عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

Nicholas Greven

لائحة اتهام راؤول كاسترو ذريعة للحرب

2026.05.23

لائحة اتهام راؤول كاسترو ذريعة للحرب

 

لقد أمضت واشنطن عقودًا في حماية الإرهابيِّين من المنفيِّين الكوبيِّين، في الوقت الذي جرَّمت فيه رد فعل كوبا تجاههم. وتعدُّ لائحة الاتهام الموجَّهة ضد راؤول كاسترو الفصل الأحدث في تلك القصة، وذريعة لشيء أسوأ بكثير. لطالما ساد التسامح في واشنطن مع العنف، بما في ذلك الإرهاب، الموجَّه ضد كوبا؛ في حين لم يُتسامح أبدًا مع رد فعل كوبا عليه. إنَّ هذا المعيار المزدوج يُعرض مجددًا بشكل جلي مع تحرُّك إدارة ترامب لتوجيه اتهام إلى الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو على خلفية إسقاط طائرتين قبل ثلاثين عامًا - بينما يقوم الجيش الأمريكي بانتظام بتفجير قوارب في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، مما أسفر عن مقتل ما يقرب من 200 شخص مع الإفلات التام من العقاب. ولم يكن إسقاط طائرتي «سيسنا» عام 1996، التابعتين لمجموعة «إخوة لإنقاذ الحياة» بميامي، عملًا مفاجئًا أو معزولًا؛ بل جاء بعد استفزازات وتوغلات متكررة، وتحذيرات عديدة، ورفض الحكومة الأمريكية كبح جماح مجموعة تسعى علنًا للمواجهة. وإذ تُقدَّم هذه اللائحة المرتقبة على أنَّها مسعى طال انتظاره للمحاسبة على مقتل أربعة رجال، فإنَّها تستند إلى أساس مألوف: غضب انتقائي، وفقدان ذاكرة تاريخي، واستثنائية قانونية.

من مهمات الإنقاذ إلى الاستفزاز

تأسَّست مجموعة «إخوة لإنقاذ الحياة» على يد خوسيه باسولتو، أحد قدامى المحاربين في غزو خليج الخنازير الفاشل، والمتعاون مع وكالة المخابرات المركزية (CIA) بتاريخ حافل بالأعمال العنيفة ضد كوبا. ففي عام 1961، تورَّط في مؤامرة لقصف قاعدة صواريخ في هافانا. وبعد عام، ساعد في وضع قارب مسلح بمدفع قبالة الساحل وأطلق النار على فندق كان يُعتقد أنَّ فيدل كاسترو يتناول العشاء فيه. وقال باسولتو: «لقد تدربت كإرهابي على يد الولايات المتحدة». ويستند السرد التالي في جزء كبير منه إلى كتاب «القناة الخلفية إلى كوبا» لويليام ليوغراند وبيتر كورنبلو، اللذين يوثِّقان الاتصالات والأحداث التي سبقت إسقاط الطائرات. بدأت المجموعة عملها عام 1991 بتسيير مهمات بحث وإنقاذ لراكبي القوارب والمهاجرين. ولكن بعد أنْ أدى اتفاق الهجرة لعام 1994 لخفض تدفق المهاجرين بحدة، تَحوَّلت المجموعة من الإنقاذ إلى الاستفزاز العلني. ويذكر ريتشارد نوتشيو، المستشار الخاص للبيت الأبيض آنذاك: «لقد بدأوا في تنفيذ أجندة سياسية تهدف لمضايقة وتهديد الحكومة الكوبية». وانتهك طيارو المجموعة الأجواء الكوبية مرارًا، وأسقطوا منشورات تحثُّ الكوبيِّين على «تغيير الأمور الآن». استخدم المسؤولون الكوبيون كل وسائل الاتصال المتاحة ليوضِّحوا أنَّ صبرهم قد نفد. وكان باسولتو صريحًا؛ فبعد تحليقه فوق هافانا عام 1995، أعلن: «نحن نريد المواجهة»، لإظهار أنَّ «النظام ليس منيعًا». وحذَّرت كوبا واشنطن مرارًا من أنَّ هذه الرحلات غير قانونية وخطيرة. وقدَّم المسؤولون الكوبيون احتجاجات دبلوماسية، وأرسلوا أدلةً لإدارة الطيران الفيدرالية (FAA)، موضحين أنَّه إذا استمرت التوغلات، فقد تُسقط الطائرات. وكان المسؤولون الأمريكيون يعلمون أنَّ الخطر حقيقي؛ ففي رسالة بـ1996، أبلغت مسؤولة بالـ FAA رؤساءها بأنَّه «في يوم من الأيام، سيقوم الكوبيون بإسقاط إحدى هذه الطائرات». ومع ذلك، فشلت واشنطن في إيقافها، رغم استخدام كوبا كل القنوات لتوضيح نفاد صبرهم. وفي 24 فبراير 1996، أقلعت ثلاث طائرات للمجموعة بخطة طيران كاذبة تدعي البحث عن مهاجرين، بينما كانت تهدف لاختراق الأجواء الكوبية. حذَّر المراقبون الجويون الكوبيون الطائرات فورًا، فأجاب باسولتو: «نحن مستعدون للقيام بذلك. أنَّه حقنا». وبعد فترة وجيزة، أسقطت مقاتلات كوبية طائرتين، مما أسفر عن مقتل جميع الرجال الأربعة على متنهما، وعادت طائرة باسولتو إلى ميامي.

تحويل المأساة إلى سلاح

لم يُستغل الحادث لشيطنة كوبا فحسب، بل أعاد تشكيل السياسة الأمريكية لعقود. فقبل الحادث، كانت إدارة كلينتون تستكشف بحذر انفتاحات محدودة مع هافانا. لكن بعده، انتهز المتشددون الفرصة. ورغم تحذيرات داخل البيت الأبيض من المبالغة في رد الفعل، سارع كلينتون لدعم قانون «هلمز - بيرتون»، الذي قنَّن الحصار ووسَّع نطاقه ليسمح بمقاضاة الشركات الأجنبية بكوبا. وقد علق الرؤساء هذا البند لعقدين، حتى فعّله ترامب عام 2019، مما أطلق دعاوى قضائية أدت لهروب الاستثمارات الأجنبية. كما أصبح الحادث محورًا لمحاكمة خيراردو هيرنانديز، أحد «الخمسة الكوبيين» المُرسلين سرًّا لجنوب فلوريدا لمراقبة المنظمات الإرهابية. فرغم تسليم كوبا للـ FBI وثائق تفصيلية عن مؤامرات مموَّلة أمريكيًا عام 1998، كان الرد هو اعتقال العملاء الكوبيين. وأُدين هيرنانديز عام 2001 بتهم تتعلق بإسقاط الطائرات، رغم غياب أي دليل على علمه المسبق به أو مشاركته فيه. وبعد مرور ثلاثة عقود، يُحول الحادث مجددًا لسلاح لاستهداف كاسترو، مع تجاهل تاريخ المتطرفين العنيفين بفلوريدا، المستمر حتى يومنا هذا.

الإرهاب المنطلق من فلوريدا والإفلات من العقاب

في 25 فبراير 2026، تبادل قارب مسجل بفلوريدا يحمل عشرة مسلحين إطلاق النار مع خفر السواحل الكوبي. وحسب وزارة الداخلية الكوبية، بادر الرجال بإطلاق النار؛ مما أصاب قائدًا كوبيًا. وقُتل 5 من المسلحين، وجرى التحفظ على القارب وكميات ضخمة من الأسلحة والذخائر. وأفادت الأنباء بأنَّ جميع المسلحين مقيمون بالولايات المتحدة. وكان هذا الحادث الحلقة الأحدث في حملة مستمرة لعقود من الهجمات التخريبية الموجّهة ضد كوبا من الأراضي الأمريكية، والتي تمرُّ غالبًا دون عقاب، وبحماية سياسية ضمنية. والمثال الأسوأ هو تفجير رحلة الطيران الكوبية 455؛ حيث يُعتقد أنَّ أورلاندو بوش ولويس بوسادا كاريليس دبرا تفجير الطائرة عام 1976، مما أسفر عن مقتل 73 شخصًا، بينهم أطفال والمنتخب الكوبي للمبارزة. وصف الـ FBI لاحقًا منظمة بوش بأنَّها «إرهابية»، كما تورط كاريليس بحملة تفجيرات عام 1997 استهدفت فنادق بهافانا. وبدلًا من محاكمتهما، حَمَتْهما الولايات المتحدة. ففي 1990، سمح جورج بوش الأب لـ بوش بالبقاء رغم قرار بترحيله لأنشطته الإرهابية. كما هرب كاريليس من سجن فنزويلي، ودخل الولايات المتحدة بشكل غير قانوني في 2005، وجرت حمايته من التسليم، ولم يُحاكم قط بأمريكا، وعاشا بحرية في ميامي حتى وفاتهما. إنَّ ميامي هي نقطة الانطلاق للمعايير المزدوجة؛ فالصقور المتشددون فيها لطالما تبنوا الإرهاب ضد كوبا باسم «الحرية». وليس مستغربًا أنْ يأتي مسعى اتهام كاسترو بعد حثِّ المتشددين بفلوريدا لوزارة العدل على ذلك.

كوبا تحت المحاكمة.. وواشنطن فوق القانون

لا ينتهي النفاق هنا؛ فمنذ بداية القرن، قصفت الولايات المتحدة أهدافًا بدول متعددة دون إعلانات حرب أو تفويض أممي، ودون اهتمام يُذكر بالمدنيين. وبينما تُعد واشنطن لوائح اتهام ضد كاسترو؛ بسبب حادثة وقعت قبل 3 عقود، أمضت إدارة ترامب الأشهر الأخيرة في إعدام أشخاص على قوارب بالمياه الدولية دون أي محاسبة. فمنذ سبتمبر 2025، شنَّت الولايات المتحدة ما يقرب من 60 ضربة عسكرية في الكاريبي والمحيط الهادئ تحت اسم «عملية رمح الجنوب»، مدعية استهداف «المهربين». أسفرت العمليات عن مقتل 193 شخصًا على الأقل، باستخدام تكتيكات كطائرات مموهة وضربات «النقر المزدوج» لاستهداف الناجين. ولم يُعرض أي دليل علنًا، فصور الأقمار مُصنَّفة سريةً، وحتى أسماء القتلى لم تُنشَر. وتعكس هذه العمليات المعيار المزدوج: عنف الولايات المتحدة مشروع، وعنف خصومها غير مشروع حتى للدفاع عن النفس.

إعادة تغليف تغيير النظام كأنه عدالة

لائحة الاتهام المرتقبة ليست لتصفية حساب قديم؛ بل تخدم أهداف السياسة الخارجية لتحويل تهم واهية إلى ذريعة قانونية لتغيير النظام وربما التدخل العسكري. ووفقًا لـ«إن بي سي»، يعاني ترامب إحباطًا من قدرة الحكومة الكوبية على الاحتفاظ بالسلطة رغم العقوبات غير المسبوقة وحظر النفط. ومع فشل الحرب الاقتصادية في إحداث انهيار، يصيغ البنتاغون خططًا لعمل عسكري. وبما أنَّ تهمة «الإرهاب المرتبط بالمخدرات» لا يمكن تطبيقها على كوبا التي تعتبرها الخارجية شريكًا بمكافحة المخدرات، توفر لائحة الاتهام ضد كاسترو مبررًا واهيًا للتدخل، وتضع الأساس القانوني لمرحلة أكثر عنفًا في حصار واشنطن لكوبا.