وجود أدلة على برنامج وشيك لتطوير الأسلحة النووية. ومع ذلك، رصد العلماء الأمريكيون قدرات بحثية وإنتاجية كبيرة مرتبطة بالبلوتونيوم، تستدعي استمرار المراقبة.

وسعت واشنطن إلى إجراء عمليات تفتيش منتظمة، يُفضل أن تكون كل ستة أشهر. لكن إشكول قاوم تحويل هذه الزيارات إلى نظام تفتيش مؤسسي منتظم، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى تسريب تفاصيل عملية التفتيش السابقة إلى الصحافة الأمريكية. وقد عزز انتصاره الانتخابي في نوفمبر 1965 موقعه السياسي الداخلي، ما أوجد فرصة ظاهرية لاستئناف المفاوضات. ومع ذلك، واصل إشكول تأجيل عمليات التفتيش ورفض الالتزام بجدول زمني ملزم لها.

ثم جرت المفاوضات الحاسمة خلال زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان إلى واشنطن في فبراير 1966، لكن راسك ظل قلقًا بشدة من انتشار الأسلحة النووية، وشكك في الالتزام الإسرائيلي الغامض بعدم إدخال هذه الأسلحة إلى المنطقة. أمّا جونسون فتبنى نهجًا أكثر ودية، معبرًا عن صداقته لإسرائيل ومؤكدًا رغبته في ضمان أمنها.

وفي 12 فبراير 1966، قدّم وزير الدفاع روبرت ماكنمارا اقتراحًا محددًا، وهو أن تبيع واشنطن لإسرائيل 24 طائرة سكاي هوك A-4E، مع منحها خيار شراء 24 طائرة إضافية، في مقابل تأكيد إسرائيل التزاماتها النووية، وقبول عمليات تفتيش أمريكية دورية لديمونة، والتعهد بعدم استخدام الطائرات الأمريكية بوصفها وسائل لحمل الأسلحة النووية.

قبلت إسرائيل معظم الشروط، لكنها قاومت أي التزام رسمي بالسماح بإجراء عمليات تفتيش دورية. وأفضت مفاوضات إضافية إلى تسوية في مارس 1966. فقد أعادت الرسالة الرسمية التي قدّمها السفير أبراهام هارمان تأكيد التزام إسرائيل بعدم إدخال الأسلحة النووية إلى الشرق الأوسط، وتعهدها بعدم استخدام الطائرات الأمريكية وسائط لإيصال الأسلحة النووية، بينما أغفلت الرسالة شرط التفتيش. لكن في رسالة بتاريخ 11 أبريل، وافقت إسرائيل على السماح بزيارات أمريكية لديمونة من وقت إلى آخر. وزار علماء أمريكيون ديمونة بالفعل في 2 أبريل، لكن واشنطن أخفقت في الحصول على نظام التفتيش المنتظم الذي طالبت به في الأصل. رغم ذلك، أُعلن اتفاق سكاي هوك رسميًّا في 20 مايو 1966.