دراسات
سلمى مبارك«التلصص» لصنع الله إبراهيم.. ضيق العيش ورحابة المعرفة.. الجزء الثالث
2026.02.14
«التلصص» لصنع الله إبراهيم.. ضيق العيش ورحابة المعرفة.. الجزء الثالث
في الجزأين السابقين، رأينا كيف تتبدَّى في رواية «التلصص» سردية النسب العائلي، وما تتضمَّنه من قَصِّ الغياب (غياب الأم)، الذي يسعى الروائي إلى التصالح معه من خلال الكتابة. في الجزء الثالث والأخير نتتبع سمات السيرة الذاتية الاجتماعية في الرواية التي تحكي مجتمع الطبقات وحركة العبور بينها، والمسار الاجتماعي والفكري الذي اتخذه الراوي في ذاك السبيل هبوطًا وصعودًا.
مجتمع الطبقات.. والعبور إلى أسفل
«ليس تاريخ الفرد سوى توصيفٍ للتاريخ الجمعي لطبقته[1]». بيير بورديو
في مقابلة تلفزيونية أجراها صنع الله إبراهيم على قناة «الغد»، يقول إنه بوصفه ابنًا من زوجة ثانية شابة تنتمي إلى طبقة اجتماعية متواضعة، وأب أنجبه في الستين من عمره من عائلة برجوازية مارست الاستعلاء والاحتقار عليه طفلًا، عاش مشاعر وَجَّهت اختياراته السياسية وتعاطفه المستمر مع الطبقات المغلوبة. لم يكن ميل صنع الله لليسار في أفكاره ومبادئه حدثًا فرديًا، بل اشترك مع العديد من أبناء جيله في رفض مجتمع التفاوتات العنيفة، حيث القلة تتمتع بالثروة والسلطة، بينما الغالبية العظمى محرومة. كان التوق للأفكار الاشتراكية والعمل النضالي على تحقيقها هو أحد أوجه انتصار الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية، وجاء انتشار الشيوعية في العديد من بلدان العالم ومن ضمنها مصر، بوصفها مسارًا موازيًا ومناهضًا لتوحش الإمبريالية الرأسمالية.
تظهر الحدود الطبقية في رواية «التلصص» على مستويين: المستوى الفردي، والمستوى الجماعي. تفصل أولًا تلك الحدود في حاضر السرد، بين حياة الطفل الفقيرة مع أبيه في بيئة اجتماعية متدنية، وحياته مع أبيه وأمه في ماضي السرد، حيث رغد العيش وطيب المقام. تظهر ثانيًا تلك الحدود بشكل جلي لتفصل بين الحياة القاسية للابن والأب في الحي الفقير والحجرة القذرة، وحياة الأخت وأسرتها الموسرة في المنزل الراقي بحي مصر الجديدة الذي يترددان عليه. إضافة إلى ذلك، تظهر الفروق بين طبقة الأب الوسطى والطبقة الشعبية التي تنتمي إليها الممرضة الصغيرة، أم الراوي التي تزوجها الأب الخمسيني.
- جابها لنا الدكتور لما «أم نبيلة»، الله يرحمها، قعدت في السرير. كانت بتشتغل عنده في العيادة. تنضف وتقابل الزباين، معاها الابتدائية، الدم بيفط من خدودها. أبوها صاحب ورشة متجوز على أمها، الأم صفرا وقاسية مبترحمش، دايمًا تضربها... «نبيلة» وأخوها كانوا اتجوزوا وسابوا البيت لقيت حد يتكلم معايا. كانت بتقرا الجرايد وتكلمني في السياسة. وتتنبأ بحاجات كتير. قالت لي «هتلر» نهايته وحشة و«غاندي» حيتقتل. لحست عقلي. ولأول مرة في حياتي أحب. تصور؟ واحد عنده ٥٥ سنة ويحب؟ قلت لها نتجوز. وافقت. أبوها قال فرق السن كبير. قالت له وماله أنا باحبه. اتجوزتها في السر. (ص 112).
أما على المستوى الجماعي، فمن خلال أحاديث الأب مع أصدقائه وتناقل الأخبار في جلسات «الدكان»، نتعرَّف على أحوال الملك وأخبار الفنانين والشعب، وارتفاع أسعار السلع، وماهيات الموظفين، وفرض الضرائب، وتحديد الملكيات الزراعية وصعوبة الحياة وفساد السياسيين وصعود أغنياء الحرب... إلخ. مما يدور على الألسنة ويشي بالفوارق الاجتماعية والأزمات التي تخنق المجتمع.
في هذا المجتمع الطبقي، يتَّخذ مسار الراوي الطفل وأبيه اتجاهًا إلى أسفل في عملية عبور باتجاه الأدنى. فتُفتتح الرواية على انتقال سكن الأسرة من حي بورجوازي إلى حي شعبي، ومن شقة إلى حجرة. نقرأ وصفًا للأب يبدو فيه كشخصية تتمسَّك بمظهر يوحي بالهندام والقوة والوقار. «خليل بيه» هو الاسم واللقب الذي يطالعنا له، ويحدد موقعه من السلم الاجتماعي.. لكن هذا «البيه» في الواقع هو موظف على المعاش، يعيش بدخل متواضع تقتطع الحكومة جزءًا منه لأسباب يجهلها. تتوقف عين الطفل كثيرًا في وصفه للمشاهد عند تفاصيل عدة خاصة بالنظافة والروائح الطيبة في بيت الأخت، تعبِّر عمَّا يفتقده في الحجرة الصغيرة الفقيرة التي استأجرها أبوه ليعيشا فيها.
«تنضم إليه أختي: (باتوا هنا، العشا جاهز). تفرش لنا مرتبة وثيرة على الأرض تغطيها ملاءة نظيفة لها رائحة مميزة ربما زهرة الغسيل مع الديتول. المخدات طرية ونظيفة وليست متعجنة متخشبة كمخداتنا. اللحاف أيضًا نظيف ورائحته حلوة. يرتدي أبي جلبابًا مخصصًا له. أبيض زي الفل. يظل النور مضاء وتأتيني أصوات زهر الطاولة». (ص 63).
وفي المقابل، يصف الراوي/الطفل القبح وخشونة العيش في غرفته مع أبيه:
يصحبني إلى الكنيف المفتوح لأتبول. أشكو من الرائحة فيقول إن السيفون تالف. أردد آية الكرسي كما علمني. يدفعني في رفق لأصعد فوق قاعدة الكنيف الحجرية. أقاوم فيصعد معي ليقف بجواري. يمسكني من كتفي بينما أفك أزرار سروالي. أرفع نظري إلى الجدران، يسقط شعاع من ضوء الصالة الضعيف على بقع كبيرة سوداء. تتحرَّك إحدى البقع فجأة صاعدة إلى أعلى. أتشبث بملابس أبي. يقول: متخفش، ده «أبو شبت» (ص 22).
يتجلى في مواقف عدة عجز الأب عن ابتياع احتياجات الطفل من ملابس وطعام وغيرها.
«يغادر الكونستابل الغرفة ويعود بقطعة قماش وبيجامتين. القماش سميك ذو لون بني داكن. يقول أبي وهو يفحصه ده قماش ستاير. يقول الكونستابل: وينفع بدلة. يبسط البيجامتين. واحدة بيضاء مخططة لها زراير من الصفيح، يقول أبي: دي بتاعة أسرى الحرب. يطلب مني ارتداءها. أجدها على مقاسي. الأخرى لونها سمني بزراير من الصدف. يقول إنها خفيفة تصلح للصيف. يستمهله أبي حتى أول الشهر». (ص 73).
كما نرى تدهور حال الأب من خلال نظرة المحيطين ممَّن عرفوه سابقًا وأصبحوا يرأفون لحاله، وفي نظرة الاستعلاء الخفية في عين أخت الراوي، وهو ما يؤكد التدني الاجتماعي للطفل/الراوي/الأديب، والمفارقات التي وضعته في خانة المنبوذين، حيث ألحقته بطبقة أمه وبانحدار أبيه بسبب ارتباطه بهذه الأم[2].
«المطالعة.. وما أدراك ما المطالعة»
إذا كان الطفل الذي عانى شظف الحياة هو مَن أصبح صنع الله إبراهيم الأديب المرموق، الذي كتب هذه الرواية في سن الخامسة والستين، فإن هذا المسار يشير إلى عبور كان التعلُّم والكتابة الأدبية والاختيارات السياسية المتأثرة بالخلخلة الطبقية التي عاشها هي ما قادت إليه. هذا العبور الفكري إلى أعلى يأتي مقابلًا للعبور الطبقي إلى أسفل.
يخصِّص صنع الله إبراهيم في رواية «التلصص» فقرات وصفحات عدة تصف علاقته بالكتاب، وبالقراءة والكتابة، والمدرسة، فيصحبنا داخل الفصول، مع المدرسين بهيئاتهم، والتلاميذ وألعابهم، ودروس العربي والحساب والجغرافيا، الفروض المدرسية وكراسة الإنشاء، بالإضافة إلى كتب الوالد: المجلات العربية والأجنبية، كتاب «شمس المعارف»، «بردة البوصيري»، «المحاسن والأضداد» للجاحظ. يبدو الكتاب كالرفيق المخلص للراوي الطفل، ونقطة النور الوحيدة المضيئة في ظلام حياته. يلجأ له في ساعات الوحدة والملل، وتبدو المدرسة كالملاذ في ساعات الضيق. فواحد من أطول الفصول عن يوم الراوي في المدرسة يأتي بعد اكتشافه فضيحة الأب في مشهد مضاجعة الخادمة، وبعد خروجه غاضبًا من باب الشقة. «أستدير مغادرًا الغرفة. ألتقط شنطتي من فوق البوفيه. أفتح باب الشقة. أغلقه خلفي بعنف». على مدار خمس صفحات يصاحبنا الراوي في يومه الدراسي ودروس الإنجليزية والطبيعة، والكيمياء، واللغة العربية، والرسم، وفي الفسحة ومع زملائه... إلخ. متجاهلًا تمامًا ما رآه، وكأن الغوص في عالم المعرفة هو الملهاة عمّا يكدره ويحاول تناسيه.
كذلك الحال في فقرات عدة من الرواية، يظهر فيها دور الأب كمَعبَر يقود إلى العلم: «يصلي العصر. يجلسني أمامه فوق السرير. يضع نظارته فوق أنفه. يشرح لي من كتاب الجغرافيا الفرق بين البوغاز والخليج والبرزخ. يوبخني لأني أنسى». (ص 132). أما آخر فقرة في الرواية والتي تأتي بعد المشهد الختامي الصادم للأم على فراشها في مستشفى الأمراض العقلية. فيكرسها للقلم والكراس:
«أضع الشنطة جانبًا. أفتح كراسة الإنشاء. أكتب كلمة (المطالعة) في منتصف السطر. أفكر ثم أترك سطرًا وأكتب بحروف كبيرة: (المطالعة وما أدراك ما المطالعة). يمتلئ السطر. أترك سطرًا وأنتقل إلى السطر التالي. أتوقف عاجزًا عن الاستمرار.
أنتظر حتى ينتهي من ألفيته. أقترب منه في تردد حاملًا كراسة المسودات وقلم الحبر. يكتب لي دائمًا موضوعات الإنشاء ثم أنقلها بخطي. أتطلع إلى خده الحليق الناعم.
يتناول مني الكراس.
يقول: هات القلم الرصاص». (ص 300).
«المطالعة وما أدراك ما المطالعة». «هات القلم الرصاص». تحيل هاتان الجملتان في نهاية الرواية إلى القراءة والكتابة كحياة، وإلى دور التعلم كجسر للخروج من المأزق الوجودي، وسبيل للترقي الفكري والإنساني، وكأنهما الحل للمعضلة التي اختزنها الكاتب على مدار سنوات عمره، والجواب عن إشكالية الأصل والنسل التي صاغت خياراته في الحياة.
تتأكد هذه الفرضية من خلال ما يقوله صنع الله إبراهيم في حوار عن مكتبة والده، وأنواع الكتب المختلفة التي كانت موجودة بها من كتب تراثية، ودينية، وروايات عالمية، وغيرها، وربطه بين وجود مثل تلك المكتبة في منزله وطبقة الأب الاجتماعية التي كانت تسمح لموظف عام ينتمي إلى شريحة متوسطة بامتلاك أدوات تلك الثقافة، وكذلك قوله إن والده كان «مدرسة».
مكَّن هذا التكوين المعرفي الأول، الطفلَ صنع الله من وضع قدمه على سبيل الفكاك من البنى الاجتماعية والقيمية المسيطرة، فأصبحت المعرفة هي السبيل إلى التمرد والثورة التي ظهرت في جل كتاباته، وهي التي قادته كذلك من الكتابة عن الهموم السياسية والقضايا الاجتماعية، إلى الكتابة للأطفال في مجال تبسيط العلوم، وكأن العلم والمعرفة هما ما يريد نقله كميراث للأجيال اللاحقة.
تضع سردية النسب مفهوم الميراث في محور قضاياها. ماذا نرث عن آبائنا؟ ما ميراث الراوي/الكاتب من العالم الذي شبَّ فيه؟
في «التلصص»، يرث الراوي عالمًا يفتقر إلى العدل والمساواة، وبيتًا يفتقر إلى وجود الأم ونعومة الحياة. يتحمَّل الراوي عبء هذا الميراث، ميراثه من أبيه (إشكاليات الجنس والعلاقة مع المرأة، وميراثه من الأم: غيابها، واستبطان الطفل للنظرة الدونية التي وُجِّهت له بسبب انتسابه إليها، وما تبعها من استبعاد طبقي). يبدو أن صنع الله إبراهيم قد حمل بداخله إحساسًا مزدوجًا بالعار كانعكاس داخلي لسلم القيم السائدة، شعورًا حاربه بثوراته على التابوهات الأخلاقية والمجتمعية والسياسية على مدار مسيرته الأدبية والحياتية. من منظور نفسي، قد تبدو الثورة على القيم السائدة وعلى مجتمع الطبقات، السبيلَ للتصالح مع تروما الطفولة.
تقف هذه الرواية الذاتية التي تبحث في النسب العائلي وحيدة في كتابات مَن انتمى لجيل رفض ميراث الأجيال السابقة («نحن جيل بلا أساتذة»، صرخة محمد حافظ رجب)، وتتماس في استعادتها للماضي مع ما قاله بول ريكور عن «الذاكرة الممنوعة»[3]، حين يقوم الشخص بكبت ذكريات أليمة لا يستطيع التصريح بها لذاته، وتظل تلاحقه على مدار حياته.
ومع ذلك، فإن ميراث المعرفة التي منحها إياه الأب قد قاده إلى دروب الكتابة، الكتابة التي تأبى على النفس أن تظل أسيرة لهذا الكتمان، فتقود الروائي إلى الرغبة في استجلاء التاريخ الشخصي، ثم الإعلان عنه. لكنها في روايتنا معرفة تأتي عن طريق التلصص، لا تتدفق في حرية وسلاسة، بل تتأتى من خلال النظر الممنوع من وراء الحجب. تتجلى هذه الجدلية في عنوان الرواية بين رحابة المعرفة وضيق السبيل إليها، بين ما تمنحه من حرية، وما يغلق عليها الأبواب.
«وفي مغرب يوم من سنة ١٩٥١م، كنا أنا وأبي عائدَين من زيارة لأحد أقاربنا في شرق القاهرة، توقفنا في ميدان العتبة لنأخذ (الباص) إلى غربها حيث نقطن. اتخذنا أماكننا في مقاعد الدرجة الثانية. نعم كانت مقاعد (الباص) آنذاك - والترام أيضًا - مقسمة إلى درجتين بثمنين متفاوتين للتذاكر التي يُوزّعها (كمساري) برداء أصفر مميز أثناء مروره على الركاب.
جلسنا أنا وأبي خلف الحاجز الزجاجي الذي يفصل الدرجتين، وتابعت في حسد ركاب الدرجة الأولى، بينما كان أبي غارقًا في أفكاره التي تُثيرها دائمًا أمثال هذه الزيارات. قلت بحماس طفولي: سيأتي اليوم الذي يزول فيه هذا الحاجز، بل ويصبح الركوب بالمجان».
تذكرت الروايات التي أعشق قراءتها فأضفتُ: «والكتب أيضًا!»[4]
أليست هذه المراوحة بين الحجب والحرية هي ما يُشكِّل نواة الكتابة عند صنع الله إبراهيم؟
- مصادر:
[1] Pierre Bourdieu, Esquisse d’une théorie de la pratique, Genève, Librairie Droz, 1972, p. 189.
[2] مقابلة تلفزيونية مع صنع الله إبراهيم.
[3] وهي الفكرة التي تناولها في كتابة :
La Mémoire, l'histoire, l'oubli , Seuil, Paris, 2000.
[4] من مقدمة صنع الله إبراهيم للطبعة الإلكترونية الصادرة عن مؤسسة هنداوي لرواية «التلصص»