هوامش
خلود محمدمشرط المُعالج وقلم الأديب: كيف يُعيد الطب النفسي تشكيل الرواية والشخصيات؟
2026.06.20
مشرط المُعالج وقلم الأديب: كيف يُعيد الطب النفسي تشكيل الرواية والشخصيات؟
من المعروف أنَّ الوسط الأدبي يزخر بأصحاب المهن المختلفة، إلا أنَّ ظاهرة انخراط الأطباء في عالم الأدب لطالما كانت بارزة، حيث قُدِّمت لنا أسماء لامعة مثل أحمد خالد توفيق، ونبيل فاروق، ومحمد المخزنجي. ومع ذلك، نادرًا ما يُسلط الضوء على تخصص «الطب النفسي» في الأدب الروائي، بعيدًا عن التصنيفات المعتادة لكتب علم النفس أو التنمية الذاتية.
عند قراءة نوفيلا «الخروج من غيط العنب» للكاتبة مي المغربي، يتبادر إلى الذهن سرُّ هذا التميز. يمكن إرجاع ذلك بوضوح إلى خلفية الكاتبة كأخصائية نفسية؛ إذ أثَّرت مهنتها بشكل جلي على كتاباتها الروائية. فاختلاطها بالحالات السريرية ودراستها المتعمقة للنفس البشرية مكّناها من بناء شخصيات عميقة ومُحكمة، وتقديم تشريح دقيق لها. هذا الاستنتاج يقودنا لاستدعاء اثنين من أبرز الكُتَّاب الذين يتميزون بالسمة ذاتها، وهما المبدعان والطبيبان النفسيان: إرفين د. يالوم، وطلال فيصل.
من المؤكد أنَّ ثمة روابط خفية تجمع بين هؤلاء الكُتّاب في أساليب السرد وبناء الشخصيات، نابعة من تقارب خلفياتهم الدراسية والثقافية، رغم اختلاف جنسياتهم وأجيالهم. ويبرز هذا التشابه في عدة محاور يمكن تتبعها عبر تحليل مجموعة من أعمالهم، منها «الخروج من غيط العنب» لمي المغربي، «عندما بكى نيتشه» لإرفين يالوم، وروايتَا «بليغ» و«سرور» لطلال فيصل.
التشريح العميق والتحليل النفسي للشخصيات
* في «الخروج من غيط العنب»: رغم قصر حجمها، تُقدِّم الكاتبة تشريحًا نفسيًّا بالغ العمق لشخصية البطلة «ناصرة». ففي صفحات مكثفة، نتتبع مسار حياتها منذ طفولتها حتى خروجها من حي «غيط العنب»، ونستكشف تفاصيل شخصيتها المعقدة، رغم عدم إدراك البطلة نفسها لأبعاد مشاكلها الخاصة حتى نهاية العمل.
* في رواية «عندما بكى نيتشه»: يشرح يالوم شخصية الفيلسوف فريدريك نيتشه ويحللها نفسيًّا عبر شخصيتَي مؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد، وجوزيف بروير؛ حيث تجمعهما بنيتشه جلسات تحليلية لاستنباط جذور أزماته.
يبحث الكاتب في الدوافع والظروف الكامنة وراء آراء نيتشه الفلسفية، طارحًا تساؤلًا حول ما إذا كانت فلسفات «القوة»، و«أخلاق العبيد»، و«هدم الأصنام»، و«الإنسان الأعلى» مجرد ستار يُخفي هشاشته الناتجة عن ألم مرضه العضوي (الشقيقة)، وأزمته العاطفية المتمثلة في رفض «لو سالومي»؛ المرأة الوحيدة التي أحبها بصدق.
* في رواية «بليغ»: ينجح طلال فيصل في رسم بورتريه متكامل للموسيقار بليغ حمدي معتمدًا على البحث في الأرشيف والتاريخ. تؤرِّخ الرواية لحياته وتشرح شخصيته بكل إيجابياتها ومساوئها، متعمقة في تفاصيله، لدرجة تُشعر القارئ بالقرب الحميمي منه. يحلل الكاتب دوافع علاقات بليغ، وأبرزها زواجه المعقد من المطربة وردة، إلى جانب سرد مسيرته الفنية الحافلة.
تقاطع علم النفس مع الأرشيف والرواية التاريخية
يشترك الأدباء الثلاثة في شغفهم بصياغة ما يمكن تسميتها بـ«الرواية التاريخية النفسية»:
* في «الخروج من غيط العنب»: تدور الأحداث عبر ثلاثة أجيال (جدة ناصرة، أمها، ثم ناصرة) في حي «غيط العنب» السكندري، الذي يُعدُّ من أقدم العشوائيات في مصر. يمثل العمل تأريخًا روائيًّا للمنطقة المنسية؛ بدءًا من هجرات الصعايدة بحثًا عن حياة أفضل، وصولًا إلى قرار إزالة الحي وتهجير سكانه. وتُصدّر الكاتبة فصولها بصور وقصاصات أرشيفية مجهولة المصدر، لتكشف لنا رحلتها في التنقيب داخل البيوت المهجورة قبل هدمها، صانعةً أرشيفًا لمن طواهم النسيان.
* في «عندما بكى نيتشه»: تدور الأحداث في أواخر القرن التاسع عشر. ورغم الطابع التخييلي للاجتماع الذي ضم الأبطال معًا، فإنَّ الشخصيات (نيتشه، فرويد، بروير، سالومي) حقيقية. تُبنى الرواية على محاولة فرويد تحليل نيتشه، لتشكل تأريخًا موازيًا لحياة هؤلاء المفكرين وعصرهم (وهو نهج يتكرر عند يالوم في روايات أخرى كـ«علاج شوبنهاور» و«مشكلة سبينوزا»).
* في رواية «بليغ»: تسير الحبكة في ثلاثة خطوط متوازية؛ الأول يتتبع حياة بليغ منذ صغره وحتى أزمته وهروبه ووفاته، ليمثل تأريخًا فنيًّا وسياسيًّا لتلك المرحلة. والخطان الثاني والثالث للرواة: شاب مصري مهاجر في ألمانيا بعد ثورة 2013 يقتفي أثر بليغ، ورجل يُدعى «سليمان العطار» مهووس بجمع تذكارات الموسيقار. هكذا يقدم فيصل رحلة هوس بجمع أرشيف بليغ، كما جمعت مي تاريخ غيط العنب (وهي تقنية يعتمدها طلال فيصل أيضًا في «سرور» و«جنون مصري قديم»).
المرض النفسي كمحرك درامي للإلهام
بحكم احتكاكهم السريري والمهني، شكّل «المرض النفسي» منبعًا ثريًّا ومؤثرًا في كتاباتهم:
* تبرز الكاتبة مي المغربي معاناة بطلتها من «اضطراب الهوية الجندرية» (Gender Dysphoria)، والمتمثل في حالة قلق وعدم ارتياح تجاه جنسها البيولوجي. تتقاطع هذه المعاناة مع إصابتها بـ«متلازمة تكيس المبايض»، مما يعزز يقينها بوجود «عطب» في جسدها يمنعها من أن تكون كبقية النساء. تفشل «ناصرة» في إدراك وتوصيف حالتها الطبية لانعدام الدعم المجتمعي، وحين باحت بمعاناتها لأصدقائها، تعرَّضت لوصمة قاسية ونُعتت بـ«الشاذة».
* أما إرفين يالوم، فيشرِّح شخصية نيتشه ليبرز هشاشته، موضحًا كيف تحوَّل رفض «سالومي» له إلى كراهية معلنة وحقد تجاه النساء في كتاباته. كما يحلل يالوم شعور الفيلسوف بالنقص وقلة الحيلة جراء مرضه، ما دفعه لإزاحة غضبه نحو الآخرين واعتناق رؤية استعلائية تحتقر المختلفين معه.
* وفي «سرور»، يُشخِّص طلال فيصل بدقة حالة الشاعر نجيب سرور، مبرزًا معاناته الواضحة من أعراض «اضطراب الشخصية البارانويدية» (Paranoid Personality Disorder).
تجلى ذلك في شكوكه المرضية بخيانة زوجته لمجرد نظرة عابرة دون دليل، وتهيؤاته بوجود مؤامرات تُحاك ضده من قِبل الحكومة، والوسط الثقافي، والنقاد لتدميره.
قادت هذه الضلالات المفتقرة للأدلة الشاعرَ في النهاية إلى إيداعه مستشفى العباسية للأمراض النفسية.
إحياء الشخصيات من رفوف النسيان
في المحصلة، يجمع بين هؤلاء الكُتّاب الثلاثة سعيٌ أدبي فريد لإعادة الشخصيات التاريخية إلى قيد الحياة، بدلًا من تركهم مجرد صفحات جامدة على «ويكيبيديا» لا تفي سوى بمعلومات مقتضبة.
لقد اختاروا شخصيات مشهورة لكن تفاصيل حياتها مجهولة لدى العامة، ونفثوا فيها الروح لتصبح شخوصًا حية ينفعل معها القارئ ويبني معها تواصلًا عاطفيًّا وكأنَّها تعيش بيننا اليوم، كما رأينا في شخصيات نيتشه، وبليغ، وسرور.
وينطبق هذا الإحياء على شخصية «ناصرة» المتخيلة؛ فهي وُلدت من رحم الأرشيف والتاريخ غير المحكي الذي جمعته مي المغربي من تحت أنقاض البيوت المهدّمة. لقد خلقت من روح ووجدان ذلك المكان شخصية تنبض بالحياة، لتؤكد لنا في النهاية أنَّ مشرط المُعالج النفسي حين يلتحم بقلم الأديب، فإنَّه يعيد تشكيل نظرتنا للرواية وللإنسان على حد سواء.