دراسات
سلمى مباركالتلصص لصنع الله إبراهيم.. بين الأب الحاضر والأم الغائبة.. الجزء الثاني
2026.02.07
في الجزء السابق من هذه الدراسة رأينا أنَّ السرد في رواية «التلصص»، يدور حول شخصيتَي الأب والأم، حيث يعود الكاتب إلى تاريخ العائلة؛ لتسليط الضوء على علاقات إشكالية أدَّت إلى حدوث انفصال وجداني أو فعلي أو الاثنين معًا لدى الراوي (أزمة في العلاقة مع الأم أو الأب، غياب أحد الوالدين، قصة عائلية مخزية ومسكوت عنها، إلخ). ويأتي مشروع الكتابة في سعي للتصالح مع هذا الصدع.
في «التلصص» يظهر الخزي مزدوجًا، ويتجلَّى على صعيد علاقة الابن بالأب والأم على حد سواء، وهو ما سنتعرَّض له بالتفصيل في هذا الجزء.
تحكي الرواية على مدار فترة قد تصل إلى شهور، بداية من عام 1948، على لسان طفل، مشاهد من حياته اليومية، حيث يتشارك غرفةً قذرةً وسريرًا واحدًا مع أبٍ مُسنّ. يقضي الطفل الوحيد وقته متلصصًا على مَن حوله من خلال النظر من فتحات الأبواب، وفتح الأدراج المغلقة، والتنصت على كلام الكبار، مع مراوحة بين حاضر حياة العوز مع الأب، وماضٍ حالم مع ذكريات الأم. وفي خلفية الرواية تتجلَّى نهاية الحرب العالمية الثانية، وحرب 1948 وهزيمة القوات المصرية، وفساد الملك، والتفاوتات الطبقية الكبيرة، وصعوبة المعيش.
حضور الأب
يظهر الأب في «التلصص» رجلًا ضخمًا، عابسًا، صامتًا. أما الابن فهو طفل خجول، ضعيف، وحيد، لديه كثير من الفضول. من ناحية تكشف الرواية عن علاقة حميمة وخاصة جدًا بين الطفل ذي العشرة أعوام، والأب الستيني، تتردَّد على طوال صفحات الرواية. فهذا الأب يقوم بأعمال المنزل: يطبخ، يكوي، يعتني بالابن عندما يكون مريضًا، يساعده في فروضه المدرسية.
لكن هل يملأ فراغ الأم؟
- «ناوي تسهر معانا الليلة؟ أم كلثوم حتغني (هلت ليالي القمر)».
يلتفت أبي ناحيتي ثم يقول: «لما أشوف».
ينصرف «عبد العليم». أعتدل جالسًا أقول له: «بابا متسيبنيش لوحدي». يتأملني لحظة، ثم يقول: «طب قوم البس هدومك».
أرتدي ملابسي بسرعة، أمسح زجاج النظارة بمنديل. نخرج إلى الحارة. «سهام» في نافذتها كالعادة. نخرج إلى الشارع. نتجه إلى ميدان «السكاكيني». نجتاز عدة شوارع إلى أنْ نبلغ سينما «ريالتو». قاعة مزدحمة، صفير وضجيج وصياح. نصعد سلمًا قصيرًا إلى منصة عالية، نجلس فوق دكة خشبية. باعة اللب والسوداني والسميط يسعون بين الدِّكك. أَهُمُّ بالجلوس فوق فخذيها فتبعدني عنها، يأخذني أبي بين ساقيه. يمرُّ بنا بائعٌ في جلباب نظيف علَّق في ذراعه سبتًا مغطى بالقماش. يشتري لكل منا سميطة بالسمسم. يُعطينا البائع معها شريحةً من الجبن الرومي فوق ورقة في حجم الكف. يشتري لي أبي كيسًا من اللب. فيلمان: الأول قصير، عبارة عن حلقة من مغامرات «جيس وجيمس». والثاني «بلبل أفندي» لـ«فريد الأطرش» و«صباح». تظلم الشاشة فجأةً ويُضيء نور القاعة. تتصاعد الصيحات. يخلع أبي طربوشه، تلمع صلعته في الضوء. يشعل سيجارته.
يتواصل العرض، الجو خانق. يخلع أبي سترته. ينتهي الفيلم ويسطع النور، وجهه عابس، يمسح عرقه، يرسم على شفتيه ابتسامةً. ننتظر حتى يخف زحام الخارجين، يحتوي يدي في قبضته القوية. نخرج إلى الشارع، يشتري لي «بسبوسة» من محل حلواني، نمشي على مهل، الحارة غارقة في الظلام. مدخل منزلنا أيضًا. أتعلَّق بسترته. تلتف ذراعاه حولي». (ص73)
يُظهر هذا المقطع تخلي الأب عن سهرة مع أصدقائه ليصحب طفله لمشاهدة فيلم. وعلى الرغم من «وجهه العابس»، فإنه «يرسم على شفتيه ابتسامة». كما يظهر احتواء الأب «يأخذني أبي بين ساقيه»، «يحتوي يدي في قبضته القوية»، «تلتف ذراعاه حولي»، وكذلك تعلق الطفل الشديد بهذا الأب واستكانته لقوته. فالطفل على مدار الرواية يبدو وحيدًا، لا أم، لا أصدقاء، والأخت غير الشقيقة وأولادها شبه غرباء، أبوه هو الحصن الحامي، هو العارف، وهو الوتد الذي يتعلَّق به.
في مشاهد أخرى، يصاحب الأب ابنه إلى دورة المياه، يهدهد مخاوفه من الظلام، يطهو له الطعام ليلًا، يقرأ له القرآن قبل النوم، ويمسح على وجهه وعينيه.
تنقل تلك التفاصيل المكتوبة بأسلوب تقريري مشاعر عميقة على الرغم من استخدام لغة محايدة. لكن المفارقة تبدو في أنَّ قيام الأب بدور الأم، وما يضمره ذلك من عطف، يؤكد بشكل عكسي على خشونة حياة الطفل وما يفتقده من نعومة وجود المرأة ولين صحبتها، وهو ما يتجلَّى في مقاطع عدة يتذكَّر فيها الأم، وفي مشاهد علاقته بالجارة «ماما تحية»، وفي تشبث نظره دائمًا بتفاصيل فيها دفء المرأة وطعم الأنوثة والحنان المُفتقَد.
كذلك تبدو خصوصية علاقة الأب بالابن، في تواطئهما في متعة التَّلصُّص على الخادمات وبنات الجيران. ففي شرفة الحجرة يجلس الاثنان «يقول: يا ترى ده العريس؟ نعرف أنَّ سهام يجري الاحتفال بخطبتها اليوم. يأمرني أبي بإطفاء النور. نجلس في الظلام وعيوننا على النافذة المقابلة». (ص 130)
يقول محمد براده:
«تبدو أهمية علاقة الأب بابنه الطفل وما لها من خصوصية تستحق التحليل: ذلك أنَّ الأب الذي كان موظفًا في وزارة الحربية قد تقلَّب في النعيم، وسافر في زيارات عمل إلى تركيا والسودان، وأيَّد ثورة 1919، وخلّف ابنًا كبيرًا هو أخو نبيلة، ثم ماتت زوجته وهو على أبواب الكهولة، فتزوج من فتاة في السادسة عشرة، تعلقتْ به، وهو أيضًا أحبها وأنجب منها صنع الله وأختًا صغيرة آثر الكاتب ألا يتحدث عنها مع أنَّها كانت تعيش معهما، كما يذكر في (يوميات الواحات). ولكن مصاب الزوجة الشابة زعزع كل شيء ووضع الأب، خليل، على حافة الانهيار، لولا الولد المتعلق به والذي يعتبره بمثابة المدرسة الحقيقية التي علَّمته فنَّ الحكي والكلام، والنكتة والوطنية.. ليست مجرد علاقة أب بابنٍ، بل هي تجربة قوامها الحب، والمعرفة، ورفع التحدي لاستئناف الحياة في شروط مادية صعبة. وهي تجربة إنسانية عميقة، لأنَّ ذلك الطفل العاشق لأبيه والمفتون به، سيكتشف لحظات ضعفه وانحداره، متنقلًا من القوة والكبرياء والفحولة، إلى التضعضع والعجز، هذه العلاقة الحميمة الخاصة لم تسر على الرغم من ذلك في اتجاه واحد[1]».
الاتجاه الثاني في هذه العلاقة يظهر في جانب آخر يتناقض مع فكرة التقارب بينهما، ويتبدَّى من خلال الكشف العظيم الذي يبوح به الراوي قرب نهاية الرواية، عن مشهد لن يُمحَى من الذاكرة، يرى فيه أباه وهو يضاجع الخادمة، زوجة البواب. سَتَر الأديب هذا الخزي طوال مسيرة روائية تتأرجح، كما يقول، على حافة السيرة الذاتية.
«أخرج بحذر من تحت المائدة، أترك الشنطة فوق البوفيه وأقترب من باب الغرفة. قلبي يدق في عنف. أضع عيني على ثقب المفتاح. لا أرى شيئًا. أدير رأسي وألصق أذني به. لا أسمع شيئًا. أعدل وضع نظارتي فوق أنفي. أدير مقبض الباب برفق وأدفعه قليلًا. أردد في سري: (يا قرشيا شرابيا يهوبيا). أخطو داخلًا في اطمئنان لأنهم لن يروني. تطالعني مؤخرة أبي العارية بين ساقَي (فاطمة) العاريتين المرفوعتين إلى أعلى. راقدة على السرير ورأسها فوق الوسادة. أقترب خطوة أسمعها تقول: معلهش الظاهر أنت مليكش مزاج.. تقول بعد لحظة: مفيش فايدة. أقترب أكثر. تلتفت ناحيتي. تصرخ يا دهوتي. تزيحه جانبًا وتبسط ملابسها. تهم جالسة. يلتفت أبي برأسه يزعق بتعمل هنا إيه؟ أصيح: ينعل أبوكم».
المدهش في هذه الكتابة هو ابتعادها عن أي نبرة عاطفية، واختفاء شبه كامل للتعليقات الحُكمية: فالجمل قصيرة، بسيطة، والتعبير دقيق، والوعي لطفل بريء يسرد ما شاهده بعين كاميرا محايدة، لا تصدر تعليقات ولا تعبر عن مشاعر. يقول صنع الله إبراهيم: «أكرهُ الغنائية. الرواية فنُّ التفاصيل. لا تقل إنَّ المبنى طويل، أو الطريق طويل، بل اذكر عدد الطوابق أو الكيلومترات»[2]
تتجلَّى الفضيحة في جمل تقريرية تحدِّد ردَّ فعل كلٍّ من الشخصيات الثلاث المشارِكة في المشهد بشكل تلغرافي: «تصرخ يا دهوتي. تزيحه جانبًا وتبسط ملابسها. تهم جالسة. يلتفت أبي برأسه يزعق بتعمل هنا إيه؟ أصيح: ينعل أبوكم.
ينتهي الفصل بتلصُّص الطفل على والده وهو جالسٌ في غرفة الضيوف، وحيدًا «ينهنه كالأطفال». يشير الراوي في اقتضاب إلى بكاء الأب، وثورة الابن، ومن تلك الإشارات السريعة، يصل للقارئ ما يعيشه الأب من ألم، وصراعات مهينة مع الذات، والابن من حنق على الأب.
ما من شك أنَّ هذه الحادثة قد شكَّلت وعي الطفل من خلال صدمة لم ينجح في التعافي منها إلا مع كتابته «التلصص». يقول صنع الله إبراهيم إنه كتب «التلصص» وهو في سن أبيه. وإنه حتى كتابته لهذه الرواية لم يستطع أن يكتب عن طفولته، مفسرًا ذلك بأنَّه لم يكن مسنًّا بالقدر الذي يسمح له بفهم والده.[3] وهو ما يؤكد على أنَّ الانقطاع الوجداني الذي حدث مع صورة الأب بسبب هذه الحادثة، هو المسؤول عن توليد سردية النسب في «التلصص»، حين استطاع بعد مرور سنوات العمر أن يتطلع في بئر الذاكرة المضطربة ويستخرج منها جراحًا ظلَّت قابعةً لعشرات السنين.
شبح الأم
تظهر الأم على مدار صفحات الرواية بشكل متقطع في مشاهد يختلط فيها الحنان بالدلال بغرابة الأطوار، ثم تتجلَّى بشكل متواتر أمارات المرض العقلي لديها، حتى نصل إلى المشهد الأخير في الرواية الذي تتربَّع فيه على أحد أسِرَّة مستشفى الأمراض العقلية.
رأى الكثيرون أنَّ عنوان الرواية يحيل إلى عين الطفل التي تتلصَّص على الأب وعلى المجتمع، وعين الراوي الذي يتلصَّص على حقبة كاملة هي مصر في الأربعينات. يبدو أنَّ التلصُّص الأهم هنا هو تلصُّص على الذات، مواجهة النفس بإشكالية العلاقة بالأم وهتكه السر الذي ظلَّ كما يقول يحاول كتابته مرارًا ولم ينجح. يخرج السر من الوعي كالطلقة بعد آلاف من الصفحات المكتوبة على مدار سنوات العمر، لكي يذيل النهاية في رواية «التلصص».
نرى في الفصل الأخير مفتاحًا لقراءة العمل كله، بل نراه مفتاحًا لقراءة مسيرة صنع الله إبراهيم الأدبية التي افتتحها في 1966 بسيرة ذاتية هي «تلك الرائحة». ثم جاء هذا العمل في 2010 لكي يعيدنا إلى السيرة الذاتية مرة أخرى.
حاضر السرد في هذا المشهد يأتي بعد انتهاء الأب من صلاة الجمعة. نراه في انزوائه على السرير ممسكًا بمسبحته. أما الطفل فما بين مكتبه ومذاكرة دروسه، وما بين مشاهد الشارع التي يطالعها من شرفته. ثم ينقلنا النصُّ مباشرةً من مشهد سنِّ السكاكين في قلب الحارة بعين الراوي، إلى مشهد من الماضي للبوابة الحديدية التي تحيط بالمستشفى.
في هذه اللحظة الكاشفة، نتعرَّف للمرة الأولى بشكل مبهم للغاية على حقيقة مرض الأم العقلي. لقد ظلَّتْ صورتها على مدار العمل تتراءى وتختفي بشكل متشظٍ، وكأنَّ تلك الصورة عبارة عن لعبة «بازل» يضعها الراوي أمامنا في شكل قطع متناثرة، نحاول لملمة أشتاتها وفهم سبب غياب الأم عن حياة الوالد والطفل، حتى تتكشَّف لنا في الصفحة الأخيرة من الرواية ملفوفة في الغموض.
«شبشبها يكحت الأرض، كعباها تتخللهما الشقوق السوداء، ممر طويل تصطف على جانبيه أبواب مغلقة، بعضها له قضبان حديدية، خلفها نساء لهن نظرات غريبة. إحداهن تقهقه ضاحكةً بصوت عالٍ تُشير إلى امرأة بيضاء سمينة بوجه مليء بالبثور وتهمس: تعال. أتعلق بيد أبي. صالة مفتوحة بها عدة أسِرَّة. أمي فوق أحدها. تبتسم في هدوء. يُقدِّم إليها أبي كيس التفاح، تتناول منه واحدةً، تمسحها بيدها وتقضم جانبًا منها. تداعب وجهي بأصابعها. تسألني عن المدرسة في غير اهتمام. الممرضة الضخمة ترقبها عن كثب وعيناها على التفاح».
يبدو هذا المشهد كابوسيًّا في اقترابه من تفاصيل، وكأنها عين كاميرا في لقطات قريبة: (الكعوب ذات الشقوق السوداء - أبواب مغلقة - قضبان حديدية - نساء لهن نظرات غريبة - القهقهة العالية - وجه مليء بالبثور - تهمس: تعال. أتعلق بيد أبي - تبتسم في هدوء - عيناها على التفاح) هو مشهد الأصول المخفية، الذي يتم تأخيره حتى النهاية، وكأنَّ كل العمل في مراوحته ما بين الأب الحاضر والأم الغائبة هو سعي للوصول إلى تلك اللحظة، وكأنه مخاضٌ صعبٌ استمرَّ على مدار صفحات الرواية، بل على مدار صفحات كتابات العمر حتى خرج من الوعي.
يقول صنع الله إبراهيم عن محاولة كتابته الأولى: «كان من الطبيعي أنْ تتحوَّل الطفولة، التي استيقظت أدق لحظاتها في أيام السجن ولياليه الطويلة، إلى منجم غني بالنسبة للعمل الأول. لكني لم أكتب غير بضعة فصول، توقفت بعدها». إنَّ وصف مشهد الأم على فراش المرض في مستشفى الأمراض العقلية وهي «تبتسم في هدوء»، تأخَّر عشرات السنوات، ثم جاء في «التلصص» متحسسًا الطريق للورقة البيضاء، مسبوقًا بسيل من الذكريات كُتبت في شكل دفقات متناثرة، انتهت مع نهاية الرواية بانجلاء المخفي.
(تستكمل)
[1] محمد براده، صنع الله إبراهيم يبحث عن الجرح السري للطفولة، المؤتمر نت، 2/2/2007
[2] Robert Solé, «Le Petit Voyeur», de Sonallah Ibrahim : «Je hais le lyrisme. Le roman, c'est l'art du détail», Le monde, 18 septembre 2008.
[3] نفس المرجع.